الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قالَ: ثمَّ لزِمتهُ حتَّى فَتَحَ اللهُ، وبلغْتُ ما بلغتُ مِنَ العلمِ.
وفيما رأيتُهُ مِنِ النُّسخةِ تصحيفٌ لاسمِ أبي سعيدٍ المُتولي فَكَتَبتُهُ علَى الصوابِ.
وذكَرَ القاضي هذه الحكايةَ بعدَ ألفاظٍ أوردَها لقصدِ تعظيمِ المسألةِ، وأنَّها تفتقرُ إلَى مزيدِ بيانٍ، واحتفالٍ في الاهتبالِ (1)، هذا معَ ادِّعاءِ أنَّ الظاهرَ يُخالفُ الأصلَ، وفيهِ نظرٌ؛ لاسيما إذا عُلِّلَ بإصابةِ مَحَلِّ الاستنجاءِ، فإنَّ كونَ الظاهرِ ذلكَ فيهِ بعدٌ، وقد قدَّمنا قولَ مَنْ قالَ: إنَّ موضِعَ الاستجمارِ لا تنالُهُ يدُ النائِمِ إلَّا معَ القصدِ لذلكَ، وما قالَهُ ظاهِرٌ أو قريبٌ من الظهورِ، وأمَّا إذا عُلّلَ بملامَسةِ المُستقذراتِ فدعوَى الظهورِ في ذلكَ أقرب.
الثالثة والعشرون:
جرَى الظاهريُّ علَى سبيلهِ المعروفةِ وطريقِهِ المألوفَةِ، وقالَ: زعَمَ قومٌ أنَّ هذا الغَسلَ خوفَ نجاسةٍ تكونُ في اليدِ، وهذا باطلٌ لا شكَّ فيهِ؛ لأنَّهُ عليه السلام لو أرادَ ذلكَ لمَا عَجَزَ عن أنْ يُبَيِّنَهُ، ولما (2) كَتَمَهُ عن أُمَّتِهِ، وأيضاً فلو كانَ ذلِكَ خوفَ نجاسةٍ لكانَت الرِّجلُ كاليدِ في ذلِكَ، ولَكانَ باطنُ الفَخِذَينِ، وما بينَ الأليَتَينِ، أولَى بذلكَ.
(1) الاهْتِبال: الاغْتِنام.
(2)
في الأصل: "وما"، والمثبت من "ت".
قالَ: ومِنَ العجبِ علَى أصُولهِم أنْ يكونَ ظَنُّ كونِ النجاسةِ في اليدينِ يوجِبُ غَسلَهُما ثلاثاً، فإذا تَيَقَّنَ كونَ النجاسَةِ فيهِ أجزأَ إزالتُهَا (1) بِغَسلَةٍ واحدةٍ.
وإنَّما السببُ الذي من أجلِهِ وَجَبَ غَسلُ اليَدِ هو ما نصَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من مَغيبِ النائِمِ عن دِرايَةِ أينَ باتَتْ يدُهُ فقط، ويجعلُ اللهُ تعالَى ما شاءَ سبباً لما شاء؛ (2) كما جعلَ بُعدَ الريحِ الخارجِةِ من أسفَل سبَباً (3) يوجِبُ الوضوءَ، وغَسلَ الوجهِ، ومسحَ الرأسِ؛ وغسلَ الذراعين؛ والرِّجلينِ (4).
فنقولُ: أمَّا قولُكَ: إنَّهُ باطِلٌ لا شَكَّ فيه؛ لأنه عليه السلام لو أرادَ ذلكَ لما عَجَزَ عن أنْ يُبَيِّنَهُ، ولما كَتَمَهُ عن أُمَّتِهِ.
فإنْ أرَدْتَ بِهِ وجوبَ البيانِ بالنصِّ الصريحِ الذي لا يحتملُ التأويلَ فهذا باطلٌ، وكَم من نُصوصٍ في الكتابِ والسنةِ تحتاجُ في تعيينِ المرادِ مِنها إلَى نَظَرٍ دقيقٍ، ولو وَجَبَ البيانُ الصريحُ الذي لا يقبلُ الاحتمالَ لارتفعَ الخلافُ.
(1)"ت": "إزالتهما".
(2)
زيادة من "ت".
قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: موضع هذا الهامش في المتن غير مثبت بالمطبوعة
(3)
"ت": "سببها".
(4)
انظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 207).
وإنْ أردتَ ببيانِهِ ما هوَ أعَمُّ مِنْ ذلِكَ، فقدْ بيَّنَهُ صلى الله عليه وسلم علَى حسبِ ما يَفهَمُهُ الناسُ، ويتخاطَبُونَهُ (1) بينهم؛ فأمَّا أصلُ التعليلِ فَقَد تَبَيَّنَ بـ (الفاءِ) و (ثمَّ)، وأمَّا كونُهُ لأَجلِ احتمالِ النجاسةِ، أو القذارةِ، فذلكَ لفَهمِ السياقِ في مثلِ هذا الكلامِ للعلةِ؛ لأنَّ مَنْ عَلِمَ من قواعِدِ الشرعِ التحرُّزَ (2) مِنَ النجاسةِ، وتأثرَ الماءِ بوقوعِ النجاسةِ فيهِ، وطَلَبَ الشرعِ النظافةَ، وسَمعَ هذا اللفظ المُقتضي للتعليلِ، لمْ يَشكَّ بأنَّ المقصودَ التَّحرُّزُ؛ إمَّا عن النجاسةِ، أو القذارةِ.
ومنْ زَعَمَ أنَّهُ لا فَرقَ بينَ أنْ يُؤمَرَ قاصدُ وضْعِ يدهِ في الماءِ للوضوءِ بِغَسلِهَا قبلَ ذلك؛ ويُعلَّلُ ذلِكَ بأنَّهُ لا يدري مبيتَ اليدِ أيَّ مكانٍ من الجسدِ، وبينَ أنْ يؤمَرَ بهذا الغسلِ في مثلِ هذه الحالةِ، ويعلَّلَ بهبوبِ الرياحِ، و (3) نَعيقِ الغرابِ، بالنِّسبَةِ إلَى عدمِ (4) المناسبةِ، فما بهِ في العقلِ من طباخٍ.
وأما قولُهُ: فلو كانَ ذلِكَ خوفَ نجاسَةٍ لكانَتِ الرِّجلُ كاليدِ في ذلكَ، ولكانَ باطنُ الفخذينِ، وما بينَ الأَليتينِ، أولَى بذلكَ، فكأنَّهُ فهمَ أنَّ المقصودَ من قولِ مَنْ قالَ: إنَّ ذلِكَ للنجاسةِ،
(1)"ت": "ويتخاطبوه"، وكتب فوقها "كذا".
(2)
في الأصل: "على التحرز"، والمثبت من "ت".
(3)
"ت": "أي" بدل "و"، وكتب فوقها "كذا".
(4)
"ت": "هذا" بدل "عدم".
مُجرَّدُ إزالة النجاسة، وليسَ الأمرُ كذلِكَ، وإنما المقصودُ إزالةُ احتمالِ النجاسةِ؛ حَذَراً مِنْ أنْ تَصِلَ إلَى ماءِ الوضوءِ فتُفسِدَهُ، وهذا المعنَى مُحَالٌ في الفَخِذَينِ؛ لأنَّهُما لا تَعَلُّقَ للوضوءِ بِهِما، وإنَّما المقصودُ ما يتعلقُ بأعضاءِ الوضوءِ وغَسلِهِما، وتنزيهُ ماءِ الوضوءِ المستعملِ في أعضائِهِ عن احتمالِ التَّنجِيسِ.
وأمَّا قَولُهُ: ومِنَ العَجَبِ علَى أُصُولهِم أنْ يكونَ ظَنُّ كونِ النجاسةِ في اليدينِ يوجِبُ غَسلَهُما ثلاثاً، فإذا تيقَّنَ كونَ النجاسةِ فيهِ أجزأَ إزالتُهَا بغسلةٍ واحدةٍ.
فإمَّا أنْ يكونَ كلامُهُ معَ منْ يقولُ: إنَّ هذا الأمرَ للاستحبابِ أو الندبِ، أو مع منْ يقولُ بأنَّهُ للوجوبِ، فإنْ كَانَ الأولُ فقدْ [التزمَ](1) ذلكَ، وقيلَ بأنَّه (2) يُستَحَبُّ في غسلِ النجاسةِ التثليثُ، فإنَّهُ إذا استُحبَّ مع الشكِّ فلَأَنْ يُستَحَبَّ مع اليقينِ أولَى.
وإنْ كَان مع منْ يقولُ بالوجوبِ فلأحمدَ بنِ حنبلٍ - وهوَ منَ القائلينَ بهِ - قولٌ: إنَّ النجاسةَ تُغسَلُ سبعاً؛ كما في الكلبِ، واختلفَ أصحابُهُ في وجوبِ التتريبِ علَى وجهينِ (3)، فلا عجَبَ من
(1) سقط من "ت".
(2)
في الأصل: "أنه".
(3)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (1/ 74)، و "الإنصاف" للمرداوي (1/ 91 - 92)
الأؤلين، ولا منَ الآخِرين.
وإنْ كَان [أحدٌ](1) يقولُ بالوجوبِ (2) عندَ الشكِّ والتردُّدِ، ولا يقولُ بهِ عندَ التيقنِ (3)، فهو مخطئٌ.
[بلْ منَ العجَبِ أنَّ الظاهريَّ نسِيَ ظاهِريَّتَهُ، وقالَ: إنَّهُ فرضٌ علَى كلِّ مستيقظٍ من النومِ؛ قلَّ أو كثُرَ، نهاراً كانَ أو ليلاً، قاعداً أو مضطَجِعاً أو نائِماً، في الصلاةِ أو في غيرِ الصلاةِ، كيفَ ما نامَ أنْ لا يُدخِلَ يدَهُ في وَضوئِهِ؟ في إناءٍ كان وُضوءهُ، أو منْ نهرٍ، أو مِن غيرِ ذلكَ، إلا حتَّى يغسِلَهَا ثلاثَ مراتٍ، وَيستنشِقَ، ويستنثِرَ ثلاثَ مراتٍ، فإنْ لمْ يفعلْ ذلِكَ لمْ يَجُزِ الوضوءُ ولا الصلاةُ؛ ناسياً في تركِ ذلكَ أو عامداً، وعليهِ أنْ يغسِلَهُما ثلاثَ مراتٍ، ويستنشِقَ كذلكَ، ثمَّ يبدأَ الوضوءَ والصلاةَ.
والماءُ طاهرٌ بحسبِهِ إلا أنْ يُصَبَّ علَى يدِهِ ويَتَوضَّأُ دونَ أنْ يغمسَ يدَهُ، فوضُوءُهُ تامٌ، وصلاتُهُ تامةٌ، قالَ: برهانُ ذلكَ، ثمَّ أسنَدَ حديثاً من روايةِ أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفِ، عن أبي هريرةَ، ولفظُهُ: "إذا استيقَظَ أحدُكُم منْ نومِهِ فلا يغمِسْ يدَهُ حتَّى يغسِلَها
(1) زيادة من "ت".
(2)
في الأصل: "الوجوب"، والمثبت من "ت".
(3)
"ت": "اليقين".
ثلاثاً؛ فإنَّهُ لا يَدرِي أينَ باتَتْ يدُهُ" (1).
ففي أوَّلِ كلامِهِ تخصيصُ هذا الحكمِ بالوضوءِ، والذي استدلَّ بِهِ لا تخصيصَ فيهِ، فالواجبُ أنْ يَعُمَّ الحُكمُ، وإنْ أخذَ ذلكَ منَ الحديثِ الذي فيهِ:"في إنائِهِ"، فذلكَ [بعيدٌ]، عن الصوابِ؛ لأنَّه يَتبعُ الأسماءَ، ويُجري الأحكامَ عليها، واسمُ الإناءِ لا ينطلقُ علَى النهرِ، وقد عدَّى الحكم إليه.
وأمَّا أمرُ المضمَضَةِ والاستنشاقِ فإنَّهُ أورَدَ حديثَ أبي هريرةَ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذا استيقَظَ أحدُكُم منْ منامِهِ، فتوضَّأَ، فليَستنثِرْ ثلاثَ مراتٍ، فإنَّ الشيطانَ يَبيتُ علَى خَيشومِهِ"، وأتبعَهُ بإسنادٍ آخرَ لفظُهُ:"إذا استيقَظَ أحدُكُم منْ منامِهِ فليستنثِرْ ثلاثَ مراتٍ؛ فإنَّ الشيطانَ يبيتُ علَى خَيشومِهِ"، وإسنادٍ آخرَ لفظُهُ:"إذا استيقظَ أحدُكُم منْ منامِهِ فتوضَّأَ"؛ كما في الأولِ (2)، فليسَ في شيءٍ منْ هذا ما يدُلُّ علَى كونِهِ يجبُ أنْ يغسلَها ثلاثَ مراتٍ، ويستنشقَ ويستنثرَ ثلاثَ مراتٍ، قبلَ أنْ يُدخِلَها في الإناءِ، وإنَّما الأمرُ فيهِ الأمرُ بالاستنشاقِ والاستنثارِ في الوضوءِ لا غير.
هذا إنْ أوجَبَ الاستنشاقَ والاستنثارَ قبلَ إدخالِ اليدينِ في الإناءِ،
(1) تقدم تخريجه عند مسلم وغيره. وانظر: "المحلى" لابن حزم (1/ 206 - 207).
(2)
المرجع السابق، (1/ 208 - 209).