المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أتتقلب الأمم بتقلب الأحوال ونحن نحن - مجلة الأستاذ

[عبد الله النديم]

فهرس الكتاب

- ‌العدد 1

- ‌الفاتحة

- ‌شكر النعم

- ‌مقدمة مدح ومعرفة جميل

- ‌العدد 2

- ‌الحياة الوطنية

- ‌شكر جميل وثناءٌ جليل

- ‌الآداب

- ‌الهلال

- ‌التقاريظ

- ‌تهنئة قدوم

- ‌نوادر

- ‌فكاهات

- ‌العدد 3

- ‌التماس عفو

- ‌الأخلاق والعادات

- ‌باب التهذيب

- ‌غبطة

- ‌التقليد ينقل طباع المقلد

- ‌زجل

- ‌المعلم حنفي ونديم

- ‌سؤال

- ‌همة تشكر

- ‌شرح قانون العقوبات

- ‌إصلاح

- ‌حسن عناية

- ‌العدد 4

- ‌الجامعة الوطنية والاختلاط العمراني

- ‌اعتذار

- ‌الاقتصاد الشرقي

- ‌باب الأدبيات

- ‌تهنئة قدوم

- ‌الجاه

- ‌سعيد وبخيته

- ‌مرويات

- ‌رثاء

- ‌البوسطة

- ‌المنحة الدهرية

- ‌العدد 5

- ‌المرافعة الوطنية

- ‌المعلم حنفي ونديم

- ‌سؤال

- ‌شكر وثناء

- ‌اعتذار

- ‌احتفال

- ‌العدد 6

- ‌دستور

- ‌قصيدة الشيخ أحمد محمد القوصي

- ‌زجل الشيخ عبد الجواد

- ‌حنيفة ولطيفة

- ‌باب الأدبيات

- ‌تهنئة

- ‌تقاريظ

- ‌التماس

- ‌العدد 7

- ‌الراوي

- ‌أبو دعموم والشيخ مرعي

- ‌لطيفة ودميانه

- ‌بضاعتنا ردت إلينا

- ‌تابع الجواب عن الرجل والمرأة

- ‌قل موتوا بغيظكم

- ‌اعتراض مغفل

- ‌المولد النبوي الشريف

- ‌رثاء وعزاء

- ‌العدد 8

- ‌اللغة والإنشاء

- ‌المرافعة الوطنية

- ‌بشارة نجاح

- ‌تهنئة قدوم

- ‌حكمت

- ‌رثاء وعزاء

- ‌تصحيح

- ‌العدد 9

- ‌المرافعة الوطنية

- ‌تربية الأبناء

- ‌الجرايد

- ‌زبيدة ونبويه

- ‌خير أعياد مصر

- ‌تكذيب قرية

- ‌وداع ونرجو أن يكون ودادا

- ‌كتاب التحفة الوفائية

- ‌أمل

- ‌تقاريظ

- ‌رثاء وعزاء

- ‌العدد 10

- ‌وظائف العلماء في العالم

- ‌الطبقات الاجتماعية

- ‌عقد اتفاق

- ‌عرض حال نساء السكارى لأزواجهن

- ‌الرشاد والنصوح

- ‌رثاء وعزاء

- ‌رد شبهة

- ‌باب الأدبيات

- ‌إعلان

- ‌سرد الحجة على أهل الغفلة

- ‌العدد 11

- ‌رأي جمهور من الأفاضل

- ‌مدرسة البنات

- ‌إعلان

- ‌زجل بقلم الفاضل النحرير محمد حامد أفندي

- ‌باب الأدبيات

- ‌رثاء

- ‌سؤال عن خنثى

- ‌إعلان

- ‌قاموس عربي وفرنساوي

- ‌قلادة العقيق لجيد الغرامطيق

- ‌العدد 12

- ‌وظائف العلماء في العالم

- ‌حنيفه ولطيفة

- ‌باب الأدبيات

- ‌تهنئة

- ‌رسالة

- ‌قصيدة لمصطفى أفندي حسن

- ‌رسالة

- ‌المعلم حنفي ونديم

- ‌جواب على سؤال الخنثى

- ‌اعتذار

- ‌ثناء وتهنئة

- ‌رثاء

- ‌العدد 13

- ‌طريق الوصول إلى الرأي العام

- ‌مدرسة البنين

- ‌مدرسة البنات

- ‌المقامة الخيلية

- ‌ الأستاذ

- ‌محاسن العرب

- ‌تهاني

- ‌سؤال

- ‌سؤال

- ‌رثاء

- ‌رثاء وعزاء

- ‌العدد 14

- ‌زيادة الحضرة الخديوية للمدارس المصرية

- ‌باب الإنشاء والمآثر

- ‌عمارة والزناتي

- ‌جمعية الكمال بأسيوط

- ‌تقاريظ

- ‌جواب الشيخ عبد الفتاح الجمل عن سؤال القاضي

- ‌عمر

- ‌العدد 15

- ‌بمَ تقدموا وتأَخرنا والخلق واحد

- ‌مدرسة البنين

- ‌مدرسة البنات

- ‌الللآلي السنية في الأصول الحسابية

- ‌العدد 16

- ‌إِنَّمَا يَقْبَلُ النَّصِيحَةَ مَنْ وُفِّق

- ‌مدرسة البنين

- ‌مدرسة البنات

- ‌رسالة من الشيخ علي محمد سالم

- ‌إن في ذلك لعبرة

- ‌جمعية العروة الوثقى باسكندرية

- ‌المروءة

- ‌باب الأدبيات

- ‌تقاريظ

- ‌العدد 17

- ‌لِمَ اخْتَلَفَتْ كَلِمَتُنا إذَا اتَّحَدَتْ وِجهْتَنَا

- ‌مدرسة البنين

- ‌مدرسة البنات

- ‌باب الأدبيات

- ‌زيارة

- ‌تقاريظ

- ‌تنزير الأذهان

- ‌ورشة بولاق

- ‌أفراح جليلة

- ‌العدد 18

- ‌أَتَتَقَلَّب الأُمم بتَقَلُّب الأَحوال ونحنُ نحنُ

- ‌العالم سيديو الفرنساوي الشهير

- ‌الأفراح الرياضية

- ‌المولد الحسيني

- ‌العدد 19

- ‌عيد ميلاد الحضرة الخديوية الفخيمة

- ‌الأفراح الرياضية

- ‌الآداب العامة

- ‌إن المساجد لله

- ‌لا أكراه في الدين

- ‌المعلم حنفي والسيد عفيفي

- ‌باب الأدبيات

- ‌تقريظ

- ‌رجاء وإرجاء

- ‌رثاء

- ‌خطبة ابن السماك

- ‌هداية السائل إلى إنشاء الرسائل

- ‌عجب وعجاب

- ‌العدد 20

- ‌أشتات الشرق وعصبيات أوروبا

- ‌باب اللغة

- ‌إحصاء الجرائد

- ‌مدرسة النبل الخيرية

- ‌منتمى الحرية

- ‌شكر عناية

- ‌فرصة الأوقات

- ‌إجابة طلب

- ‌العدد 21

- ‌عيد الجلوس الخديوي

- ‌رسالة من الشيخ علي سالم

- ‌رسالة مغربية

- ‌استلفات أنظار

- ‌تقاريظ

- ‌فريق التمثيل العربي

- ‌جريدة الأزهر

- ‌تهيئة بشفاء

- ‌نعمة تذكر لتشكر

- ‌تنبيه

- ‌السلسلة الدرية في الفكاهات التاريخية

- ‌رسالة من إبراهيم أفندي الأنجباوي

- ‌العدد 22

- ‌لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا

- ‌الأستاذ والمقطم

- ‌الوزارة الجديدة

- ‌تبرع بجريدة

- ‌نتيجة التعليم الأجنبي

- ‌شكر وعناية

- ‌تنبيه

- ‌العدد 23

- ‌الحقوق المقدسة

- ‌نصيحة مخلص في خدمة وطنه وأخوانه

- ‌عناية سلطانية

- ‌قصيدة مديح في الخديوي

- ‌تاريخ البشري البهية بعود الوزارة الرياضية

- ‌جمعية العروة الوثقى

- ‌العدد 24

- ‌لا دليل على دعوى تهديد الأمن العام

- ‌اغرب ما رؤي في مصر

- ‌محل نظر

- ‌سؤال

- ‌سؤال

- ‌عدل الانكليز وأحكامهم

- ‌قصائد خديوية

- ‌شكر تفضل

- ‌أفراح سعادة سالم باشا

- ‌العدد 25

- ‌مستقبل مصر

- ‌القصائد العباسية الخديوية

- ‌نصيحة

- ‌إمعان النظر في محل نظر

- ‌المساواة بين البنين

- ‌أعياد الصعيد ـ بالسفر السعيد

- ‌غبطة بطريرك الإقباط

- ‌المهندس

- ‌باب الرثاء

- ‌أمل

- ‌رجاء

- ‌العدد 26

- ‌العلماء والتعليم

- ‌تهنئة قدوم

- ‌أدبيات

- ‌العدد 27

- ‌الزراعة في مصر

- ‌رسالة في ذم الفاحشة والعزوبة

- ‌المحافظة على الصحة واجبة

- ‌قصائد خديوية

- ‌ديوان الأوقاف

- ‌بلوغ المرام في جراحة الأقسام

- ‌سؤال وجواب

- ‌رجوع إلى حق

- ‌حنيفة ونديم

- ‌الهدى. والمدرسة. والثمرة

- ‌اعتذار

- ‌رجاء

- ‌العدد 28

- ‌حالنا أمس واليوم

- ‌حنفي ونديم

- ‌تهنئة قدوم

- ‌تقريظ

- ‌العدد 29

- ‌مجتمع اللغة العربية بمصر

- ‌متى يستقيم الظل والعود أعوج

- ‌باب الأدبيات

- ‌هذه يدي في يد مَنْ أضعها

- ‌مقالة الشيخ محمد سلامه

- ‌شكر عناية

- ‌تنبيه

- ‌اعتذار

- ‌الشرائع

- ‌بشرى

- ‌العدد 30

- ‌تجاذب الجنسيات والأديان

- ‌رسالة

- ‌مسجد ليفربول

- ‌شكر وثناء وتهنئة

- ‌رواية سمير الأمير

- ‌تقرير جمعية العروة الوثقى

- ‌العدد 31

- ‌المعارف بمصر

- ‌رمضان المبارك

- ‌تهنئة

- ‌رسالة الشيخ إبراهيم بصيلة

- ‌المسلمون والأقباط

- ‌أسف ورجاء

- ‌استلفات

- ‌العدد 32

- ‌حافظ ونجيب

- ‌الخلاصة الوجيزه ودليل المتفرج على متحف الجيزة

- ‌تنبيه

- ‌تنبيه آخر

- ‌جمعيتا المسامرة والفتوح الخيرية

- ‌الجزآن الرابع والخامس من كتاب الانتصار لواسطة

- ‌عقد الأمصار

- ‌العدد 33

- ‌بمن أقتدي إذا اختلفت الآراء

- ‌الحرب أخت الإنسان

- ‌التشخيص العربي

- ‌الجوهر النفيس على صلوات ابن أدريس

- ‌مرآة التأمل في الأمور

- ‌التقدم المصري

- ‌العدد 34

- ‌العيد السعيد

- ‌العَدْوَى الأوروبية للبلاد الشرقية

- ‌تهنئة

- ‌الطرق وما فيها من البدع

- ‌الاتجاه إلى الأستاذ

- ‌حرب الأقلام بجيوش الأوهام

- ‌تهنئة قدوم

- ‌الزيارة العيدية

- ‌(المربي)

- ‌هناء المحبين

- ‌نهاية الأوطار في عجائب الأقطار

- ‌رثاء عظيم

- ‌العدد 35

- ‌تشرف أهل القطر برؤية أميرهم في عيد الفطر

- ‌قلائد التهاني

- ‌هذا عندكم فما مقابله عندنا

- ‌الطرق وإصلاحها

- ‌التهاني الخديوية

- ‌المكرر أحلى

- ‌يا بني الإنسان أدركوا إخوانكم

- ‌رثاء

- ‌رثاء فاضل

- ‌تعيين

- ‌العدد 36

- ‌تشريف الجناب العالي مدينة إسكندرية

- ‌الصنائع والصنّاع

- ‌النشأة المصرية

- ‌النصيحة العامة بأوجز مقالة في النهي عن البطالة

- ‌والجهاله

- ‌محاسن أمير المؤمنين أيده الله

- ‌تهاني

- ‌رياض التوفيق

- ‌طب الركه

- ‌البصبرة والرأي العام

- ‌تهنئة بنجاح

- ‌أعجب ما كان في الرق عند الرومان

- ‌العدد 37

- ‌التربية والتعليم

- ‌مملكة بروسيا

- ‌أسباب الحرب

- ‌صبر جميل

- ‌الكسوة الشريفة

- ‌مصنوع البلاد

- ‌رجاء

- ‌المسويو بطرون

- ‌فاجعه

- ‌العدد 38

- ‌دفع اعتراض البشر عن اعتقاد القضاء والقدر

- ‌سؤال

- ‌الأزهر الشريف بمصر وجامع الزيتونة بتونس

- ‌العدد 39

- ‌الأعداء

- ‌الحكاكه في الركاكة

- ‌جريدة بروج

- ‌الغرب الأقصى

- ‌الكرباج والعفريت

- ‌تهنئة

- ‌كتاب طب الركه

- ‌العدد 40

- ‌حفظ الصحة

- ‌رسالة

- ‌تابع التربية والتعليم

- ‌ورشة حسبو أفندي محمد بإسكندرية

- ‌تهنئة

- ‌القول المفيد في آثار الصعيد

- ‌المنتقد

- ‌الكمال

- ‌ثناء

- ‌بروجر

- ‌المقطم

- ‌وكيل تحصيل

- ‌رثاء

- ‌هدية

- ‌العدد 41

- ‌محمدةٌ عُدت مذمة

- ‌تابع حفظ الصحة

- ‌باب الأدبيات

- ‌منقبة

- ‌من أحد السوريين

- ‌لا حر في الدنيا بل الكل رقيق

- ‌سؤال

- ‌العدد 42

- ‌مذهب النباتيين

- ‌إعلان

- ‌تابع حفظ الصحة

- ‌تحية وسلام

الفصل: ‌أتتقلب الأمم بتقلب الأحوال ونحن نحن

‌العدد 18

- بتاريخ: 20 - 12 - 1892

‌أَتَتَقَلَّب الأُمم بتَقَلُّب الأَحوال ونحنُ نحنُ

. نعم. فإن شجر العداوة والحسد مغروس في قلوبنا يسقى بماء الحقد وكلما جف احتكت جذوعه فالتهبت نيرانه وبات كل شرقيٍ يصطلب بنار أخيه المشتعلة بإجزاء ذاته التي يظن أنها تشفي غيظه وتريحه باحراق من يراه مثيلاً يدافعهُ أو قريناً يساويه في الرتبة وما احترقت إلا أعضاء الهيئة الاجتماعية ولا عدمت إلا دعائم الوطنية والملك. فنحن في انتظار هلاك بعضنا ننتظر خراب ديارنا وضياع أوطاننا واهمين أن ما حصل لزيد إنما هو انتقام سنة لعبيد وما نكب به عمرو وسيلة لرفعة خالد فالجار يترقب موت جاره مع علمه أنه غير وارثه والابن ينتظر موت ابيه مع كونة واسطة وجوده والمرؤس يرى موت رئيسه مع أنه حجاب بينه وبين الضياع والمجموع يمقت بعضهُ بعضاً وكل زي لب لا شاغل لهُ إلا الفكر في سوء إدارة زيد وعدم انتظام سير عبيد وفعود همة فلان وغفلة فلان وما دري كل منا أنه فرد من الأفراد الذين وجه إليهم اللوم وخصهم

ص: 409

بالتبكيت فهو يذك نفسه ويعيبها بما هو فيها فغنه مرآة أخيه فما ترآى له في ذات أخيه فهو في ذاته ولكن انحدارنا مع تيار التفاخر بالأوهام وحط بعضنا على بعض واستواء جاهلنا وعظيمنا وحقيرنا في خداع كلٍ صاحبه ومنافقة رفيقه بقدر حاجته وامتلاءُ القلوب بتمنى زوال نعم بعضنا ابعدنا عن شاطئ المصلحة الشرقية فنحن غرقى في اوهامنا التي نظنها علماً وفضلاً وحكمة ونبلاً ننتظر رحيماً ينشلنا أو شرقة تقتلنا فننزل إلى قاع بحر الضياع طعمة لحيوان أو رجوعاً إلى العدم. ولا يتعجلن معترض بالطعن في هذه الأفكار قبل أن يتأمل فيها فما زرع هذه الضغائن إلا سرعة الاعتراض بغير حق وتصدى هذا لتزييف كلام ذاك ودعوى فلان أنه أعلم من فلان تسلط شرقي على أخيه لتنمو ثروة غربي أو تعلو كلمته فهذه أجناسنا الشرقية لم تجتمع للإقامة في إقليم اجتماعها في مصر وقد اختلفت مقاصد الوافدين والنازحين في أسباب أعمالهم واتحدت وجهتهم في التماس الرزق او التدرج إلى تملك ما بيد المصري من عقار ومزارع ولكنها لم تحسن المعاملة مع بعضها واتخذت المغالبة على سلب حقوق المصري وسائل لمقاصدها فالتاجر التزم الغش والخيانة والكذب والخداع تحايلاً على رواج تجارته الرديئة. والمرابي لخيانة والغدر والتزوير طريقة لنزع ما بيد المصري من أثاث وعقار فابتدأ أمره بدارهم معدودة وانتهى بتحايله إلى قناطير منضودة وقد التزم طرق الحية فهو وطني مالان معه حاكم وطني وساعده على نهب الفلاح وتفليسه

وأجنبي أن ظهر غشه وغدره يحتال لسلب الفلاح بالمحاكم الأجنبية التي لا يدري الفلاح شيئاً من أصولها والمستخدم في

ص: 410

الحكومة تعصب لجنسه فاجتهد في إبعاد المصريين عن الوظائف الأميرية ووضع وطنيه مكانه حتى أقفل بيوتاً كثيرة وافقر أغنياء بقطع موارد الثروة عنهم ثم تحيز كل جنس من النزلاء في نقطة سكناً واستيطاناً ليبعد عن المصري ويستقل مع جنسيته بخصائص المجامع التجارية والأدبية والأفكار الإدارية والدولية واتخذ كل فريق مجمع لو أو أنس خادمهُ وصاحبه ومديره من جنسيته حتى لا ينتفع المصريُّ بشيء من الغرباء. ثم اجتمعت كلمة النزلاء على ذم المصري وتقبيح أعماله وأقواله وإظهار خفاياه إلى من يهمهم الإطلاع على عوراته التي يرونها باباً للدخول في بلاده أو سل ما بيد. وهذه الأعمال كانت سبباً في غرس الضغائن بين المصري وبعض نزلاء بلاده إذ لا يتصور أن إنساناً يتغلب على قوت إنسان ومظهره وأثاثه وعقاره ثم يرى أنه بعد ذلك يحبه أو يحمده فغن رأى منه ميلاً او محبةً فإن ذلك نفاق يداري به بعضهم بعضاً ويتقي به كل منهم شر الآخر ولهذا ترى النزلاء لخوفهم على ما بأيديهم من التجارة والأعمال يظهرون التجنس بغير الجنسية الشرقية ويعدُّون أنفسهم من الغربيين ليشتركوا معهم فيما يسمحون لهم به من الأعمال. ولا يلام غربي على تداخله في شؤون الشرق وأهله فإن ذلك من أطماع الملوك في كل زمن وإنما نلوم الشرقيين على تعاميهم عن مصلحة بلادهم وانصرافهم عنها بالاشتغال بمصالح الغربي فإن من داخل الأجناس الشرقية القاطنة بمصر ورأى تفرق الأهواء حول المنفعة الذاتية وكراهة كل جنس لمثله وتقبيح كل فريق عمل الآخر وسعي كل طائفة في إذلال الأخرى مع غفلة المجموع عن ثمرة الاجتماع الشرقي ونتائج قلع الأحقاد وتصاممهم عن سماع الدعاة إلى توحيد الوجهة والسير وذمهم

ص: 411

كل من دل على فضيلة أو حذر من رذيلة وتعصبهم على كل نابغ منهم زاعمين ان ما هم فيه هو ثمرة المعارف ونتيجة العلوم واهمين أن الفضل في قلب الحقائق وعل الباطل حقاً والخطأ صواباً علم أن الشرق إنما أضاعهُ أهلهُ وافقره بنوه وأذله نباؤه. ومن رأى التقاطع الحاصل بين ذوات المصريين الأول وبين القائمين بالأحكام الآن وتمدح الفريق الثاني برأيه وتدبيره وذم السابقين بالجهالة والخشونة وكراهة الفريق الأول ولما هو حاصل من الثاني ثم رأى تباعد العلماء عن مجالس الأمراء والنبهاء ونفورهم من المحدثات من غير رد قولي او

معارضة فعلية وحط بعض الناس عليهم بنسبتهم إلى أمورهم برآء منها ثم رأى تحيز افرقاء الأمة إلى هذه الأقسام وتوزيع الأهواء حول تلك الغايات الوهمية أيقن أن الوهن تمكن منا معاشر المصريين خصوصاً والشرقيين عموماً بتخاذلنا وتقاطعنا وصار وصول الغرباء إلى مقاصدهم أسهل من تناول الماء من عين تجري على وجه الأرض فلو ابدل الذوات والأمراء والعلماء والنبهاء السابق منهم واللاحق هذه المنافرات والمطاعن الافترائية بتوحيد كلمتهم وتخللوا بجامع بعضهم متذاكرين ومتشاورين وعقدوا عزائمهم على مقابلة تلك العصبيات بعصبية مصرية أو شرقية لها من فضائل الأجناس ما لغيرها وأخذوا في إصلاح ما بيدهم من الأعمال والإدارات باتفاق الآراء وتدبير شؤنهم الخاصة والتزام الاقتصاد وحسن السير لنظرتهم أوروبا بعين الاعتبار والإجلال وأمكنهم أن يحافظوا على بقي من موجبات الشرف وحياة الوطنية والجنسية. وإلا فما حظ البلاد من عظماء يجتمعون للمسامرة بما ليس فيه فائدة للبلاد وشيوخ كل حديثهم ذم الشبان وما هم فيه من الاسترسال خلف الشهوات من غير أن يبينوا لهم طرق

ص: 412

الهداية وسبل الاعتدال. وشبانٍ يصرفون أوقاتهم في معاقرة الراح ومنادمة الصباح والتزلف للأجنبي بصرف مياه الوجه والحياة والشرف والثروة. وما فائدة البلاد من غوغاء يبيتون سكارى ويصبحون حيارى وقد اشتغل عنهم العظماء بالفكاهات والتياترات وحسن المسامرة وأعرض عنهم العلماء وتركوهم في غيهم يمرحون بلا وعظ ولا تحذير اكتفاءً بمعرفتهم ان ما يفعلونه ضلال وبهتان واحتقرهم الشبان والنبهاء فابعدوهم أو بعدوا عن مجالسهم وخاللوا النزلاء وخالظوا الغرباء غاض الله الدمع وصرنا نعيرَّ بالبكاء الذي هو جهد النساء. كل ما نحن فيه معاشر الشرقيين خبل وهُلاس ولا برَّ لنا منه إلا بمعرفة التركي حق العرب وفضله واعتراف العربي بمجد التركي وسيادته واتفاق السوري مع المصري وائتلاف الهندي باليمني واتحاد العراقي بالفارسي وارتباط التونسي بالمراكشي وتوجيه نظر المجموع وهمته إلى ما يسمى شرقاً لا ما يسمى جنسا فإن حاجتنا إلى توحيد الكلمة حاجة الأعمى إلى من يقطع به الصحراء.

فُض فُو رجل يقول لاندرك هذه الغاية إلا بثورة نبدد بها جموع النزلاء والغرباء فإن النزيل اما شرقي تحتاج إليه لكونه أخاك وإما غربيٌ عرف منك حسن الخُلُق ووثق المعاهدات حكومتك فرحل إليك وهو موقن بالأمن على حياته وعرضه وماله. وكذب رجل

يقول إن الاستظلال بظل الغير حياة للوطنية والمدنية فما يريد أن يفر كل مخلوق إلا من الأسر والاستعباد. لم تقم أوروبا على ساق القوة بعد الضعف عن النهوض غلا بالحصول على القوى الثلاث قوة العلم وقوة المال وقو العُدد ونحن الآن في حاجة إلى العلم فإذا حصلناه جاء من بعدنا فعظَّم به الثروة ثم يأتي من بعده فيعد بها العدد

ص: 413

ثم يأتي بعد هؤلاء من يقول للغربيين نحن وأنتم. ولا نصل للقوة العلمية وفينا من يقول العز في الخمول والسعادة في العزلة والفضل في الزهد في الدنيا والبعد عما في أيدي الناس فإن من توكل على الله كفاه وهذا الفريق متخلل بين لعامة يزعم أنه من الهداة وهو من المضلين فلو كان من البصراء لطالع سيرة نبينا سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم وغزواته وفتش في سياستيه السماوية والأرضية ولأيقن أنه كان أكثر منه توكلا على الله تعالى وازهد في الدنيا في أيدي الناس ولم تقعد به همته العلية عن مزاولة الحروب بنفسه الشريفة وفصله قضايا الأمة وجلوسه لتعليم الناس وسعيه في مصالحهم ومخاطبته الملوك والأقيال والأمراء ومعاملته المسلم والمسيحي والموسوي بعدل لا يضمنه الآن أحسن قانون ولا ينفذه أقوى سلطان فهؤلاء بجهلهم سيرة نبيهم سولت لهم انفسهم أنهم قائمون بارشاد الأمة وهدايتها إلى الطريق الحق وما دروا أنهم أماتوا الهمم وصرفوا النفوس عن التعلق بحوافظ الدين والملك معاً. ومن هذا القبيل الذين دونوا دواوين الخطابة وجعلوها قاصرة على التزهيد في الدنيا والتحذير من المال وجمعه والفرار من المجامع والظهور والرضا بخشن العيش والصبر على الذل والهوان وتركوها للخبطاء بها يوم الجمعة حيث تجتمع الأمة اجتماعاً لايتفق لأمة أخرى فيدخل الرجل للصلاة وهو يفكر في عمل يصلحه وصناعة يتقنها وإدارة يحسنها ومعيشة يوسعها ونظام يحفظه وإخاء يحافظ عليه ووطن يسعى في وقايته وملك يدافع عنه وحق يطالب به ويخرج وقد ماتت همته وانصرف عن الأفكار الجليلة بما غرسه الخطيب في فكره من قبح الدنيا وسوء

ص: 414

مصير المشتغلين بها. فلو تصدت اوروبا بالأمانة همم المسلمين وصرفهم عن مجد الملك والدين والجنس وقطعت دهوراً في اختراع طريق تصل به هذه الغاية ما اهتدت إلى ما فعله الخطباء من تحويل الخطابة عن عهدها النبوي إلى ما قاله المتملقون إلى الملوك والغافلون عن طرق الهداية وإصلاح الأمة. ونحن نستفتي هؤلاء المثبطين. إذا كانت الدنيا يحذر منها فلمن خلقت وإذا كان الاشتغال بها بهتاناً وضلالاً ولا

يشتغل بها إلا أعداء الله فلم نتألم من تسلط الغير علينا ووقوعنا في أيدي المتغلبين ونعد الرضا بذلك ذنباً ومعصيةً. كل هذا انصراف عما كان عليه السابقون فقد كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يخطب الناس بوقائع الحال وربما طرأ عليه الأمر في غير يوم الجمعة فيرقي المنبر ويخطب به الناس وجاء الخلفاء الراشدون على أثره فكان أبو بكر يخطب بأحوال أهل الردة وخروجهم من الإسلام ووجوب قتالهم وكان عمر يرتب جيوشه ويولي الأمراء ويفرق الألوية ويعلم الأحكام وهو على المنبر كان عثمان يخبر الناس بخراج البلاد وأحوال الفاتحين وهو يخطب وكان عليٌّ يذكر الحاصل بينه وبين الثائرين عليه ويعلم الأحكام ويوصي الحكام ويلقن التوحيد ويقص أخبار السابقين وهو على المنبر ولم نسمع أن هارون الرشد خطب من ديوان أو أن المأمون ألفت له خطبة أو ان مولاي إدريس جمع له العلماء كلاماً موزوناً مسجوعاً بل كان يخطب كل خليفة وأمير بما يراه صالحاً للأمة وما طرأ عليه من وقائع الأحوال الداخلية والخارجية فعلى العلماء الأفاضل ورجال الخطابة ان يغيروا هذه الطريقة ويخطبوا الناس بضروريات دينهم ودنياهم فإنهم إن فعلوا وعلَّموا الناس الدين

ص: 415

والتجارة والملاحة والفلاحة والمعاملة والمخالطة وذكروا للعامة أحوال ممالكهم وما تحتاجه من العناية بها والسعي في حفظها ونبهوهم على الوقائع على الوقائع الحاصلة في ممالك الغير تحريضاً على المجارة أو تحذيراً من الوقوع فيها وحذروهم من الفتنة والدخول فيها والهيجان والقرب منه وعلموا الناس الحقوق الوطنية والمدنية وواجبات العمران ومقدماته واجتهدوا في ذلك اثروا في النفوس تأثيراً غريباً وقادوا الأمة إلى التقدم بسرعة عجيبة وفعلوا في النفوس والقلوب ما لا تفعله الجرائد وأوامر الملوك والسلاطين فإن الجرائد لا يقرؤها إلا العارفون بها وهم عدد قليل جداً بالنسبة إلى سواد الأمة الأعظم ويأخذون ما فيها على أنه وقائع أحوال وأما الخطبة فيسمعها الأُ ميُّ والقارئ والعالم والجاهل ويأخذون كلماتها على انها إرشاد من واقف موقف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يأمرهم وينهاهم فتأثيرها في النفوس يكون عظيماً جدّاً لتعلقها بالدين. وكأننا بغر يقول إن هذا دعاءٌ للتعصب الديني والدنيوي فنجيبه بأن هذا أمر ديني لا تتعرّض الملوك إليه ولا تمنع منه لقيام كل أمة بأمور دينها من غير معارضة خصوصاً في مصر او الشرق بأجمعه فإن أصحاب الأديان ممتعون فيه بحرية لا تماثلها حرية

الأفكار في أوروبا تشهد بذلك الكنائس المشيدة والأجراس المرتفعة والهياكل الهندية والمعابد الإسرائيلية ومدافن الأمم المتغايرة جنساً ووطناً ودينا فلا يحصل في مصر أو الشام أو الأناطول أو بلاد العرب أو الفرس أو غيرها مثل ما حصل في نابولي أيام إقامة حضرة الخديوي الأسبق بها حيث توفي سفيان اغا فاشترى له قطعة أرضى ليدفن فيها فلما حملوا نعشه صارت الصغار ترجمة بالطوب من كل ناحية فلم يتخلصوا

ص: 416

منهم إلا بذكر المسيح امامه ولا مثل ما يحصل من إرسالهم كل مسلم مات في أوروبا إلى وطنه. ولقد مات تلميذ مصري بباريز فابى كل فريق دفنه في مقابره حتى أخذه بعض قسوس الكاثوليك فدفنه فقامت الجرائد تطنطن باسم ذاك الرجل مدحاً وثناءً على قبوله مسلماً في مقبرة طائفته لكون ذلك غريباً جداً عندهم. والشرقيون يقبلون ملايين من الأوروبيينفي ارضهم ولا يحمدون على شيء من ذلك كأن أهل الشرق خلقوا عبيداً لأروبا. فبهذه الحرية التي تتمتع بها الأروبي في الشرق يتمتع الشرقيون كذلك بإجراء عوائدهم واتخاذ طرق إصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق وليس هذا من باب التعصب كما يزعم الدخلاء وإنما هو من باب تربية الأفكار التي تدعو إليها أوروبا وتريدان نصل إليها بإقامة جماعة منها بين ظهرانينا. وطريق أوصلتنا إليه أوروبا طريق مأمون والا كانت دعوتها إليه غشاً وخداعاً وهي لا ترضى ذلك ولا تقول به. على أن المسلمين الذين في غير مصر يجرون عاداتهم ولو لم تكن شرعية باية طريقة توصلهم إليها كاهل تونس عندما منع الحاكم الفرنساوي ضرب مدفع للإفطار ومدفع للسحور في بعض المدن وعلل ذلك بزيادة المنصرف فالتزم القاضي بدفع قيمة البارود الذي يصرف في رمضان من استحقاقه واستمرت العادة وهي ليست من الدين في شيء فأولى أن نطالب أنفسنا بما فيه صلاح حالنا واستقامة عامتنا. ولتكن الخطبة خالية مما يوغر صدور الشرقيين من ذم وطني غايرهم دينا فإن في الأبغار تفريق الكلمة التي نريد جمعها وباعثاً لتداخل الأوروبي بعلة طلب الراحة الدينية الشرقي كما هو جار في معاملة أمرا وبالملوك الشرق وليس من التهذيب أن نذم أوروبا

ص: 417

ونقج أعمال أهلها وعوائدهم فإن لكل أمة خصائص الفتها وعادات لزمتها وإنما نذم الذين أرادوا تقليد أوروبا فأخذوا بما عليه الغوغاء والرعاة من التهالك في الخمر والقمار والفسوق وتركوا ما عليه أرباب الأفكار ورجال المعارف من خدمة لأمة والبلاد بما فيه الصلاح والعمارية وإذا علم

العامي وغيره أن الخطيب يخطب بوقائع الوقت ويحث على ما يناسب الزمان والمكان هرعوا إلى المساجد وكثر المصلون وعاد للمساجد من يختفون في البير حتى يخرج الناس من الصلاة. وإني لا عجب من أُناس تركوا الصلاة كسلاً وتهاوناً وهم يرون أميرهم المفخم حفظه الله تعالى تؤدي أوقاته ويحضر الجماعات في المساجد منتظماً مع أفراد في صف من صفوف المسجد ويسمعون المسجد ويسمعون أن خليفهم الأعظم يذهب إلى المساجد ويصلي مع الأمة فما بال هؤلاء الناس لا يقلدون ملوكهم ولا يستحيون من الله ولا من الناس أيرى أحدهم أنه حر الفكر أي لا تعترف بصحة دين كما يزعم كثير من دهاة أوروبا الذين اتخذوا مشدقتهم بهذه الأضاليل مصائد لضعفاء اليقين من أهل الشرق فإن كان فيهم من يرى هذا فليقلد من أضله في فعله المدني فإنه لا يتأخر يوم الأحد عن الكنيسة ولو لم يعتقدها في زعمه ليساوي بني جنسه ودينه فيما هم فيه ويجتمع معهم في روابط الاتحاد وتوحيد الكلمة ولا ينفر العامة من أصل بُني عليه أساس الملك وحفظ به نظام العمران. ولسنا في زمن فترة حتى يكون هذا الكلام دعاءً لتجديد دين وإنما نحن في زمن المشابهة والمماثلة ومجاراة الأمم بعضها بعضاً وقد امتلأت المحافل والطرق برسائل الأمريكان واليسوعيين وفرقت حتى على المسلمين في مصر الشام وبلاد العرب وعلى المجوس والبراهمة

ص: 418

في الهند والصين للدين وحثاً على الأخذ بالدين المسيحي وما نرى جماعة من الأوروبيين سكنوا جهة في مصر واسكندرية أو الشام إلا وبنوا في كل حارة كنيسة فهذه جهات الفجالة وشبرا والاسماعيلية والمطرية بها كثير من الكنائس وما بني فيها مسجد لمسلم كأن المسلمين الساكنين بها ليسوا من هذه الأمة. فإن قيل أن المساجد كثيرة وهم يذهبون إليها قلنا فلم لم يكتف الأوروبي بالكنائس الأخرى ويذهب إليها والمجاورة تلزمنا بتقليد أوروبا في عملها فغنها تعد ما نحن فيه همجية وما هي فيه مدنية فلم نتأخر عنها ونبقى في هممجيتنا الذمومة عندها. نرى ارتباط الأجناس مانعاً حصياً من تبديد ثروتها وأضعاف قوتها ونحن توزعت أهواؤنا فتبددت قوانا الجامعة للعصبية فلا نسمع من فلان إلا ذم صاحبه ورميه بالعجز عن عمله وربما اردف هذا الذم بالسعاية بل السعي في اندائه فنرى الظاهرين منا يصرفون وجاهتهم واعتبارهم في إقفال بيوت أخوانهم وماعدة الدخلاء والنزلاء بيدهم ولسانهم مع أننا نرى الناس امامنا إذا أراد احدهم الاشتغال بعمل ساعده

أخوانه وحسنوه للناس وداروا بين العظماء أو الوجهاء فحسنين ومرغبين وإذا خلا أحدهم من خدمة اجتمعوا وجدوا في رجوعه أو دخوله في محل آخر وإذا افلس أحدهم جمعوا له مالاً وفتحوا له محلاً يستغله ونحن على عكس هذا كله وكلما زادت معارفنا كلما زاد تقاطعنا اللهم إلا بعض أناس ممن حنكتهم التجارب ودعتهم المشابهة إلى البحث في المنافع الوطنية والدينية فانبعث فيم الحمية والغيرة فهم أساتذة الوقت وعنوان كتاب الفضلاء وإن لم يتصدوا للتدريس بالصورة المعتاد بين الناس ولقد أثرت حركات أوروبا في الشرق سرعة تقلبها في المظاهر الدينية

ص: 419

والدنيوية في معظم شيوخ هذا العصر وشبانه فتحركت فيهم همم وغيرة وحمية لم تكن تظن فيهم لو لم ثقج أوروبا سيرهم الديني والدينوي فقابلوا بين نهيها عن التظاهر بالشعائر الدينية وبذلها النفس والنفيس في حياة الدين والدعوة إليه ببث المرسلين وتكثير المعابد فتولدت فيهم روح المماثلة فأصبحوا يقولون وغدوا يفعلون بين المصريين والشاميين والعرب رابطة اللغة والسلطة في الكل والدين في معظمهم والجنس في أغلبهم والمتاخمة التي تصير المجموع في حكم الوطن الواحد فلم نرى الهمم مصروفة نحو التفريق وإحداث النفرة لبن هذه الأمم المحتاجة إلى الجامعة الشرقية ولو كانت الهمم مصروفة جهة توحيد الكلمة والاختصاص بالمصالح الوطنية لكانوا سداً محكماً بين الشرق وبين المتهيئين للوثية عليهم. إن كان النفور بسبب الدين فقد انتهى زمن الفتح ورسخت إقدام الأديان ورضى كل بدينه فالسعي في النفرة بسببه سعي لمصلحة أوروبا لا للشرقيين. وإن كان بسبب الجنس فقد طال زمن الاختلاط والمعاشرة وكثر التولد من المتغلبين من أجناس شتى على تلك الجهات حتى كدنا أن نوحد الجنس في سكانها. اللهم إلا في البلاد العربية التي لا يدخلها الخليط. وإن كان بسبب الوطن فقد علمنا احتياجنا لتأكيد الرابطة وتأليف النفوس وإن كانت السلطة فلكنا اتباع سلطان واحد نأُتمر بامره وننتهي بنواهيه. اللهم إلا بعض أناس استمالتهم وطننا بل وإن دانوا بديننا لأنهم لا يقدرون على السعي في مصالح الشرق ولا ينطقون بكلمة فيها خير لأهله فغنهم مقيدون بتعاليم الدول المنحازين إليها قياماً بحق تعمتها عليهم. ولا يضرنا

ص: 420

هذا الفريق إذا فتشنا جموعنا وأخرجنا الفريق الزائف من سبيكة المجموع الشرقي وأخذنا في التواد الجسمي والتواصل القلبي حتى نرى المصريين من مسلمين وإقباط وإسرائيليين والشاميين والترك والعرب والجركس

والارنؤط والفرس والهنود والافغانيين وغيرهم تجمعهم المجالس للمذاكرة والمشاورة والاتحاد على مشابهة أوروبا في تقدم العلوم والصنائع والاتفاق على وجهة تتجه إليها الأفكار مهما تقلبت صور الحوادث ليكون لنا مبدءٌ معلومٌ ومشربٌ محفوظ وغاية نسعى إليها فإن أوروبا تحركنا كل وقت لهذا العمل وترمينا بفساد الأخلاق وخور العزيمة وعدم الثبات على عمل وحبنا للمفاخرة بما لا فخر فيه ولا شرف. وأُمم يدعوهم ما يرونه خصماً إلى الطريق الذي سكله حتى دخل بلادهم وهم قاعدون عن السعي أُمم محتاجون لتخلل النبهاء مجالسهم وجوس العلماء ديارهم وبذل الأغنياء أموالهم وصرف الأمراء هممهم حتى يتم تهذيب العامة ويعرف كل إنسان حده حقوقه ويسعى كل شرقي في مصلحة بلاده ومنفعة أخوانه مع المحافظة على الروابط التي ربطتنا بأوروبا فقد دعت ضرورة التجارة والسياحة وحفظ السلم بين الدول إلى المعاهدات وتبادل الرحلة من والي الشرق والغرب. ووحدة الإنسانية رابطة كبرى بين جميع سكان الدنيا فلو لم يكن بين الأمم من الروابط لحفظ نظام الدنيا العام ولكن ما حيلة الإنسان فيمن يربونه على عداوة مثله ويسقونه كأُس البغضاء يوم فطامه من ثدي أمه فيخرج منكراً على مثيله صورته مدعياً أن غيره وحشي الطبع همجي السير وأن الإنسانية محصورة في حشو جلده. وفي الباب يحسن أسهاب أرباب الأفلام في حفظ الروابط

ص: 421