الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صالحاً آخذة أفكارها عن مجموع أعمال الحزب أو آراء عقلائه بحيث تلزم مشرباً لا تتحول عنه بتحول الأحوال ولا تتلوم أمام حزبها بتلون المطامع ولا يلزم من اختصاصها أن تكون مضادة لغيرها من الجرائد في كل ما يكتب فيها فإن الجرائد مدارس الأفكار ومعارضتها إقفال لباب التعلم الأدبي وإنما تحافظ على مبادئ حزبها وتجاري الجرائد في المقالات العامة والأفكار النافعة وإلا إذا تركت الأحزاب والجرائد وأخذت كل ما يقال بالقبول من غير بحث في مصدره وما تحته من الدسائس تحول مجرى سيلها الوطني إلى الاودية الأجنبية ووقعت في أشراك أوروبا وهي لا تشعر ولتكن المجامع مطهرة من ذوي الأفكار الفاسدة محفوظة من الطائرين خلف المحسنات الأوروبية مصونة من التخاذل والتباغض متعلقة برئيس لا يختلف في استحقاقه للرياسة اثنان فإننا إن فعلنا ذلك قالت أوروبا قد عمّت المدنية واستوى فيها أشتات الشرق وعصبيات أوروبا.
باب اللغة
تقدم لنا أننا بحثنا في اللغة العربية وما كانت عليه من العز والارتقاء أيام خلو العرب من الدخلاء والخلطاء وما صارت إليه بعد انتشار الدين الإسلامي وسلطتها على كثير من اللغات فعز على غير العرب النطق بها للتباين بين مخارج حروفها وبين حروفهم وعدم تعودهم على النطق فحرفوا بعض الكلمات وصحفوا ولحنوا حتى حدثت اللغة الدارجة المسماة بلغة العامة
وابتدأ ذلك من القرن الأول من عصور الدين الإسلامي فأمر إمام المؤمنين سيدنا علي ابن أبي طالب رضي الله عنه بوضع قانون صناعي به يرجع اللاحن إلى اللغة الصحيحة وأخذ العلماء يدونون الكتب فيها ولها كما قدمنا ذلك في مقالة اللغة والإنشاء. وعندما انتهى بنا البحث إلى ذلك ورأينا انتشار الأمية بسبب تقصير ملوك الشرق في جانب العلوم واشتغالهم بالحروب الداخلية والخارجية عما يقدم الأمة من المعارف عزمنا على فتح جريدة تهذيبية تشتمل على فصل قصير باللغة الدارجة تحوّل به العلمي الجاهل من كراهة سماع الكتب إلى محبتها فينجرُّ به الأمر إلى سماع الكلام الصحيح وهناك لا يلزم كتابة غير الصحيح. وهذا الأمر رأينا أنه القوة الجازبة لتحويل الأفكار إلى اللغة إذ ذاك فأنشأ جريدة التنكيت والتبكيت وأصدرنا العدد الأول منها يوم الأحد 15 رجب سنة 1298 الموافق 6 يونيو سنة 1881 وفي العدد الثاني منها كتبنا فصلاً تحت عنوان ((إضاعة اللغة تسليم للذات)) فعارضنا فيه الفاضل الكاتب أمين أفندي شميل برسالة تبادل الجدال معه بسببها كل من الفاضل المنشيء أحمد أفندي سمير وكان يعنون بالفاضل السكندري والفاضل البليغ إبراهيم أفندي الهلباوي وكان يعنون بالفاضل المصري وكنا أخذنا في فصل الجدال بالنظر في دعاويهم وبراهينهم فحالت أحوال وعرضت موانع. والآن رأينا جريدة الأزهر بعد أن كانت باسم الفاضل البارع إبراهيم بك مصطفى ناظر دار العلوم وصارت باسم المستر وليم ويلكوكس الإنكليزي المشهور بطول الباع في الهندسة والصبر على شاق الأعمال وقد افتتحها بخطبة سبق أنه خطب بها في كلوب
الأزبكية مؤَداها أن المصريين لا توجد فيهم قوة الاختراع ولا مانع لهم إلا اللغة العربية الصحيحة وأنه إذا تحولت الأفكار وحتمت استعمال اللغة الدارجة في المخاطبات والتآليف العلمية والتدريس لمكن المصريين أن يخترعوا وأطال الكلام في هذا الموضوع فرجعنا إلى رسالة أمين أفندي شميل وقلنا ما أشبه الليلة بالبارحة وقد قال فيها
((وبالاختصار فإن في ضعف كل أمة فقدان لغتها مهما كانت تامة الألفاظ واسعة المعاني والمباني)) وهذه عبارة صحيحة لم يصرح بمثلها ولو لم تكن محكومة بالغير لا ضعف القوة المالكة وضياعها فكم من أمم خضعت لأمم أعظم منها قوة وأشد منها بطشاً وبقيت محافظة على لغتها فبعثتها إلى الاستقلال وعزة الملك كالترك والفرس واليونان وإسبانيا ورومانيا والبورتقال والبلغار ولو تركوا لغتهم واستعملوا اللغة الحاكمة لماتت وتجنسوا بالجنسية المتغلبة وصار المجموع أمة واحدة ثم قال بعد ذلك ((على أن بعض اللغات قد يكون لها وسائط طول البقاء لما فيها من التآليف الجليلة وافتقار العالم الديني والدينوي إليها فهي أشبه بحي في صورة ميت)) ولم يرد بهذه العبارة إلا اللغة العربية فإنها هي التي انتشرت بها التآليف في جميع أقطار العالم ونزل بها القرآن الشريف الذي هو الآية الكبرى والحجة العظمى لنا معاشر المسلمين فهو الداعي لحياة اللغة العربية الصحيحة وهو المقصود لكل محارب للغة ساع في أمانتها. وقوله فهي أشبه بحي في صورة ميت يريد به غلبة اللغات الأجنبية وامتدادها في الأقطار العربية واستعمالها في بعض المخاطبات والمؤلفات ولذا
قال بعد ذلك ((فإذاً أيها الأخ المتعصب للضاد ليس لك أن تلومني إذا تركت لغتي إلى غيرها وأنت تعلم إن الإنسان مفطور على طلب التقدم)) وهو محق فإني لا ألومه على ترك العربية لأنه لا يصيبه شيء بتركها لكون الإنجيل نزل باللغة اليونانية وبترجمته بجميع اللغات لم يفقد من مؤداه شيئاً وإنما ألوم مسلماً يتهاون في لغته تهاوناً ينسيه إياها فينسى القرآن الذي لو ترجم بأفصح لغة أجنبية لجاء عبارة عن حكاية يقتدر على إنشائها أي كاتب ولضاعت بلاغته العربية وما فيه من الأنواع البديعية والاستعارات والتشابيه والمترادفات والمشتركات والتقييد والاطلاق والتعميم والتخصيص والسجع والإرسال والحذف والإضمار والإيجاز والاطناب والتعريض والتليمح ورقة المعنى وسهولة اللفظ وغرابة التركيب وغير ذلك مما لا يتأتى وجوده في ترجمة أية لغة إلا بتكلف وتعبير سخيف كما هو معلوم في النسخ المترجمة إلى الإنكليزية وغيرها مما لا يتناسب مع القرآن العربي في شيء مطلقاً ثم أشار الفاضل في رسالته إلى قضيتين يبكت بهما القائمين بأمور الأمم الشرقية ضمناً حيث قال: ((اذهب إلى دوائر أحكامنا ومراكز وانظر بكم بؤجر الكاتب الضادي والكاتب الدالي. ثم ألف لك كتاباً واجعله كله ضاداً واصرف فيه عمرك
واعرضه على قومك فترى ما لبضاعتك من رواج)) فالقضية الأولى لا توجب ترك اللغة لأن الأمة ليست كلها في دوائر الحكومة ولا متجرة مع أوروبا وإنما لجأ بعض الأمة إلى تعلم اللغات الأجنبية سوء تصرف بعض الحكام فبدل أن يتكلف الأوروبي المنتقل إلى بلادنا اتجاراً واستيطاناً تعلُّم لغتنا ليعاملنا أو يخاطبنا بها علمواهم بعض الأمة ليخدم الأوروبي ويساعده على نفوذه
باتساع نطاق لغته فينا فحق لهذا الفاضل أن يبكت الذي أحيوا لغة الأجانب بأمانة لغة البلاد. ولكننا لو فرض وتعلمنا اللغات الأجنبية وتكلم بها صغيرنا وكبيرنا عند الحاجة إليها لواجب علينا أن نحافظ على لغتنا العربية ونستعملها في معاملاتنا الخاصة بنا وبين أبنائنا وأهلينا وفي كتب ديننا وعلومنا الأصلية والفرعية لبقاء الدين والجنس ببقائها وهنا لا تضر اللغة الأجنبية المستعملة في الضرورة لا في المعاملات والمخاطبات كما كان من اليونان أيام خضوعهم للترك فإنهم اضطروا لتعلم اللغة التركية لقضاء ما يلزمهم من الحاكم بها مع محافظتهم على لغتهم فيما بينهم وفي كتبهم الدينية ودراستها فبقيت العصبية الدينية والروح الجنسية حية بحياة اللغة التي جاءت الفرصة فخرجوا من ذل التابعية إلى عز الاستقلال ولو كانوا تركوا لغتهم رأساً لصاروا أتراكاً مسلمين بحكم اللغة التي استبدلوا لغتهم بها.
وحاجتنا الدينية إلى لغتنا أشد من حاجة اليونان إلى لغتهم إن الإنجيل لما ترجم بغير لغتهم تناولوه كما تناولوا الأصل والقرآن لو ترجم بلغة أخرى لعجزت الترجمة عن أداء مفهومه ومنطوقه، كما قدمنا فضلاً عن أن المصريين خصوصاً والمسلمين عموماً لم يترجموا كتبهم العلمية إلى لغة غيرهم ولا نسي من تعلم الأجنبية لغته الأصلية بل ترجموا كتب العلوم الحديثة إلى لغتهم وكتبوا بها كتبهم وجرائدهم وحكاياتهم وهزلهم وجدهم فاللغة الصحيحة هي الحية لاستعمالها بين الخاص والعام من عقلاء الأمة واللغة الدارجة هي الميتة لعدم استعمالها في غير الضرورات التي يقضيها الحيوان بلا لغة، ثم قال الفاضل: ((إن مؤلفاتنا التي تفتخر بها قد نهبت لفظاً ومعنى إلى مراكز الأمم النامية فزادوا
عليها أُمور كثيرة فهي حية في تلك الأمم ميتة عندك لأسباب منها عدم صحة النسخ فكتبنا كلها أغلاط ومنها عدم وجود من يفهمها الآن وقد مات من كان يعرف معانيها. ومنها أن كثيراً قد نسخ بما أظهرته التجارب وقام غيره مقامه. ومنها الزيادات الجوهرية التي حدثت بعدهم ويجب معرفتها مما
لا وجود له في هذه الكتب)) أما قوله إن مؤلفاتنا قد نهبت الخ فإنه لا ينكر إن الإنكليزي والفرنساوي لم يفهمها إلا بعد تعلمه لغتنا العربية واتقانه معرفة قواعدها وإلا استحال عليه أن ينطق بالكلمات العربية من مخارجها فضلاً عن فهم معناها فإذا كان الأجنبي يتعلم لينقل ما فيها من لغته أفلا نتعلمها للمحافظة على ما عندنا، وإذا كان الأجنبي يقدر على فهم معاني لغتنا وهي أجنبية عنه أفلا نقدر على فهم مؤلفات علمائنا ونحن من عشيرتهم. وأما تعليله بالأغلاط فلظنه من باب التنكيت فإن الذين تمدح بهم من الإفرنج ما أخذوا تلك العلوم إلا من هذه الكتب فيلزم أن يكون علومهم فاسدة لأنها مأخوذة من أغاليط لا صواب فيها ولكنه مدحهم، والمدح يستوجب الصحة غالباً.
فإن قيل أنهم صححوها وهي بغير لغتهم قلنا أفلا يقدر أصحاب اللغة على تصحيح كتبهم وهي أدرى بمركباتها من غيرهم.
وأما قوله قد مات من كان يفهم معانيها فإنه منقوض بنفس القائل فإنه أحد من يتكلمون باللغة العربية وله اقتدار على فهم معاني تلك المؤلفات والأخذ منها والنقل عنها كما فعل في مؤلفاته العربية مع كونه غير مشتغل بجميع العلوم العربية فالعلماء القائمون بتعليم تلك العلوم ودراستها يعرفونها حق المعرفة على كل كتاب شروح وحواشٍ يشهد بذلك الكتب التي ألفت من القرن الأول الإسلامي إلى الآن وعلى أن العلوم التي أهملت
في الشرق كالطب والهندسة والجغرافية وغيرها واستعملت في الغرب قد ترجمها الشرقيون إلى لغتهم وقرأُوها في مدارسهم فهذه المدارس المصرية قرئت فيها العلوم القديمة والحديثة الأصلية والمترجمة ولم يفتها شيءٌ مما كتب في أوروبا ولم تتغير كيفية التدريس في اللغة العربية إلى اللغة الفرنساوية أو الإنكليزية في بعض العلوم إلا في هذه السنة، وهي نشأة مؤقتة لا تمكث إلا بقدر ما يطالب المصريون بحياة لغتهم التي يصرفون أموالهم على المدارس التي هي فيها ولا يعارضهم في ذلك معارض فإن الأجنبي لم ينفق على المدارس درهماً ولا ديناراً حتى يحتم علينا لغته التي لا حاجة لنا بها في التدريس.
أما قوله أن كثيراً منها قد نسخ الخ. يريد بذلك كتب الطب والمواليد والكيمياء والهيئة وغيرها لا كتب العلوم الشرعية أو الآلية لها وتقدم أن رجالنا المصريين ترجموا تلك المحدثات إلى العربية.
وأما قوله ومنها الزيادات الجوهرية الخ فإنه لا يطعن في أصل اللغة ولا يوجب تركها واستعمال غيرها فإن المحدثات تستعمل في جميع اللغات بالاسم الذي وضعه لها المخترع كالتلغراف والتلفون والفوتغراف والبارومتر وغيره فحكم اللغة العربية في تلقيها أسماء المحدثات وضمها إلى ما في معجماتها حكم جميع اللغات فلا تعاب بما ما ثلت فيه أعظم لغة متفاخر بها ثم قال بعد ذلك: ((ومن أين لك المال يا أخي وأنت تنجر ببضائع أكلها العث وبدلتها المودة أما هو أجدر بك أن تترك هذه اللغة وشأنها التي لا تفيدك سوى حطة الشأن بعد تعب ونصب وجوع لا مزيد عليه وتختار لنفسك غيرها أن كتبت بها راجت كتابتك الخ)).
ولا شك أنه ما أراد بذلك إلا الهزل في صورة الجد فإنه يكتب كتبه وجريدته ويتكلم ويترافع
باللغة العربية ولم يدركه تعب ولا نصب ولا جاع بل هو يرتزق بها ومع تعلمه كثيراً من اللغات الأجنبية لم تفده فائدة معاشية فأنه لو كتب كتباً أو جرائد بها ونشرها بين المصريين والسوريين ما اشتراها أحد لعدم معرفتهم تلك اللغة ولو أرسلها أوروبا لكسدت بما فيها من المؤلفات والكتب الجمة فلو لم نحمل كلامه على الهزل لكان بقاؤُه على ما كان عليه الأولون من التحرير والتعامل بالعربي ناقضاً لقوله أكلها العث وبدلتها المودة وشهرته بين أبناء العرب بالتأليف والفصاحة والفضل ما أوصله إليها إلا كتابته العربية، فاللغة العربية هي التي رفعت قدره بين قومه ولم يزل مجهولاً في البلاد التي تعلم لغة أهلها وإذا كانت اللغة رفعت شأنه لهذا الحد كانت دعواه حط الشأن بسبها دعوى مازح يتفكه بقلب المواضيع.
ثم قال بعد ذلك ((نعم أن في لغة الطفولية لذة ووطنية إلا أن الوطنية الحقة قائمة في المعاني لا في الألفاظ، أعني في صيانة حقوق الأفراد وأحكام العدل والتسوية والالتفات إلى الأمة ولغتها وعدم إعطاء خبز البنين لغيرهم، فإذا فعلت هيئتنا ذلك هان علينا كل شيء وإلا فأنت تضرب في حديد بارد)) ما أحلى هذه العبارة لو كانت مقصداً له وما تقدمها وسائل فإنه يعيب الحكومات الشرقية بأمرين الأول عدم صيانة الحقوق وأحكام العدل والتسوية وهذا اندفع بهيئة المحاكم الجديدة وتغيير صور الأحكام والإدارات إلى ما ترضاهُ أوروبا فضلاً عن غيرها والثاني عدم الالتفات إلى الأمة ولغتها وعدما إعطاء خبز البنين
إلى غيرهم ونحن نوافقه على ذلك فإن نقل التعليم من لغة البلاد إلى لغة أجنبية نقل للتلميذ من الجنسية والدين معاً والعجب أن المصريين يبذلون لمعارفهم أموالهم التي
حصلوها بعرق جبينهم ثم تصرف في تعليم لغة غير البلاد ومصلحة غيرها أيضاً فما موجب تعليم مثل التاريخ والطب والهندسة والجغرافية باللغات الأجنبية والمتعلم سيستخدم بين من لا يعرفون كلمة أجنبية وهم فلاحو مصر وعوامها والكتب العربية في هذه الفنون توج احتمالاً في المخازن فأي ضرورة تلجئنا لتركها وشراء غيرها بلغة أخرى، وماذا تقول المعارف يا ترى إذا قال لها الجناب الخديوي المصري الأفخم مدارس ينفق عليها من مال رعيتي يحافظ فيها على لغتهم ودينهم وما جوابها إذا قال رجال الشورى إما أن تنفق أموالنا على أبنائنا فيما ينفعنا ديناً ودنيا أو نأخذ أبناءنا ونترك المدارس خاوية فيسد قسم من ديون الحكومة بما يصرف فيها أو يستهلك منها لا ندري ما الجواب بعد علمنا إن الأجنبي لا ينفق فيها درهماً واحداً فالحق حق أصحاب الأموال العائذين بجاه خديويهم الأكرم الأفخم، وإنا تبادلنا الفكر مع حضرة الفاضل مع طول العهد عندما رأينا جريدة الأزهر تدعونا إلى ما تسوء به عاقبتنا وتسودُّ به وجوهنا ونصير به أعجوبة بين الأمم فللفاضل شميل أفندي الشكر على ما نبهنا إليه من إحدى عشرة سنة مضت ونشني على جريدة الأزهر الثناء الطيب فإنها دقت جرس التنبيه فأيقظت الرقود ونبهت الغافل واطلعت المصريين على سر من أسرار أوروبا بعد أن كان لا يعرفه إلا العقلاء المشتغلون بالبحث في مقاصد أوروبا في الشرق على أننا نعلم علم اليقين أنه لو ظهر ألف داع بل مئات ألوف من دعاة أوروبا لاستعمال أنة تميت لغة القرآن ما وجدوا آذاناً سامعة ولقد ترجم القرآن بالإنكليزية والفارسية بقصد استعماله بهما بين الآخذين به فلم يفد ذلك
شيئاً ولا نجح المترجمون. وماذا نصنع بكتبنا التي تجل عن الحصر إذا تكلمنا باللغة الميتة العامية أنحرقها أم نترجمها بالكلام الفارغ.
ولماذا لا تكتب الإنجليز كتبهم العلمية وجرائدهم باللغة الدارجة عندهم تعميماً للفائدة التي تريد أن تعممها في مصر وهل ترى أن المصريين إذا قرؤوا القرآن باللغة العامية عند استعمالها ونسيان غيرها أيرضى عنهم المسلمون أم يعدونهم منهم وهم يعتقدون أن تغيير حرف منه أو تقديمه على ما قبله كفر مخرج للفاعل من الدين.
أظن أن الأزهر قصد أن يختبر المسلمين فاخترع لهم هذا الباب ليرى رسوخ قدمهم في حب لغتهم وتنبههم لأصولهم الدينية حتى إذا رأى منهم ميلاً لأفكاره واستسحاناً لاختراعه ذمهم وبكتهم وشنع عليهم في مجامع أوروبا وقال أنهم قوم لا يعرفون قدر جنسيتهم ولا حق وطنهم ولا فضل لغتهم ولا شرف دينهم فهم همل لا لغة لهم ولا دين.
أما ذمة المصرين بعدم قدرتهم على الاختراع وعدم ثباتهم وعدم إقدامهم وعدم قولهم الحق فأمر تعودنا سماعه من الأوروبيين ولكن يعز علينا أن نسمع مثله من رجل من رجال دولة تريد أن تهذب المصريين وترقيهم إلى المدينة وتحب لهم الخير في كل عمل تقدمه لهم أو تدعوهم إليه فإن صدور مثل هذا الشتم منه ربما دلنا على أن ما نسمعهُ من النصح والوعظ وهمٌ فنتهم غيرهُ بما نتهمه به وربما كان بريئاً من التهمة بعيداً عن الخداع فنرجوه أن يرجع عما يملأُ قلوب المصريين بغضاً فإنه بمثل هذه الأهاجي القبيحة يضيع أتعاب رجاله عشر سنين فإنهم بذلوا جهدهم في جذب المصريين إليهم بالرفق واللين وحسن المعاملة ومراعاة الحقوق والمحافظة على الآداب والعوائد الإسلامية