الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحرب أخت الإنسان
بقلم الأديب المجيد محمد رفيق بك العظم الدمشقي قال
لو تتبعنا تاريخ الإنسان لوجدنا الحرب علة ملازمة له منذ نشأ في بقعته الضيقة الأولى ونما بفعل التوالد فتحول عن تلك البقعة جماعات وأحزاباً في التماس الرزق واضطرت تلك الجماعات والأحزاب إلى الاجتماع المدني الذي ولد فيها المنافسة والحسد وحب التغلب فأخذ بعضها يسطو على بعض ثم عمدوا من ثم إلى أعمال الفكرة فيما يدافعون به عن أنفسهم عند مسيس الحاجة فاستعملوا العصا ونحوها من الآلات الحقيرة حتى اضطروا بحكم الضرورة إلى استبدالها بما هو أشدّ منها تأثيراً وأقوى فعلاً فاخترعوا الفؤُوس والسكاكين من الحجر الصلد ثم ترقوا من ذلك على عملها من النحاس ثم من الحديد وترقت بهم الحاجة مع ترقي المدنية إلى تخطيط المدن وتشييد الأمصار وحفر الخنادق وإقامة الأسوار واختراع السيوف والرماح والدروع وما ماثل ذلك من آلات القتال.
ولا يخفى أن كل هيأة اجتماعية لابد لها من رئيس يدبر أمورها والظاهران أول جمعية من الإنسان انضم أفرادها في سلك الاجتماع أقامت لها رئيساً ينظم سيرها ويقوم بأمرها ومن ثم تأسست الحكومات البسيطة التي يرأسها الشيخ ثم الأمير وهكذا تقدمت بتقدم المدينة والعمران إلى أن صارت حكومات كبرى منتظمة يتولاها الملك أو السلطان ومن البديهي أنه يقدر عظم الجمعية تعظم مطامعها فتندفع إلى التغلب على الضعيف من الجماعات
وذلك مما يدعو إلى التفنن باختراع الآلات الحربية التي يترتب عليها حماية الذمار ودفع الأخطار.
وبناء على ذلك تكون الحرب قد نشأت من الإنسان وترقت بترقيه في كل زمان وهي باعتبار أسبابها علة سارية في جسم المجتمع العالمي لا سبيل لاستئصال جراثيمها المتولدة في الجمعيات الإنسانية إلا بأحد أمرين أما بوضع قوانين أشبه بالقوانين الموضوعة للأفراد ترتبط بها الأقوام كارتباط الأفراد فتلزم كل قوم بمراعاة جانب الحق وأما بوقوف الإنسان عند حد الواجب ومعرفته ماله وما عليه. فالأول يحتاج على قوة تقوم بتنفيذ ذلك القانون كالقوة الحاكمة التي تتولى فصل المشاكل بين الأفراد طوعاً كان أو كرهاً والثاني يتوقف على بلوغ المرء من المدنية درجة تقف به عند حد الكمالات الإنسانية.
ولما كان الإنسان مفطوراً على الطمع وطلب المزيد دائماً ولو بلغ من الارتقاء ما بلغ كان كلا هذين الأمرين ممتنع الحصول بين الناس. أما الأول فلأننا نرى الحاكم الذي يتولى فصل الخصومات بين الأفراد لو حكم على أحد بمقتضى القانون أن يدفع حقاً لآخر مثلاً ثم تركه لاختياره في قبول ذلك الحكم أو رفضه لاختار الرفض على القبول بلا كلام فحينئذٍ تنفي الفائدة المقصودة من وضع القانون لو لم تكن وراءه قوة تجبر على تنفيذ مقتضياته وهي القوة الإجرائية التي هي في غير شخص ذلك الحاكم مما اختص به رجال التنفيذ المكلفون باتخاذ وسائله التي رتبها لهم القانون وإذا كان القانون قائماً بالقوة بين الأفراد فما بالك به بين العموم لا جرم أنهُ يستحيل
وجود قوة إجرائية تكون نسبتها إلى عموم الجماعات أو بعضها كنسبة تلك إلى خصوص الأفراد وعلى تقدير إمكان وجود تلك القوة وتنفيذها للأحكام فبأية صفة إجرائية ينبغي أن تكون إذ يلزم أن تخالف الصفة التي يعامل بها الأفراد خلافاً ربما يكون من نتيجته المقاومة التي يبعث عليها انضمام العصبية فإن المجموع صعب من الفرد انقياداً.
ورب قائل أن وضع القوانين وأن استحال لهذه الأسباب فإنه ممكن إذا كان الغرض جعله حكماً يرجع إليه عند وقوع الخلاف بين الدول فيفصل فيه بطريق المسالمة والتراضي فالجواب عن هذا أنه وإن يكن قريب الحصول عديم الجدوى لأنه لابد وأن يكون مصدر الخلاف بين الدول تعدياً ناشئاً عن طمع إحداهن في اهتضام جانب الأخرى وسلب حقوقها والمتعدى غالباً يكون على ثقة من قوته وقدرته ولولا ذلك ما اعتدى وهو يعلم أنه إلى جانب الخيبة أقرب فكيف مع هذه الثقة العمياء يقبل حكماً يسلبه ما طمحت نفسه إليه وتعلقت مطامعه به وهكذا الحال بين عامة الدول ولا حكم لديها إلا للقوّة والسيف فكثيراً ما يقع بين الدول معاهدات وشروط على حفظ السلم وصيانة حقوق الرعايا مما هو أشبه بالقوانين فلا تلبث أيدي المطامع أن تمزقه فنثور ثائرة الحرب وغائلة العدوان، وفي هذا كله برهان على عدم إمكان الأمر الأول.
وأما الأمر الثاني فهو كذلك أيضاً بدليل مرور الآلاف المؤلفة من السنين على نوع الإنسان مع عدم وصوله إلى نهاية الكمال فإن الكمالات لا تتناهى وكيف لا يكون كذلك ونحن نرى أعظم الأمم في هذا العصر علماً
ومدنية أقربها على الشر واشدها تهافتاً على بواعث
المنازعات والمخاصمات فإني للإنسان أن يصل إلى درجة الكمال الصحيح.
ولا عبرة بما يراه البعض من أن الاختراعات الحديثة المتوالية في معدات الحروب ستكون سبباً في منع الحرب بين الدول المتمدنة نظراً لخطر غوائلها من تخريب البلدان وإزهاق الأرواح وما شاكل ذلك مما تأباه بزعمهم العواطف الإنسانية الشريفة. فلو سلمنا باحتمال منع الحرب بين الأمم المتمدنة فإنما يكون المانع منها إلى أجل محدود هو المناظرة القائمة بين الدول في إعداد المهمات الحربية التي تستلزم بقاء التوازن بينهن جميعاً على أن هذا الاحتمال بعيد عن اليقين أيضاً لما عسى أن يفضى إليه استمرار المناظرة من تحمل الناس من مصائبها ما ينزع منهم الصبر فيثورون مندفعين بحكم الضرورة إلى الحرب تخلصاً من تلك المصائب وبيعاً لتعب الحال براحة المآل ولو زمنا ما.
ولو تأملنا في أحوال الوجود قليلاً لرأينا أن التمدن الغربي الحالي من أهم الأسباب الجالبة للحرب نظراً لوصول أهله من التفنن في الأعمال على درجة أوجبت سد أبواب الأرزاق في أوجه الضعفاء منهم فاضطرتهم الحال لأحد أمرين أما أن يقوموا ضد حكوماتهم وأغنياء بلادهم وأما أن يهاجروا سعياً وراء الرزق وكلا الأمرين لا يتم بغير القوة والعصبية أما الأول فيكفي في إثباته ما نراه ونسمعه من ازدياد الفوضويين والاشتراكيين والعدميين في أوروبا وما هم الأقوم ضيقت عليهم سبل الأرزاق فاضطروا إلى التجمهر والتماس الرزق بقوة السيف وطلب المساواة في جميع الحقوق وهو أمرٌ وإن لم يبعث الآن على حرب فلسوف يزداد هو له بازدياد تقدم التمدن الجديد.