الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاقتصاد الشرقي
الفصل الثالث
في الأخلاق والعادات
وعدنا في عددنا الماضي بالمقابلة بين الملابس والفرش القديمة والحديثة. وحيث أن أثاث البيوت يعتنى به عند الزواج غالباً وما بعده يكون من باب المحسنات فلنذكر عاداتنا القديمة والحديثة ومنها يعرف الفرق بين اقتصاد الآباء وإسراف الأبناء.
الناس هنا على ثلاثة أقسام أيضاً فقير ومتوسط وغني أو أمير. فالفقير الريفي كان يقتصر في تجهيز بنته على مقطعين من قماش تصنعهما ثلاثة أثواب ومقطع آخر تصنعه جلباباً يسمونه الآن خَلَقَة أو توباً وعَصبَةٍ تلبس على الرأس تصنع في المحلة الكبرى والمقاطع تصنع في سِرس وقليوب وبلبيس وغيرها. وعلى حَلَق وأساور وخزام وطوق عند أهل الشرق كلها فضية. وبرقع عند سكان الشرقية وبلاد البحر الشرقي وسكان براري بلقاس والمعصرة والزاوية فإن نساء غير هذه الجهات من البحيرة إلى أسوان يمشين مكشوفات الوجوه وبعضهنَّ إذا رأت رجلاً ضمَّت طرفي ثوبها على وجهها وعضت عليهما بأسنانها. وعلى صندوق يصنعه نجار بلدي وبعض طيب. أما الفرش فإن كان من سكان البراري وبلاد الأرز اكتفى بقش الأرز والبردي يفرشه كل ليلة وتغيره المرأة في الصباح لتوليده البرغوث لو بقي وإن كان من سكان غيرها اكتفى ببردة منسوجة
من خيوط قطنية تغزلها النساء والغلمان أو حصر من البردي. والغطاء إن كان في الشتاء أوقد فرن القاعة بالحطب فتحمى فلا يحتاج إلى غطاء وإن برد آخر الليل دخل هو المرأة تحت الدفئية حتى يصبحا وفي الصيف ينام مع زوجته وأولاده على السطوح تحت السماء. ومتوسط الريف يزيد في الثياب غزلية يقال لها رومية تصنعها المرأة سراويل ولبة من ذهب وربما زاد ثوباً من الكريشة التي تصنع في دمياط ومخدتين للرأس حشوهما قش فإن كان شرقاوياً زاد سركوجاً (هي كلمة تركية أصلها سَرْقوج أي طير الرأس تشبيهاً له بطير واقف على الرأس) وهو عبارة عن كيس من حرير أخضر وأحمر واسع الفم ضيق الأسفل تدخل فيه المرأة شعرها ثم تسحبه حتى يغطي رأسها والأغنياء يخيطون فيه بعض نقود من القرش والبشلك أو الخيريات الصغيرة. وبعضهم يزيد عيوناً للبرقع وهي سلاسل خمس أو ست
تعلق في جانبي البرقع قد علق في آخرها قطع مستديرة يسمونها البرق وقد تكون من نحاس أصفر أو من فضة والأغنياء والأمراء يصنعونها من ذهب ولكن الذهبي منها إنما حدث في العهد الأخير. وغني الريف يصنع الحلق واللبة والأساور والخزام والعيون والطوق من الذهب ويزيد عليها خلخالاً من الفضة. ويجعل الثياب من الكريشة ويضم إليها شعرية وهي فوطة من منسوج حريري لها أهداف مفتولة تضعها المرأة على رأسها. وسواعد وهي قياطين من حرير في أطرافها أصابع مجدولة تضرب على أرداف المرأة هكذا وهكذا وربما فضضوا تلك الأصابع وتجتهد المرأة في رفع طرحتها عن الأصابع حتى تظهر للناظرين
عجباً وخيلاء. ومَلساً تتغطى به في الطريق والولائم وبعض سراويل من القطني وهو نسيج مصري من قطن وحرير تلبسه النساء سراويل والرجال قفاطين أو من الشاهي (نسبته إلى الشاه أي الملك إما لكونه كان يصنع له أولاً ثم ابتذل أو لكونه كان يصنع ويباع لحسابه) وهو نسيج مصري أيضاً من قطن وحرير ولكن حريره أقل من القطني ولذا يكون سعره نصف سعر القطني غالباً. وقد انتقلت صنعته إلى الشام وصار يصنع في الإقليمين ثم أخذته أوروبا ولسرعة العلم بالماكينات وغش القطن والحرير أنزلوا سعره إلى حدٍّ بارت به تجارة مصر والشام من هذين الصنفين. أما الفرش والغطاء فالفرق فيه بين الغني والفقير واهٍ وبعض الأغنياء من العمد يزيد دِستاً (قدراً) للطبخ فيه وبعض صحون من النحاس ويبعث مع ابنته بكثير من صناديق الكعك وجاموسة أو جاموستين ليساعد الزوج في معاشه وبعضهم يصنع السراويل من نسيج حريري يسمى السلاوي (نسبة إلى سلا مدينة من مدن الغرب الأقصى) وبعضهم يعلق على البقع بعضاً من النقد الشهير بالبندقي (نسبة إلى بلاد البندقية وهي نسبة الذهب الذي ضرب منه لا نسبة الضرب) أو المحبوب أو المجر. ويندر أن يكون لبنت الغني نعلٌ تمشي فيه فإن اتفق فمركوب يسمى الصرمة تلبسه المرأة عند خروجها من البيت لزيارة جارتها (والأصل الصِّرم وهو الخف المنعَل حرفوه وأنثوه وقالوا صرمة) والمهور كانت من عشرة ريال (الريال بتسعين فضة) إلى مائة أي إن قل مهر اثنان وعشرون قرشاً ونصف وأكثره 225 قرشاً وهذا كان في حكم النادر الوقوع وكانوا يدفعون
الثلثين ويؤخرون الثلث وبعضهم يؤخر النصف وبعضهم يكسو الزوجة ويأخذها ومواد الوليمة خاروف أو عجل وأرز
وبصل يصنع فتاً أو لحم دمعة أو لحم يخني أو محمراً والغني يزيد أرزاً بلبن ومشمشاً يابساً يطبخ مفرداً أو بلحم والبعض يضع عليه بصلاً.
أما فقير المدن فكان يقتصر في الكسوة على مقاطع قماش أيضاً وملاءة من القطن وسراويل من كمبريت (نوع من البفتة المتينة) ولحاف ومخدة وحصير من السمار أو البردي وحلق وأساور وخاتمين من فضة وحلة وصحنين من نحاس وأربع من زبادي الفخاري أو خمس وصندوق ومكحلة ومرآة قدر الكف. والمتوسط يستبدل الكمبريت بالغزلي أو الألاجة أو الشيت عند ظهوره ويجعل الحلق واللبة من الذهب ويزيد مرتبة ولحافاً وأربع وسائد ومرتبة طويلة تسمى شلتة وطوالة ومندراً وأربع حلل أو خمساً وعشرة صحون وسلطانية نحاسية للشوربة وبكرجاً للقهوة وشمعداناً من الخشب وكرسي عشاء وصينية (كأن أصل صنع الصواني كان بالصين فلذا نسبت إليه) وطشتاً وإبريقاً.
والأمير والغني يستبدل كل منهما الثياب الغزلية الكتانية بالثياب الحريرية من الأطلس والسلاوي والإسكندراني والأصفهاني والقطيفة ويقصبون ما يريدون منها بالإبرة الشهير عملها بشغل الطارة لكون الصانع يضع القطعة الحرير على الطارة ويشدها شداً محكماً ثم يطرزها فهو من باب تسميه الشيء باسم آلته ويضمون لذلك بعض الأصواف كالأبخوري والتيبيت ويفصلون من ذلك الليلك وهو ثوب يخاط إلى ما
تحت الثديين ثم يترك شقتين كل شقة تزيد على طول المرأة ذراعين فإذا لبسته أخذت طرف الشقة ورشقته في حزامها. والبلكة وهي عبارة عن ثلث ثوب له كمان يصلان رسغ اليد تلبسها المرأة فوق الثياب تزيناً وبعضهم يزركشها وبعضهم يطرزها بالقصب والكركة وهي نوع من الملبوس قصير ينتهي إلى آخر الثديين ولا كم له تزرره المرأة تحت ثديين فيرعهما وييبسهما فكانت بدل الآلة الإفرنكية المسماة (بالبوستي) المصنوعة من أسلاك مغطاة بالبفتة البيضا محكمة الصنع لتضم صدر المرأة وثدييها. والتنورة وهي كالفستان لها باكية تدكك فيها وتلبس تحت الكركة أو السلطة أو الليلك فتصير كالفستان. والشنتيان وهو سراويل واسع الرجلين تثني المرأة طرفه وتربطه عند منتهى الساق ثم تلقيه مثنياً إلى ظهر الكفين وغير ذلك من الملابس القديمة. وبدل الملاءة يشتري سابلة وهي ثوب من حرير دقيق النسج تلبسه المرأة تحت الحبرة لتمشي فاتحة يديها بالحَبَرَة فتكون الثياب مستورة بالسابلة وهذا سبب تسميتها
سابلة أي مُسبلة وإلا فإن أصلها سَبَنية نسبة إلى قرية من قرى بغداد تسمى سَبَناً وهي عبارة عن أُزُر سِوِد كانت تلبسها النساء جلابيب فوق الثياب فلما لونت لبسنها تحت الحَبَرة وهي نسيج من حرير أسوط تتخذه النساء أُزُراً الآن والأصل حِبَرة وكانت تصنع في اليمن قبل ذلك فحرفوها حَبَرة. وفرش الغني والأمير بساط عجمي كبير وسجادة للصلاة ومراتب للنوم وألحفة ومراتب للجلوس على ألواح من الخشب تسمى كرويت وسرير من خشب مخروط له نامسية وطشوت وأباريق وحنفيات وأطباق