الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 20
- بتاريخ: 3 - 1 - 1893
الموافق 3 يناير سنة 1893
أشتات الشرق وعصبيات أوروبا
من نظر في تقدم الشرق في الأعصر الأول قوة وعلما ومدنية وتأخره مبتدئاً بالتقهقر من أربعة قرون مضت قال ما لهذه الأمم العظيمة صارت كتفاريق العصا ورجعت شعوباً وقبائل وبطوناً وأفخاذاً وانزوى كل فريق في قطعة من الأرض اتخذها وطناً فيها ولد وتربى وإن سرت فيه حمية آبائه عنها يدافع وفي أحيائها يموت وبتعدد الجوامع الشرقية من جنس ولغة ودين ووطن نبذوا الوحدة الاجماعية ظهرياً ومالوا مع الأهواء وجعلوا المنافع الذاتية والسطوة الشخصية وجهة فانحلت العرى التي ربطها الجنس العربي الذي دك كثيراً من عروش أوروبا وجلس على كثير من كراسي ملوكها وإذا نادى تلك الجموع الخاضعة إليه سمع لبيك لبيك الجواب العربي ممن جوابه سي سي أو وي وي وطرد جياده من تهامة فسمع صهيلها في ليون من أراضي فرانسا وفي جميع أراضي أسبانيا والبورتغال وصقلية ونابلي وجزائر البحر
الأبيض وسمع صداه في خط الاستواء والممالك الهندية والفارسية والتركية والتركمانية وإن شئت فقل لم تبق أذن في آسيا وأفريقيا إلا وقد سمعت صهيل خيل الفريق العربي حتى لهج كل ناطق باسم الأرب أو أرابو. ولتجرده من الانفعالات النفسية وتحركه بروح الدين وقوة الملك سوّى بين عربي وتركي وفارسي وهندي وقبطي وشامي بل بين كل أفريقي ـ وآسيوي وضم الجموع تحت نظام واحد يرجع إليه رجوع الأبناء إلى أبيهم فاختلفت المشارب والمذاهب وتوحدت الوجهة الملكية انتظاماً واستيطاناً ودفاعاً فكنت ترى في المسلمين سنيّين وشيعيين وخوارج ومعتزلة ودهرية ومعطلة ودروزاً وكل قسم من هذه الأقسام يشتمل على مذاهب شتى وترى في النّصارى الروم الكاثوليك والأرثوذكس والمارونية والأروسية والإنجيلية وفرق اليعقوبية والنسطورية واليسوعيين وما في كل مذهب من الفروع والشعب وترى في اليهود الهارونية والموسوية والقرّايين والسامريين وما في كل قسم من الفروع والأحكام المتغايرة وربما رأيت كل هذه الأديان بأقسامها وفروعها في بلد واحد يجري كل إنسان في طريقه الديني غير معارض في شيء من أصوله أو فروعه أو عاداته فإذا انتهى من العبادة عاد إلى المجتمع الملكي وانتظم مع حزبه يؤيده برأيه أو يساعده بما له في الخصائص والمزايا
فإذا سمع الصيحة الجامعة انضم مع عصبيته إلى مجموع العصبيات الشرقية وطوى الخصائص المشربية تحت بساط الحاجة حتى يفرغ من صيانة الوطن والدفاع عن الملك ثم يعود إلى حزبه يشتغل معه في صالح الوطن والمنفعة العامة من طريق المشرب الخاص تحت عناية عظيم يدبره وعاقل يرشده فكنت
ترى المسيحي والإسرائيلي يقاتلان مع المسلم من ماثلهما ديناً دفاعاً عن الوطن وشرف الملك لاستوائهما معه في الجوامع الوطنية والقوانين الملكية. وهكذا الشأن في كل إقليم وبلد. والقائمون بأمور الأمة يربون الرجال تحت حضانتهم باحتكاك الأفكار والمشاركة في الأعمال وترقية المؤهلين إلى الرتب العالية بعد التجربة والاختبار والتمرين على شاق الأعمال والتربية في الإدارات المختلفة المواضيع. وبهذه العصبيات ارتفع كثير من العقلاء إلى رتب الوزارة والقضاء وولاية الأقاليم بأصوات حزبه أو جملة أحزاب تؤيّد مبادئه وترجو حسن غايته وانحط كثير ممن تحولوا عن الوجهة الوطنية والحق الدولي بسعي الأحزاب المخالفة لحزبه. والمدقق الخبير يجد هذا الاختلاف ظاهري الصورة يرجع إلى غاية متحدة هي وقاية الوطن والملك. وعند مخالطة الأوربيين للشرقيين في الحروب الصليبية التي عادت على أوروبا بكل خير ومنفعة أخذوا عنهم هذه الطريقة السياسية وانقسموا أحزاباً بين حرّ ومحافظ وجمهوري وملكي وكموني ونهليست وسوسيالست ومتطرف ومعتدل واتخذت كل عصبية وسلة تتوصل بها إلى حياة الأمة وصيانتها وحفظ الوطن وامتداد سطوة الدولة ونفوذها في التخوم وما يصلح للاستعمار فاختلفت الوسائل وتعددت العصبيات مع اتحاد الوجهة فكان للمجموع مبدأ يبني عليه أعماله التي يريد الوصول إلى غايتها وترقت هذه الأفكار عاماً فعاماً حتى انتهت بهم إلى انتخاب الوزراء بأصوات العصبيات وعظمت ثقة الأهلين بالحكومات المقيدة بأصواتهم فنفذت سطوتها في أقاليم كثيرة وممالك متباعدة ووضع بين الملك على أساس متين إذ صارت وقايته مفروضة على العصبيات بالمسابقة إلى التقدم
الملكي. ولم يجر المجموع تحت حكم وزير يستعملهم آلة في تنفيذ آرائه بل اتخذ كل فريق رئيساً عاقاً مجرباً محنكاً وعلموا مبادئه وغاياته فصاروا أعضاداً ينصرونه ويؤيدونه وينادون به في الانتخابات وينبهونه على الأغاليط ويساعدونه على امتداد نفوذه المؤيد للدولة بكل ما يقدرون عليه وكل رئيس يربي رجالاً يخلفونه إذا انقضى دوره ويمدونه بآرائهم إذا قبض
على زمام الأحكام. وبهذه الوسائل المحكمة عظمت ثقة الملوك بالوزراء فأسندوا إليهم الأحكام موقنين أنهم يحافظون على الملك أعظم من محافظتهم لو استقلوا بالحكم والإدارة حتى أنهم لو عينوا سفيراً أو قنصلاً في جهة قالوا له أن سلفك وقف عند نقطة كذا الدولية فإذا لم تتمكن من التقدم عليها فاجتهد في محافظتك على ما وصلنا إليه بهمة غيرك. ولهذا لا ترى دولة أوربية تنقهر في الشرق أو في جهة أوربية إلا بقوة عظيمة مشكلة من مجموع دولي. وفي مقابل هذا الإتقان البديع مع علمنا بما عليه عصبيات أوروبا لم نزدد إلا تقهقراً بأعراض رجالنا الشرقيين عن تربية الخلف والأعضاد ونوم الأفراد تحت ردم الغفلة أو الخوف الوهمي فلا نسمع إلا عزل فلان وأسند أمر الوزارة إلى فلان في الآستانة أو طهران أو مصر أو مراكش أو تونس وإذا بحثنا في المعزول والمولّى رأينا كلا منهما لا يقول إلا رأيه ولا يعتمد إلا على قوته العاقلة وتدبيره الذي كثيراً ما يراه أحدهم صواباً وهو خطاء عظيم ونرى حول كل وزير ووال ومتصرف ومدير ومفتش ومأمور زمراً توسم بالمحاسب وهي أخلاط من الغوغاء والرعاع يستعملهم مع الجهل في الإدارات والوظائف فيعيشون في البلاد عيث الذئب في الغنم المهملة فإذا عزل أحدهم جاء الثاني
بمحاسبيه وطرد السابقين ووضع جماعته مكانهم فيفعلون فعلهم غير مبالين بسوء ما يرتكبونه لعلمهم ان المنتهى إلى من لا يسألهم عما يفعلون وبهذا ضاعت المصلحة الوطنية وتوزعت في الشهوات والأهواء وصرنا نعد العقلاء ثلاثة أو أربعة في الأستانة واثنين أو ثلاثة في مصر وإذا رأينا تخلخل وزارة أخذنا نهجس ونخمن فيمن يكون بعد الحاضر لعلمنا أنه لا يوجد من المرشحين المؤهلين لهذا المنصب إلا فلان وفلان وهما لم يربيا أحد مدة توليهما الأحكام حتى يخلف الواحد منهم آخر من مشربه فيسير بسيره ليتم عمله الذي كان مشتغلاً به وإنما كنا نرى هذا يشتغل بوضع اللوائح والنظامات وترتيب الأعمال والعمال وأحكام العلائق بين حكومته وغيرها ويسعى في توسيع التجارة والصناعة والزراعة بطرق سهلة وقبل أن يتمم عمله يعزل ويأتي غيره على هذه الطريقة. وبهذا السير اختلت ممالك الشرق وكثر فيها الفساد وتمكن الأجانب والدخلاء من الرؤساء الذين لم يربوا أحد من أهل بلادهم وخافوا من العقلاء من قومهم وظنوا أن استخدام الدخيل يقيهم فتنة الرعايا ويؤيد سطوتهم فيهم فأكثروا منهم فجاؤهم بالمصائب ولكننا إذا قابلنا أعمالهم
بأعمال رجال أوروبا وجدناهم في خطاءٍ عظيم وقد تحملوا مسؤولية أمم عظيمة بإهدارهم طرق الإصلاح. وإننا نرى الآن المشابهة سرت في رجال الشرق فأخذوا يحاكمون أوروبا فيما به يفرون من اسم الهمجية والتوحش وسعوا في جمع كلمتهم وعقد الجمعيات لفتح مدارس العلوم والصنائع وتهذيب النفوس وتعميم
الآداب ولكنهم مع بقائهم على التفرق وعدم اتخاذ مبدأ يبنون عليه أعمالهم لا تزال الأيام تقيمهم وتقعدهم وهم حيارى بين المقعد والمقيم. فلا بد أن يكون لكل عصبية وزير مدرّب يرجعون إليه فإذا أسندت إليه وزارة أعانوه وساعدوه وبثوا مبادئه وتعاليمه في العالم المحكوم ليقووا بذلك أعماله الداخلية والخارجية فإذا خالف مبادئهم انضموا إلى العصبيات الأخرى وعارضوه برفع أعماله المختلة إلى الملك أو الأمير حتى يغير وجهته أو يتخلى عن الوظيفة ويتولاها آخر له مبدأ وطني أيضاً تؤيده عصبية أخرى تحت مراقبة العصبية الثانية كما هو حاصل في بلاد الإنكليز الذين تخللوا ممالك الدنيا بأعمال حزبي الأحرار والمحافظين وأحكام سيرهما في توحيد الوجهة الملكية مع اختلاف الوسائل المؤدية إلى المقصد الإجماعي. نعم إن الآستانة ومصر ليستا متأهلتين للانتخاب وحرية الأفكار كما ينبغي ولا تتوسع الحكومة بأكثر مما هو حاصل الآن ولكن إذا اجتمعت الأمة على مبدأ وطني دولي غايته حفظ كرسي الملك الأمير الأعلى وعقدت أجماعها على الخضوع إليه والرضوخ لأحكامه وتأييد مبادئه وتعضيد مقاصده وحفظ النظام الذي يبثه فيها وربطت عزائمها على حفظ مركزه ووجوده في منصة حكمه مؤيداً باتحاد الأمة معضداً بانقيادها مسروراً بما يراه من الأمن وحسن المخالطة والمعاشرة أمكنها أن تعطي لجماعة من الأمراء جانباً من الاعتماد على هذا الاتحاد والثقة بصالح نية العصبيات فإذا علم الوزير منهم أنه مسؤول بين يدي عصبيته عن أعماله وهم يرون أن غيرهم يراقب أعمال رئيسهم انبعثت في الوزير حمية الخدمة الوطنية وتقوّت أفكار عصبيته في مراقبته وبحث أعماله وتنبيهه على كل
ما يؤاخذ به أو يلام عليه أو يوجب سقوطه من منصبه. وهذه الأماني وإن كنا لا نثق بالوصول إليها تماماً في عصرنا ولكننا إذا بدأنا بتأسيس المبادئ وتخصيص العصبيات وجرينا على ذلك الهوينا جاء من بعدنا على نظام لا يكلفه إلا القيام بما فيه. وهذه العصبيات والأحزاب لا يمكن تكوينها إلا من الوطنيين الذين دفنوا أجدادهم في البلاد فهم يخافون أن تطأ خيل الغرباء
تلك القبور الحافظة لعظام المجد الوطني والشرف الملكي ففي مثل بلاد الدولة العلية غير الممتازة تتكون من الترك والعرب والجركس والكرد والأرمن وفي مثل مراكش والجزائر وتونس تتكون من العرب والأفريقيين وفي مثل مصر تتكون من المسلمين والأقباط والإسرائليين وفي مثل طهران تتكون من الفرس والكرد وهكذا تتكون العصبيات من أهل كل وطن ويعقدون عزائمهم أولاً عقد إجماع على تقديس مناصب الملوك والأمراء ثم يبحثون فيمن يمشي بهم في طريق حفظ الملك أو الأمير من كل ما يمس أي حق من حقوقه المقدسة. ولا يفهم غبي من ذكر العصبيات والأحزاب أن المراد عصبيات إفساد أو أحزاب فتن وحروب فإن ذلك محض الجنون لأننا محاطون بدول أوروبا وإن كنا في قطعة شرقية وقد امتلأت بلاد الشرق وممالكه بالأوروبيين متجرين وسائحين ومعلمين وصناعاً ومع هذا الاختلاط القاضي بالمحافظة على الأمن والراحة فإن افتراق ممالك الشرق واختلاف كلمة معظم أهله يقضي عليهم بالعدول عن كل فتنة توقعهم في حرب أوربية لا يقدرون على اقتحام عقباتها لاتفاق ممالك أوروبا عليهم واختلاف ممالكهم الشرقية مع فقد المعدات والمواد الحربية
وإذا كان ذلك مرسوماً بين أعين العقلاء منا استحال تصور التجمع لفتنة أو لمعاكسة دولة أوروبية وتعين فهم مجاراتنا لأوروبا في اتخاذ طرق المدينة. خصوصاً ونحن معاشر المصريين بين يدي أمير سكنت محبته قلوبنا وتخللت أجزاء ذواتنا وتعلقت آمالنا بهمته العالية وأفكاره المنيرة ولكننا لا ننسى أننا تحت مراقبة دولة عظيمة تسعى في تقدم مدنيتنا وتوصيلنا لمعرفة حقوقنا الوطنية وتبذل جهدها في نشر التعاليم الأوروبية في أنحاء بلادنا وتفتخر وزراؤها ووكلاؤها بأنهم أوصلونا إلى المدنية وعلمونا كثيراً من طرق الإصلاح التي كنا نجهلها ونبهونا للمطالبة بحقوق خديوينا المفخم ووطننا العزيز وأرشدونا إلى طرق حرية الأفكار والمجامع فعملاً بهذه العلوم النفسية وإتباعاً لنصائحها واقتداءً برجالها ينبغي أن نقابل سعيها بالتظاهر أمامها بثمرات أتعابها ليكون فخرها بين الدول بنشأتنا الوطنية وعصبيتنا المصرية أكبر وأعظم وليعلم العالم المدني الأوروبي أنها وعدت ووفت وإلا فإن بقيت على اجتهادها وبقينا على تقاعدنا كنا علة لما لا نحبه ولبسنا ثوب عاربين الأمم وأصبحت الدولة المراقبة لنا تبكتنا وترمينا بفساد الأخلاق وجبن الطباع وعدم الاقتدار على الاختراع. فعلينا معاشر المصريين خصوصاً والشرقيين عموماً أن
نبحث في طرق احزاب أوروبا وروابطهم وكيفية سيرهم وموجب استمرارهم على ما هم فيه ونقلدهم بسير لطيف واعتدال في الحركات والسكنات مع لزوم الهدوء وحسن الانقياد والمحافظة على حقوق الأجانب والنزلاء والانتباه لدسائس الدخلاء وفتن الأجراء ولتكن لكل فريق جرائد تنشر أعماله وتؤيد أقواله وتبين له دسائس بقية الجرائد وتنبهه على ما يجب اتخاذه مما تراه