الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 24
- بتاريخ: 31 - 1 - 1893
لا دليل على دعوى تهديد الأمن العام
كثرت الأقاويل وجاهر الأجراء أضداد المصريين بقولهم أن الأمن العام مهدد أو كان مهدداً وهو قول لا يقوله إلا من يسؤه انتظام أحوال المصريين ومساواتهم للأمم في الأعمال المدنية والمحافظة على سلطة حاكمهم الأفخر وسلطانهم الأكبر فإن المسألة الأخيرة التي عدت تظاهراً وتهديداً وهرجاً ومرجاً وذهبت فيها أقوال المرجفين كل مذهب مسألة بسيطة جداً أولها وآخرها إقالة الحضرة الخديوية لوزير واستبداله بأخر لا تزيد على ذلك شيئاً ولا ينطوي تحتها أكثر من تصرف أمير بحقوقه المجمع عليها من دول أوروبا. فإن قيل أن حضور العدد الكثير من الأمة لباب أميرهم زائرين ومهنئين باسترجاعه حقوقاً كان قد أضاعها التهاون والخمول هو التظاهر الذي هدد الأمن العام. قلنا يلزم على ذلك أن يعد كل من الاحتفال بتذكار مولده وولايته والعيدين تظاهراً فإنه عبارة عن وفود الأمة على الخديوي مهنئين بأمر يستحق التهنئة كهذا الذي حصل أخيراً.
ومن أين فهموا تهديد الأمن العام لرأي المرجفون أحداً من المصريين يخاطب أجنبياً أو سورياً بكلمة قبيحة أو حمل عصا بيده خلافاً لعادته أو تعرض لسلب مال أحد أو هتك عرضه أو تجمع فريق من المصريين ضد جماعة من الأجانب أو استخف أحد بحق دولة من الدول أو أهان خادماً لقنصل أو ضرب كلباً لأوروبي وتوقف مدين في دفع دينه لمعامله الأجنبي أوصال فلاح على أوروبي أو سوري متجول في البلاد أو خرج مصري من خدمة أجنبي احتقاراً له أو منعه السكنى في بيته أو هاجر من جواره استخفافاً به أو وقفت تجارة أوروبا بتعصب المصريين أو تحيز المصريون في قهاوي ومجامع غير الأوروبين أو سمع صوت من صغير أو كبير ينادي بالتعصب الديني كما نراه من البروتستانت والفرير وغيرهم أو تطاول أحد لمس حق من حقوق المجالس المختلطة أو امتيازات القناصل أو تعدى مصري على مستخدم أجنبي برفت أو أهانة أو رؤى المصريون يشترون سلاحاً وآلات استعداداً لفتنة يثيرونها أو ما هو الذي ارجف به المرجفون وطنطنت به جرائدهم المهيجة بإيهامها ومفترياتها. لو حصل شيء من ذلك لبادر القناصل بأخبار دولهم ورفعوا التقارير إلى الحضرة الخديوية فإن كل دولة لها تابع في بلادنا أو تجارة تعد شريكة لانكلترا في المصلحة لا تزيد عنها شيئاً فإن طريق الهند الذي كان المصلحة الكبرى لها صار مكفولاً بالدول محمولاً على عواتق غير مصر فلم يبق إلا المحافظة على الإتباع
والتجارة أسوة الدول الأوروبية. فبقاء المصريين على مخالطة الأوروبيين ومعاملتهم التي تعودوا عليها ومساكنتهم
لهم وتبادلهم الأفكار معهم في المجالس والمجامع ووجود الدوائر القنصلية محترمة محفوظة آمنة من كل ما يشوش الفكر أو يوجب القلق ووجود العساكر الانكليزية في الحصون والقلاع والطرقات لا يعارضهم معارض ولا يتجزأ عليهم أحد أدلة قاطعة على عدم صحة تلك الأراجيف وبراهين قوية على أن المصريين ما مسوا الأمن العام بقول أو فعل يغايره ولا غيروا سيرهم الذي مشوا عليه في معاملة الأجانب من مائة سنة مضت. ومن أكبر الأدلة على أن هذا الأرجاف لا حقيقة له وجود بقال أجنبي في خمارته بقرية من قرى الريف لا مسيحي فيها غيره ولا عسكر يحميه ممن يصول عليه ولا قنصل يدافع عنه ومع ذلك فإنه مختلط بأهل القرى سهران معهم متردد على بيوتهم آمن على نفسه وماله أحسن ما يكون في أثينا وغيرها لا يصحب الواحد منهم خادم ولا معه سلاح ومع ذلك لا يتعرض إليه أحد ولا ينافره بسبب ولا يضيع له قرض بل يمشي مكرماً محترماً يخدع الفلاح ويغشه ويمكر به وهو يكاد يحمله على رأسه إكراماً.
وهذه حقائق لا ينكرها الأبله ولا يتجهلها المعتوه. وليست أوروبا غافلة عن هذه الأحوال ولا جاهلة ما نحن عليه فإنها تعلم أحوالنا الكلية والجزئية وتعمل الموجب لهذه الأراجيف التي لا وجود لها ولا يعترف بوجودها إلا أضداد المصريين الذين شوشو الأفكار الانكليزية بمفترياتهم وأوهموهم بما اشغلوهم به من الأكاذيب وعكس الأقوال بترجمة كلام المصريين بضد مرادهم تنفيراً للانكليز وتهيئاً للفتنة وإلا فإن الحال تكذبهم بعد تصديق أوروبا على
دعواهم الباطلة ووجود الأشغال والأعمال على ما هي عليه لم يتغير منها شيء خوفاً من حصول ما يرجف به أضداد المصريين. أفمن يكون من ِشأنهم أنهم نزلوا من سراي أميرهم إلى أصحابهم الأوروبيين مجلسين ومتذاكرين ولزموا أشغالهم وأعمالهم كأن لم يكن شيء يقال أنهم هددوا الأمن العام بهذا السكون سبحانك هذا بهتان عظيم ومن الغريب أننا نسمع عن أوروبا أن النهليست تظاهروا بكذا وفتكوا بالملك فلان والسوسياليست فعلوا كذا والكمون أجروا كذا وحزب كذا تظاهر بكذا والغزالون توقفوا عن العمل وفعلة الفحم أبوا إلا زيادة الأجرة وقوضت دائرة كذا بالديناميت وتظاهر الأرلنديون بالسلاح ضد البوليس ويخشى على الجمهورية من حزب كذا ثم من العجيب أنه لا يعد سعي الأحزاب في قلب
الدول ولا قتل القيصر المحترم ولا هدم الأماكن بالديناميت تهديداً للأمن العام وتعد زيارة الأمة لأميرها تشويشاً للأفكار وسلباً للأمن العام وموجباً لزيادة الحامية. أصرنا أقل درجة من الزولوس والأوغنديين حتى نهدد بدعوى التهديد ولا نعرف ما نحن عليه ولا نفرق بين الأمن والخوف أن هذا لهو البلاء العظيم والذي ينبغي أن يعرفه أضداد المصريين ليقفوا على سبب فرحهم بحالة أميرهم المعظم هو أن المصريين كانوا يعدون زيادة سلطة الأجنبي وتوسعه في اختصاصاته الإدارية واستبداده بمال المصري وأحكامه أمراً حاصلاً برضا أميرهم المرحوم توفيق باشا وقد تعودوا على الانقياد والخضوع لأميرهم القائم بأمرهم فلهذا لم تسمع منهم كلمة معارضة لأي أجنبي استبد عليهم في مدته فلما رأوا حضرة الخديوي الحالي سعى في أمر هو له بمقتضى فرمان وراثته وفرمان ولايته وقوبل
فيه بشبه المعارضة علموا أن تلك الإجراءات التي سبقت كانت بسلب الغير حقوق مسند الخديوية واستئثاره بما يراه صالحاً لنفسه ودولته لا لمصر ولا للمصريين وعادوا لأنفسهم يتذاكرون فيما جرى من طرد الوطنيين من الخدمة واستبدالهم بأوروبيين أو أضداد المصريين وصرف النقود الكثيرة فيما لا يعود على البلاد بمنفعته وتوسيع نطاق اللغات الأجنبية في المدارس إماتة اللغة الوطنية واستخدام الأجنبي بالراتب الباهظ الذي لا يناله العظماء في بلاده وإعطاء الوطني الراتب القليل مسلماً كان أو قبطياً وإصدار الأوامر المختصة بالمصادر العالية من أصغر موظف أجنبي وسلب حقوق الإدارات الوطنية وجعل رؤسائها آلات يديرونها فيما يشاؤن وغير ذلك مما كان مدرسة كبرى للمصريين أحسنوا فيها دراسة الأحوال وكان أكبر منبه لهم على طلب حقوقهم تعصب أضداد المصريين الذين قبحوا كل عمل مصري وتطاولوا على أمرائهم وذواتهم بالشتم القبيح وزادوا في السفه إلى حد أن تطاولوا على السلطان الأعظم بعبارات بادرة وتهجين فظيع. وهذا الذي حمل المصريين على الفرح بمحافظة الخديوي على حقوقه ورجوعه إلى وجهة أجداده لعلمهم أن حقوقه هي حقوقهم في الواقع ونفس الأمر أفيكون فرح الأمة بسعي أميرها خلف حقوقه المقدسة تظاهراً عدوانياً وتهديداً للأمن العام كما يزعم المرجفون.
وليس تألم المصريين من الأجانب والأضداد لكونهم أجانب فإنهم يتبادلون الوظائف مع هذين القسمين من عهد المرحوم أفندينا محمد علي باشا ولا ينكرون فضل بعض
الأوروبيين السابقين في إصلاح بعض الإدارات وإنما تألمهم من تعصب هذين القسمين عليهم
واختصاصهما بمعظم الأعمال وأدائهما أن المصري لا يصلح لعمل ورفتهما شبان المصريين وإحالتهم على المعاش مع استخدامهم الشيوخ والكهول منهم وهو تعصب لا يخفى على المغفلين فضلاً عن النبهاء وما ساعدهم على ذلك إلا فتورهم القائمين بالأعمال من رؤساء المصريين وتهاونهم التهاون القبيح فإن الأجانب وأضداد المصريين لم يأخذوا الوظائف باستحقاق ولا اغتصبوها بحرب وإنما استلانوا الرؤساء فلانوا فاستبدوا ـ على أننا لو قابلنا بين الأعمال الأجنبية والأعمال الوطنية لوجدنا الفرق غير داخل في باب الإصلاح مطلقاً إا ما هو إلا زيادة راتب الأجنبي إضعاف ما كان لسلفه الوطني والعمل هو هو وربما كانت هناك فروق تؤيد الوطني لا يمتد القلم لبسطها الآن إلا أظهر أضداد المصريين عجز المصري واقتدار الأجنبي في عمل يقال كان كذا فساداً فصار إلى كذا صلاحاً ويعلم الله أن هذا لا يوجد في مصرنا ولا يقول به إلا أجير لا يبالي صدق أو كذب فإن الأجنبي لم يدخل علينا مستعمراً؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ القوانين ووضع لنا النظام وإنما دخل على حكومة نظامية مؤسسة على قوانين لا تخالف قوانين أوروبا مقسمة إلى إدارات كتقسيم ممالك أوروبا لها مدة تعامل أوروبا وتعاهدها كبقية الدول المتمدنة فهو يدير حركة تأسست من تسعين عاماً على نظام وضعه الرجال الوطنيون وكم مرة رأيناه يحاول تغيير شيء من النظام المصري فلم ينجح ويعود لما كان عليه المصري المدعي عليه الآن أنه لا يصلح للأعمال ولس فيه أهلية لخدمة بلاده وهذه دعوة باطلة وفرية قبيحة لا يقولها لا أضداد المصريين الذين غاية مساعيهم ضررنا وإفساد ذات بيننا وجملنا طعمة للأجنبي وهذه الآلام التي
يحس بها المصريون لا توجب فتنة ولا تحركهم لثورة كما يفتري ذلك أضدادهم بل تلزمهم باللياذ بأميرهم والفرح بعودة السلطة الوطنية ليشابهوا الأمم المحافظين على حقوقهم المتمتعين بمنافع بلادهم. ولو علم أضداد المصريين أن كثرة أقاويلهم ومفترياتهم وتحاملهم على الأمير والسلطان بلا تحاش ولا حياء هي التي تعد ذريعة لسلب الأمن العام لأحسنوا العبارة ووقفوا مع الوطنيين والأوروبيين في موقف السكون والهدوء وراحة الأفكار. ولو نظرنا إلى الجرائد غير المشيعة لرأيناها سالكة طريق الاعتدال معلنة بأن الأمن العام لم يمس بشيء فهذه جرائد الوطن والأهرام والاتحاد والبوسفور والمحروسة
والفار وغيرها تنادي بأن الأمن العام قوي الأركان فضلاً عن الجرائد الإسلامية المؤيد والنيل فلم يبق إلا الشاذة التي غرست الأحقاد في القلوب ونفرت المصريين من الانكليز وأعمالهم بسوء سياستها وتظاهرها عليهم وهذه عادة الأحمق يريد أن ينفع صاحبه فيضره من حيث لا يشعر ـ ثم أن المصريين يعلمون أن بقاء الأوروبيين بينهم للتجارة والزراعة والصناعة والاستيطان حصن حصين بينهم وبين الدول العدوانية فهم يعقدون خناصرهم على صدق مخالطتهم وحسن معاملتهم كما هي عادتهم فإن التعرض لنابع دولة يوجب تداخلها في أحوالنا وهذا غير خفي على أضعف المصريين إدراكاً ولو علم أضداد المصريين أن النداء يفقد الأمن العام نداء لأوروبا بالتداخل في شأن مصر فيجعلون للدولة المستأجرة لهم شركاء بجهلهم لكفوا عن هذه الإشاعات ولكنهم عن طرق الهداية عمون.
ونحن معاشر المصريين على اختلاف أدياننا نعلن أضدادنا المرجفين ومن
ينافقونهم أننا لا نستبدل السكون بالحركة ولا الأمن بالخوف ولا ننافر أوربياً ولا ندر صفو الراحة بالفتن التي تثيرونها لينتفع الغير بها ولا نرجع عن معاشرة الأجانب ومعاملتهم ومزاحتمهم في أندية الأنس والسمر ولا نغير شيئاً من طباعنا التي جبلنا عليها ولا ننسى تظاهر الأوروبيين معنا بالفرح والسرور وتوافق خواطرهم معنا وإحساس جموعهم بما تحس به من الآلام المعنوية فقد نبهتنا كثرة الفتن السابقة وسعي المرجفين في إفساد ذات البين ووقفنا على دسائس المرجفين وغاياتهم وعلمنا سوء مقصد موزعي الأوراق في الطرقات تهيجاً للأفكار والواقفين في الشوارع من الأجراء يسبون عظيماً ويشتمون أميراً يحركون بذلك أحد الوطنيين للتعرض لهم ليقال أن الوطنيين تعدوا على الأجانب وهي حي صبيانية عرفها الأوروبيون قبل المصريين فكل هذا مرسوم بين أعيننا. وأني بصفة كوني عضواً من أعضاء الهيئة الوطنية أزيد أخواني نصحاً بأنه يوجد أناس يتخللون المجالس مهيجين فإنهم أجراء مناحيس واخرجوهم من مجالسكم مدحورين لئلا يحركوا فيكم حمية غضب بها تحدثون ما لا يحمد ولا يناسب السكون الذي تطالبنا به الحالة الحاضرة. ويوجد أناس من الحشاشين واللصوص والأشقياء والأسافل اتخذوا النم والكذب وظيفة لهم ينسبون إليكم أكاذيب ومفتريات فإذا رأوا أنساً اجتمعوا في مأتم لتعزية صديق لهم قالوا أنهم يدبرون ثورة ويؤلفون حزباً ويثيرون فتنة وهذه الطائفة التعيسة غير خفية عليكم فلا تدخلوهم مجالسكم