الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التطوُّعُ: هو التنفُّلُ والزيادةُ على الفَرْضِ، والمرادُ به هنا: الزيادةُ على القَدْرِ الواجبِ مِن الإطعامِ، فمَن زادَ على الأكلِ الذي يكفي الواحدَ - كمَن تصدَّقَ بصاعٍ - فهو خيرٌ وأفضلُ.
رُوِيَ هذا عن ابنِ عَبَّاسٍ ومُجَاهدٍ، وطاوُسٍ وعطاءٍ والحسَنِ، وغيرِهم (1).
* * *
الشَّهْرُ: مِن ارتفاعِ الشَّيْءِ وظهورِه؛ يقالُ: "شهَرَ الرَّجُلُ سَيْفَهُ: انتَضَاهُ ورفَعَهُ على الناسِ".
أصلُ تسميةِ رمضانَ:
ورمضانُ هو الشَّهْرُ القَمَريُّ التاسعُ، واختُلِفَ في سببِ تسميتِه برمضانَ؛ على أقوالٍ:
فقيل: لأنَّ وقتَ فرضِه كان وقتَ حرٍّ شديدٍ.
(1)"تفسير ابن أبي حاتم"(1/ 309).
قال ابنُ دُرَيْدٍ: "لمَّا نقَلُوا أسماءَ الشهورِ عن اللغةِ القديمةِ، أَسْمَوْها بالأزمنةِ التي وقعَتْ فيها، فوافقَ رمَضَانُ أيَّامَ رمَضِ الحرِّ وشِدَّتِه؛ فسُمِّيَ به"(1)، ثم كَثُرَ استعمالُها في الأَهِلَّةِ، وإن لم تُوافِق ذلك الزمانَ.
ويُقالُ: إنَّ أولَ مَن سمَّاها بهذه الأسماءِ كِلَابُ بنُ مُرَّةَ مِن قُرَيْشٍ، واسمُ رَمَضانَ في الجاهليَّةِ: النَّاتِقُ أو النَّاطِلُ؛ مِن الناقةِ الناتِقِ؛ أيْ: كثيرةِ الولادةِ، أو مِن الناطِلِ وهو: كيلُ السَّوَائِلِ.
ويذكُرُ الفَلَكيُّونَ: أنَّ التسميةَ الجديدةَ للشهورِ وقعَتْ في الخريفِ، وهو ليس شديدَ الحَرِّ، وهذا يعكِّرُ عليه القولُ بتسميتِهِ لِشِدَّةِ الحرِّ كما قال ابنُ دُرَيْدٍ وغيرُه.
وقيل: مأخوذٌ مِن رَمَضِ الصائمِ، وهو حَرُّ جَوْفِهِ مِن شِدَّةِ العطشِ.
وقيل: لأنَّه يَرْمَضُ الذنوبَ ويَحْرِقُها بالرحمةِ والمغفرةِ التي تتنزَّلُ فيه؛ فرمضانُ مِن أعظمِ مكفِّراتِ الذنوبِ لمَنِ احتسَبَ صيامَهُ وقيامَه، وقد جاء في "الصحيحَيْنِ" مرفوعًا:(مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ)(2)، فالصومُ يَرْمَضُ الذنبَ ويَحْرِقُهُ، كما أنَّ الصومَ يَرْمَضُ النَّفْسَ؛ فالجزاءُ مِن جنسِ العملِ.
وقيل: هو مِن: رمَضْتُ النَّضْلَ أَرْمِضُهُ رَمْضًا: إذا دقَقْتَهُ بينَ حجرَيْنِ لِيَرِقَّ؛ سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه شهرُ مشقَّةٍ ومكابَدةٍ، وعُسْرٍ وجُوعٍ، يذكِّرُ الصائمينَ بما يقاسِيهِ أهلُ النارِ فيها.
وقيل: لأنَّهم كانوا يَرْمِضُونَ أسلحتَهم فيه - أيْ: يرقِّقُونَها - ليُحارِبوا بها في شَوَّالٍ قبلَ دخولِ الأشهُرِ الحرُمِ.
(1)"جمهرة اللغة" لابن دريد (2/ 751).
(2)
أخرجه البخاري (38)(1/ 16)، ومسلم (760)(1/ 523)؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ورُوِيَ عن بعضِ السَّلَفِ؛ كمجاهِدِ بنِ جَبْرٍ: أنَّ رمضانَ اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ تعالى.
رواهُ سُفْيانُ عنه؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (1).
ورواهُ ابنُ عساكِرَ في "تاريخِ دِمَشْقَ"، عن سُنَيْدِ بنِ داودَ، نا وكيعٌ، عن طَلْحةَ بنِ عَمْرٍو، عن مجاهدٍ؛ قال:"لا تقولوا: رَمَضانُ، ولكن قولوا: شهرُ رَمَضانَ؛ لعلَّه اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ عز وجل"(2).
وقد كَرِهَ مَن قالَ بأنَّ رَمَضانَ مِن أسماءِ اللهِ: أنْ يُطلَقَ رمضانُ على الشَّهْرِ دون أنْ يُجعَلَ مضافًا إليه، فلا يجوزُ أن يُقالَ: رمضانُ؛ وإنَّما تقولُ شهرُ رمضانَ؛ لأنَّه شهرُ اللهِ، وليس هو اللهَ.
وهذا القولُ لا دليلَ عليه، ولا يثبُتُ شيءٌ في الوحيِ أنَّ رمضانَ مِن أسماءِ اللهِ، وأسماءُ اللهِ وصفاتُهُ توقيفيَّةٌ.
وأمَّا ما روى ابن أبي حاتمٍ؛ قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ بكَّارِ بنِ الرَّيَّانِ، حدَّثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمَّدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، وسعيدٍ - هو المَقْبُريُّ - عن أبي هريرةَ، قال:"لا تقولوا: رمضانُ؛ فإنَّ رمضانَ اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ تعالى، ولكنْ قولوا: شهرُ رمضانَ"(3):
فمنكَرٌ لا يصحُّ؛ فأبو مَعْشَرٍ: هو نَجِيحُ بنُ عبدِ الرحمنِ المَدَنيُّ إمامُ المغازي والسِّيَرِ، وفيه ضَعْفٌ، وقد رواهُ ابنُه محمَّدٌ عنه، عندَ البيهقيِّ في "سننِه"؛ فجعلَهُ مرفوعًا عن أبي هريرةَ (4).
قال ابنُ كَثِيرٍ رحمه الله لمَّا ساقَهُ في "تفسيرِهِ": "وقد أنكرَهُ عليه الحافظُ
(1)"تفسير الطبري"(3/ 187).
(2)
"تاريخ دمشق" لابن عساكر (26/ 240).
(3)
"تفسير ابن أبي حاتم"(1/ 310).
(4)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 201).
ابنُ عَدِيٍّ، وهو جَدِيرٌ بالإنكارِ؛ فإنَّه متروكٌ، وقد وَهِمَ في رفعِ هذا الحديثِ" (1).
ورُوِيَ عن أبي مَعْشَرٍ مِن قولِ محمَّدِ بنِ كَعْبٍ، وهو أشبَهُ؛ قاله البيهقيُّ (2).
وقد روى ابن النَّجَّارِ في "كتابِهِ"، وأبو طاهرِ بنُ أبي الصَّقْرِ في "مَشْيَخَتِهِ" خبرًا منكَرًا؛ مِن حديثِ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ خَلَفٍ، حدَّثنا موسى بنُ إبراهيمَ الأنصاريُّ، حدَّثنا أبو معاويةَ الضَّرِيرُ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها؛ قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما معنى رمضانَ؟ فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم (يَا حُمَيْرَاءُ، لَا تَقُولِي: رَمَضَانُ؛ فَإِنَّهُ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ، وَلَكِنْ قُولِي: شَهْرُ رَمَضَانَ؛ يعني: رمَضَانُ أَرْمَضَ فِيهِ ذُنُوبَ عِبَادِهِ، فَغَفَرَها)، قالتْ عائشةُ: فقُلْنا: شَوَّالٌ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: (شَالَتْ لَهُمْ ذُنُوبُهُمْ، فَذَهَبَتْ)(3).
وهو خبرٌ منكَرٌ أيضًا (4).
وقد أعلَّ البخاريُّ الأحاديثَ الوارِدةَ في البابِ موقوفةً ومرفوعةً؛ حيثُ ترجَمَ، فقال:"بابٌ: هل يقالُ: رمضانُ، أو شهرُ رمضان؟ ومَن رأَى كلَّه واسعًا"(5).
وساق أحاديثَ في ذلك، منها:(مَن صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ)(6)، ونحوُ ذلك.
وقد ترجَمَ النَّسَائيُّ في "سننِه" نحوَ ذلك، فقال: "بابُ الرُّخْصةِ في
(1)"تفسير ابن كثير"(1/ 502).
(2)
ينظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (4/ 201).
(3)
أخرجه أبو طاهر بن أبي الصقر في "مشيخته"(ص 126).
(4)
ينظر: "اللآلئ المصنوعة، في الأحاديث الموضوعة"(2/ 83).
(5)
"صحيح البخاري"(3/ 25).
(6)
أخرجه البخاري (1901)(3/ 26).
أنْ يُقالَ لشهرِ رمضانَ: رمضانُ" (1).
ثمَّ أورَدَ حديثَ أبي بَكْرةَ مرفوعًا: (لَا يَقُولنَّ أحَدُكُمْ: صُمْتُ رَمَضَانَ، وَلَا قُمْتُهُ كُلَّهُ)(2)، وغيرَه.
والأحاديثُ التي فيها ذِكْرُ رمضانَ مجرَّدًا تبلُغُ المِئِينَ، لكنَّ الغرَضَ يحصُلُ بحديثٍ واحدٍ.
وقد كَرِهَ بعضُ السَّلَفِ أن يُجمَعَ رمضانُ؛ إذْ يُجمَعُ في العربيَّةِ على وزنِ جمعِ المؤنَّثِ السالمِ، وعلى أوزانِ جموعِ التكسيرِ؛ فيُقالُ: رَمَضَاناتٌ، ورَمَاضِينُ، وأَرْمِضَةٌ، وأَرْمِضَاءُ. . . إلى آخرِه.
قولُه: {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} :
أُنزِلَ القرآنُ في رَمَضانَ بلا خلافٍ؛ وإنَّما اختَلَفوا في المرادِ بالآيةِ؛ هل هو نزولُهُ إلى السماءِ الدُّنْيا، أو نزولُهُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم أوَّلَ ما نزَل بمكَّةَ؟ :
القولُ الأوَّلُ: جاء عن ابنِ عبَّاسٍ والشَّعْبيِّ وغيرِهما؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: "أُنزِلَ القرآنُ كلُّهُ جُمْلةً واحدةً في ليلةِ القَدْرِ في رمضانَ إلى السماءِ الدُّنْيا، فكان اللهُ إذا أراد أن يُحدِثَ في الأرضِ شيئًا أنزَلَ منه، حتى جمَعَهُ"(3).
ورُوِيَ هذا بألفاظٍ مختلِفةٍ؛ رواه عنه سعيدُ بنُ جُبَيرٍ وعِكْرِمةُ ومِقسَمٌ (4).
وهو الأشهرُ من أقوالِ المفسِّرين.
(1)"سنن النسائي"(4/ 130).
(2)
أخرجه النسائي (2109)(4/ 130).
(3)
"تفسير الطبري"(3/ 190).
(4)
ينظر: "تفسير الطبري"(3/ 190 - 191).
والقولُ الثاني: رُوِيَ عن الشَّعْبيِّ أيضًا وابنِ إسحاقَ في "السِّيرَةِ" وغيرِهما؛ والأوَّلُ أصحُّ عن الشَّعْبيِّ.
روى ابنُ جريرٍ، عن داودَ، عن الشَّعبْيِّ؛ قال:"بلَغَنا أنَّ القرآنَ نزَلَ جملةً واحدةً إلى السماءِ الدُّنيا"(1).
وفي قوله تعالى: {هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} إشارةٌ إلى نزولِه إلى السماءِ الدُّنْيا فيها، وهذا محتمِلٌ أن يكونَ القرآنُ نزَلَ مجمَلاً إلى السماءِ الدُّنْيا في ليلةِ القدرِ، ونزَلَ أوَّلَ ما نزَلَ فيها أيضًا؛ فهدايةُ الناسِ وانتفاعُهم ببيِّناتِهِ، وكونُهُ فَيْصلًا وفُرْقانًا للحقِّ الملتبِسِ في عقولِهم عن الباطلِ، لا يكونُ إلَّا مع نزولِهِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الأرضِ.
ويؤيِّدُ هذا قولُهُ تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان: 3] فالإنذارُ المذكورُ في الآية: إمَّا وعدٌ بكونِهِ نذيرًا للناسِ عندَ نزولِه؛ كما في قولِهِ تعالى: {وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]؛ فيُحمَلُ على القولِ الثاني، وإمَّا إخبارٌ بأثَرِه في الناسِ عندَ نزولِه؛ فيُحمَلُ على القولِ الأوَّلِ.
ولا يختلِفُ القولُ الثاني عن القولِ الأوَّلِ؛ إذا قيلَ بأنَّ اللهَ أنزَلَهُ في ليلةِ القدرِ جملةً واحدةً، ثمَّ أنزَلَهُ فيها على نبيِّه صلى الله عليه وسلم:
فمَن قال بنزولِ القرآنِ إلى الأرضِ في ليلةِ القدرِ، لا يَنفي قولَ مَن قال: إنَّه نزَلَ جُمْلةً إلى السماءِ الدُّنيا، ولكنَّه يُثبِتُ معنًى زائدًا بعدَ الإنزالِ مجمَلًا.
ومَن قال: إنَّ المقصودَ إنزالُهُ جملةً في ليلةِ القدر، يسكُتُ ولا يَنفي نزولَهُ إلى الأرضِ في ليلةِ القدرِ؛ وهذا الذي يَظهَرُ مِن الأقوالِ المرويَّةِ
(1)"تفسير الطبري"(3/ 191).