الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تأكيدُ المواثيق:
وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّه يُشرَعُ التأكيدُ على المواثيقِ العظيمةِ، بالإقرارِ والتعاهُدِ؛ فاللهُ تعالى أخَذَ عليهم الميثاقَ، ثمَّ سُئِلُوا الإقرارَ به بعدُ، فأقَرُّوا؛ أيْ: إنَّ تعاهُدَ الميثاقِ العظيمِ بعدَ أَخْذِهِ مطلبٌ، وذلك بحسَبِ قوةِ الميثاقِ وأثرِ إبطالِهِ على الناسِ.
وميثاق الأعراضِ أعظَمُ مِن ميثاقِ النَّفْسِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21].
ثمَّ ذَكَرَ اللهُ مُخَالفتَهُمْ للأمرِ في قولِه: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ} ؛ أي: بعدَ كلِّ ما أُخِذَ عليكم، وأقَرَّ به مَنْ سبَقَكم، وشَهِدتُّمُوهُ في كتابِكم.
وفي الآيةِ: دليلٌ على حُرمةِ قتلِ النفسِ، ويأتي تفصيلُه - بإذنِ اللهِ - في هذه السورةِ.
عقوبةُ النفي:
وفيها: تحريمُ إخراجِ الإنسانِ مِن ديارِهِ وأرضِهِ وتغريبِهِ بغيرِ حقٍّ، والإخراجُ مِن البلدِ عقوبةٌ شرعيَّةٌ يجبُ ألَّا تَنْزِلَ إلا بسببٍ شرعيٍّ؛ قال تعالى:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33]، فجعَلَ اللهُ سببَ الإخراجِ مِن البلدِ: محاربةَ اللهِ ورسولِه، وإنزالُ العقوبةِ لمجرَّدِ مخالَفَةِ المحكومِ للحاكمِ في رأيِهِ - الذي لا يخرُجُ عن حدِّ النقلِ والعقلِ - غيرُ جائزٍ.
ولمَّا جعَلَ اللهُ النفيَ عقوبةً، دلَّ هذا على أنَّ بقاءَ الإنسانِ في بلدِهِ حقٌّ مشروعٌ له، يجب أنْ يُحْفَظَ ويُصانَ، ومِن واجباتِ وليِّ الأمرِ حِفظُهُ، وليس نَزْعَهُ؛ وهذا كما أنَّ قطعَ اليدِ في السرقةِ دليلٌ على أنَّ
بقاءَها بلا موجِبٍ للقطعِ واجبٌ يجبُ أنْ يُصانَ ويُحفَظَ.
وعقوبةُ الإخراجِ مِن الأرضِ والبلدِ عقوبةٌ شديدةٌ يُقِرُّ بقسوتِها جميعُ الشرائعِ، المؤمنةِ والكافرةِ؛ قال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 13]؛ فسمَّى اللهُ الإخراجَ مِن الأرضِ ظُلْمًا.
والإخراجُ مِن الأرضِ شُرِعَ لإبعادِ المنفيِّ مِن نشرِ فسادِه في بلدِه.
وينبغي للحاكمِ الذي يُرِيدُ إخراجَ أحدٍ مِن بلدِهِ: أنْ يَعرِفَ قدْرَ أثرِ الإخراجِ على صاحِبِه؛ فهو ظلمٌ شديدٌ، ولا ينبغي أنْ يَنْزِلَ إلا في حالِ العجزِ عن كفِّ الأذى والردعِ إلا به، ولا بُدَّ من معرفةِ قدرِ الفسادِ اللازمِ مِن إخراجِهِ عليه وعلى ذريَّتِهِ مِن بعدِه، ومقارنتِهِ بالسببِ الموجِبِ لإخراجِهِ، والحكمُ في ذلك لتقديرِ اللهِ في كتابِهِ وسُنَّةِ نبيِّه بنظرِ عالمٍ عارفٍ، لا بالهوَى والتشهِّي.
* * *
قال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100].
عَهِدَ اللهُ إلى أهلِ الكتابِ - وخاصَّةً اليهودَ؛ لشدةِ عنادِهم، وتلبيسِهم الحقَّ بالباطلِ - أنَّه إذا بُعِثَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم أنْ يُؤمِنوا به، وذكَرَ شيئًا مِن وصفِه في التوراةِ والإنجيلِ يَعرِفونَهُ به؛ قال تعالى:{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].