الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا المصلحةِ الخاصةِ به، وكلُّ ما للإنسانِ أنْ يفعَلَهُ أو يترُكَهُ، فهو حقٌّ له وليس واجبًا عليه.
وظاهرُ مذهبِ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ: أنَّ التعزيرَ واجبٌ على الإمامِ، وليس حقًّا له، ويرَوْنَ أنَّ له العفوَ ما قامَتِ المصلحةُ العامةُ (1).
وهذا تفرَّعُ عن كونِ وليِّ الأمرِ يُدرِكُ مصالحَ العامَّةِ، وأنَّه مِن أهلِ المعرفةِ والعدالةِ.
تعطيلُ الحاكمِ للحدودِ:
وفي حالِ تعطيلِ إقامةِ الحدِّ مِن فِبَلِ الحاكمِ: فهل يسوغُ قيامُ الأفرادِ باستيفاءِ الحدودِ مِن دونِه، في حالِ ظهورِ البيِّنةِ في الحدِّ والتعزيرِ واكتمالِ شروطِها، وكان تعطيلُ الحاكِمِ لها تعطيلًا لأصلِ الحكمِ بما أنزَلَ الله، وليس لأنَّ البيِّناتِ لم تتوافَرْ؟ :
وجوابُ هذا يُعرَفُ بموازنةِ المصلحةِ المتحقِّقةِ بالمَفْسَدةِ المترتِّبةِ، وهنا مفسدتانِ:
المفسدةُ الأُولى: تعطيلُ الحدودِ وإقامةِ حكمِ اللهِ:
وفي إقامةِ حكمِ اللهِ لدَيْنا أمرانِ: الحُكْمُ، والتحكيمُ:
الأولُ: الحكمُ به، وهذا منوطٌ بالحاكمِ الذي يُقِيمُها، وقد وجَّهَ اللهُ الخطابَ به إلى نبيِّه؛ لأنَّه خليفتُه في هذا الأمرِ؛ قال تعالى:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49]، وقال:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء. 105]، وقال:{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 48]، والحكمُ بشِرْعةِ اللهِ فريضةُ كلِّ الأنبياءِ؛ قال تعالى عن موسى ومَن تَبِعَهُ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا
(1) ينظر: "النتف" للسغدي (2/ 646)، و"المبسوط" للسَّرَخسي (9/ 65)، و"المدوَّنة"(4/ 488)، و"الذخيرة" للقرافي (12/ 120)، و"المغني" لابن قدامة (9/ 178).
هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ} [المائدة: 44]، وقال عن عيسى وقومِهِ:{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} [المائدة: 47]، وقال لداودَ:{يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].
ومَن وَليَ الأمرَ على أمَّةِ الإسلامِ، فهو خليفةٌ لرسولِ اللهِ، والأمرُ يتوجَّهُ إليه مِن بابِ أَولى، ويجبُ عليه تحكيمُ شِرْعةِ اللهِ، وتوجيهُ الخطابِ إلى الناسِ بالنزولِ على أمرِ اللهِ، ودَعْوَتُهم إلى ذلك، ويجبُ على الناسِ السمعُ والطاعةُ؛ قال تعالى:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51]، والحكمُ بما أنزَلَ الله عبادةٌ:{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [يوسف: 40].
وتشريعُ حُكْمٍ غيرِ حكم اللهِ موصوفٌ فاعلُهُ: بالكفرِ، والظلمِ، والفسقِ؛ قال تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47].
الثاني: التحكيمُ، ويكونُ من الناسِ للحاكمِ؛ فيتقدَّمونَ بطلبِ حقِّهم، وطَلَبُهم حكمَ اللهِ واجب إن لم يَنزِلُوا إلى العفوِ والصلحِ بما لا يُخالِف نصًّا، وتحكيمُ شريعةِ اللهِ واجبٌ في جميعِ الشرائع؛ قال تعالى:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213]، وقال:{إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ [ص: 22] ، وقال تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} [المائدة: 43]، وقال:{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 42].