الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيها، فالضَّرَرُ عليه لا عليها، وبِطَلَبِها تُسقِطُ حقَّها في المُتْعةِ.
* * *
قال تعالى: {إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 246]، وقال:{وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [البقرة: 246].
في الآيةِ: ذِكْرٌ لشريعةِ الجهادِ وقِدَمِها في بني إسرائيلَ، وأنَّ اللهَ كتَبَها على أنبياءَ وأُمَمِ قبلَ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، واللهُ لم يُوجِبْ على كلِّ نبيٍّ جهادَ الطَّلَبِ، ولكنَّه أَوْجَبَ جهادَ الدَّفْعِ على كلِّ أُمِّةٍ، بل لو لم يَنزِلْ به نقلٌ، لوجَبَ بالعقلِ؛ فلا يُسلمُ الإنسانُ عِرْضَهُ ودَمَهُ ومالَهُ لِمَنْ أرادَهُ؛ وهذا لا يَصِحُّ مِن حيوانٍ بَهِيمْ، فضلًا عن إنسانٍ كريْم.
وقِيلَ: إنَّ النبيَّ المذكورَ في الآيةِ شمويلُ بنُ بالي بنِ عَلْقمةَ؛ قاله وَهْبُ بنُ منبِّهٍ (1).
وقيل: شَمْعُونُ؛ قاله مجاهدٌ والسُّدِّيُّ وغيرُهما (2).
وقال قتادةُ: هو يُوشَعُ بنُ نُونٍ (3).
وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى كثرةِ الأنبياءِ مِن بعدِ موسى وقبلَ عيسى، وكانت الأنبياءُ بينَهما تجدِّدُ ما في التوراةِ ممَّا أَمَاتَهُ الناسُ ونَسُوهُ وحَرَّفُوهُ، حتى جاءَ عيسى فغَيَّرَ اللهُ له مِن شِرْعةِ موسى أحكامًا؛ كما في قولِه:{وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50].
حكمُ القتالِ، والحكمةُ منه:
وفي الآيةِ: وجوبُ القتالِ في سبيلِ اللهِ جماعةً، وألَّا يتفرَّقَ الناسُ
(1)"تفسير الطبري"(4/ 435 - 436).
(2)
"تفسير الطبري"(4/ 436).
(3)
"تفسير الطبري"(4/ 437).
مع إمكانِهِمْ إلى الجمعِ، وقد طلَبَ الملأُ مِن بني إسرائيلَ مِن نبيِّهم مَلِكًا - أيْ: خليفةً وأميرًا - يأتَمِرُونَ بأمرِه، ويَجْتمِعونَ عليه، وكان في بني إسرائيلَ ملوكٌ، والملوكُ تأتمِرُ بأمرِ الأنبياءِ، وقد كان في زمانِهم جَبَابِرةٌ وعَمَالِقةٌ يتسلَّطونَ عليهم بإخراجِهِمْ مِن ديارِهِمْ وأبنائِهِمْ وأموالِهِمْ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ والسدِّيُّ وغيرُهما (1).
وفي الآيةِ: رحمةُ النبيِّ بأُمَّتِهِ أنْ خَشِيَ إنْ كُتِبَ عليهِمُ القتالُ ألَّا يُقاتِلوا فيأثَمُوا، وهم في سَعَةٍ قبلَ فَرْضِهِ عليهِم؛ وذلك لِمَا عَلِمَهُ مِن سابقِ حالِهِمْ مِن تفريطٍ وعدمِ وفاءٍ، وفي هذا ألا يقدِّمَ الأميرُ للقتالِ إلا أهلَ العزمِ والشِّدَّةِ والثَّبَاتِ؛ حتى لا يُخذَلَ المسلِمونَ، وإنْ أخرَجَهُمْ إلى الجهادِ لِطَلَبِهم أو لأَمْنِ مَكْرِهم؛ ألَّا يَخْلُفُوهُ في بلدِهِ بِسُوءٍ، فلا يَجْعَلْهم محلَّ اعتمادِهِ فيَنفرِدُوا بحمايةِ ثَغْرٍ، فيتسلَّلَ عدوٌّ مِن جِهَتِهِم.
وقد كان المنافِقونَ يخرُجُونَ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يَعْلَمُهم؛ تأليفًا لهم، أو طمَعًا في مَغْنَمٍ، وأَمْنًا مِن أنْ يَخْلُفُوهُ بشرٍّ، وإذا دخَلَتِ الدُّنيا في قلبِ المجاهِدينَ، وقَعَ التنازُعُ في صورةِ الانتصارِ للحقِّ، ونزَلَ الافتراقُ وتَبِعَهُ الفَشَلُ، وكلَّما كانَ الإنسانُ أقربَ إلى الآخرةِ، فالقليلُ مِن الدُّنيا ثَقيلٌ عليه، فالمقاتِلُ أقرَبُ للموتِ مِن المسالِمِ، فوجَبَ عليه أن يدَعَ الدُّنيا وطَمَعَ النفسِ؛ حتى لا يُفسِدَ عليه ذلك جهادَهُ وجهادَ الأُمَّةِ، وإذا وقَعَ في الأُمَّةِ فشلٌ، فلْيُفتَّشْ عن طمعِ الدُّنيا؛ فإنَّ المجاهِدِينَ يُهْزَمُونَ بسببِ أطماعِ القلوبِ، وخفايا الذنوبِ؛ ففي أُحُدٍ قال ابنُ مسعودٍ:"لَوْ حَلفْتُ يَوْمَ أُحُدٍ، رَجَوْتُ أنْ أَبرَّ: إِنَّهُ ليسَ أَحدٌ مِنَّا يُرِيدُ الدُّنيا، حتى أَنزَلَ اللهُ عز وجل: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} "[آل عمران: 152]؛ أخرَجَهُ أحمدُ
(1)"تفسير الطبري"(4/ 440 - 441).