الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأمَّا المطلَّقةُ قبلَ الدخولِ، فهي المبيَّنةُ هنا في هذه الآيةِ.
وقولُهُ تعالى: {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} ؛ المَسُّ هنا: الوَطْءُ والنِّكَاحُ؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وطاوسٌ والنَّخَعيُّ والحسَنُ البصريُّ (1).
وقولُه: {تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا} فيه إشارةٌ إلى أنَّ فرضَ المهرِ ابتداءً يكونُ مِن قِبَلِ الزوجِ؛ حيثُ جعَلَ المسَّ والفرضَ مِن الزوجِ، يبادِرُ بهما، لا تبادِرُ بهما المرأةُ، فكأنَّ في الآيةِ تيسيرًا على الأزواجِ أَنْ تَترُكَ الزوجةُ والأولياءُ فرضَ المهرِ للزوجِ فلا يشقُّ عليه، فيأتي مِن وُسْعِهِ وقُدْرَتِه، فلا يُفرَضُ عليه؛ وإنَّما يُترَكُ الفرضُ له ابتداءً، ولهم بعدَ ذلك القبولُ أو الرفضُ.
والمرادُ بالآيةِ الطلاقُ قبلَ الدخولِ بها، وعبَّر عن الدخولِ بالمَسِّ؛ لأنَّ الرجلَ يخلُو بامرأتِهِ لِيَمَسَّها، ومَن دخَلَ بامرأتِهِ ولم يُجامِعْها فالحكمُ في ذلك واحدٌ، وحكمُ المدخولِ بها لا يُفرَّقُ فيه بينَ المَسِّ وغيرِه، والآيةُ جرَتْ مجرى الغالبِ.
أحوالُ المطلَّقةِ قبلَ الدخولِ ومهرِها:
والمطلَّقةُ قبلَ الدخولِ بها لا تخلُو مِن حالتَيْنِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يكونَ ضرَبَ لها مهرًا محدَّدًا وفرَضَهُ لها؛ فهذه لها نِصْفُ المَهْرِ، ويعودُ لزوجِها النِّصْفُ الآخَرُ؛ وذلك للآيةِ التاليةِ:{وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237].
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يكونَ الزوجُ لم يَفرِضْ لها مهرًا، ولم يَضرِبْ لها قدرًا محدَّدًا، فحقُّها على زَوْجِها المتاعُ بالمعروفِ.
(1)"تفسير ابن أبي حاتم"(2/ 442).
وهذا التشريعُ للمطلَّقةِ غيرِ المدخولِ بها؛ جبرًا لحقِّ المرأةِ، فلا يُكسَرُ خاطِرُها، وحِفْظًا لِكَرَامتِها، وصونًا لها من أن تُبتذَلَ عندَ الرجالِ، فيتساهَلَ الرجالُ في الخِطْبةِ والعقدِ، والتركِ بلا دخولٍ.
وحتَّى لا يفوتَ حقُّ المرأةِ بالنفقةِ عليها بلا زوجٍ؛ لانتظارِها الرجلَ الذي عقَدَ عليها.
وفي الآيةِ: نوعُ تأديبٍ للمطلِّقِ؛ فهو وإن لم يرتكِبْ إثمًا أو وِزْرًا، فإنَّه ربَّما كسَرَ نفسَ الزَّوْجةِ، وزهَّد فيها غيرَهُ، والآيةُ قرينةٌ على التعويضِ عنِ الضررِ المعنويِّ؛ وهو محلُّ خلافٍ عندَ العلماءِ.
ولم يضيِّقِ اللهُ على الزوجِ الذي لم يَضرِبْ مهرًا لزوجتِهِ، فطَلَّقَها قبلَ الدخولِ بها، فجعَلَ حقَّها عليه المتاعَ حسَبَ ما يستطيعُ؛ فقال تعالى:{وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} .
لأنَّ مَن لم يَضرِبْ مهرًا يُحتمَلُ يسارُهُ، ويُحتمَلُ عُسْرُهُ، فجعَلَ اللهُ الأمرَ بما لا يَضُرُّهُ، ولا يفوِّتُ حقَّ الزوجةِ.
وأمَّا مَن ضرَبَ مهرًا، فهو لم يَضرِبِ المهرَ إلَّا وهو قادرٌ على تسليمِه، فجعَلَ اللهُ لغيرِ المدخولِ بها نِصْفَ المهرِ.
والمتاعُ المذكورُ في الآيةِ يختلِفُ بحَسَبِ العُرْفِ، وحسَبِ قُدْرَةِ الزوجِ وسَعَتِهِ؛ روى عِكْرِمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال:"مُتْعةُ الطلاقِ أعلاهُ الخادِمُ، ودُونَ ذلك الوَرِقُ، ودونَ ذلك الكِسْوةُ"(1).
وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنه، قال:"إنْ كان موسِرًا مَتَّعَهَا بخادمٍ أو نحوِ ذلك، وإنْ كان مُعسِرًا أمتَعَها بثلاثةِ أثوابٍ"(2).
(1)"تفسير الطبري"(4/ 290).
(2)
"تفسير الطبري"(4/ 290)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(2/ 442).