الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ)، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ! وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَحِيمًا رَقِيقًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ:(مَا شَأْنُكَ؟ ! )، قَالَ: إنِّي مُسْلِمٌ؛ قَالَ: (لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ، أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ! ) ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ! فَأَتَاهُ، فَقَالَ:(مَا شَأْنُكَ؟ ! )، قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، وَظَمْآنُ فَاسْقِنِي، قَالَ:(هَذِهِ حَاجَتُكَ)؛ فَفُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ.
قَالَ: وَأُسِرَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأُصِيبَتِ الْعَضْبَاءُ، فَكَانَتِ المَرْأَةُ فِي الْوَثَاقِ، وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بُيُوتِهِمْ، فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الوَثَاقِ، فَأَتَتِ الإِبِلَ، فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا، فَتَتْرُكُهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ، فَلَمْ تَرْغُ، قَالَ: وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ، فَقَعَدَتْ فِي عَجُزِهَا، ثُمَّ زَجَرَتْهَا، فَانْطَلَقَتْ، وَنَذِرُوا بِهَا، فَطَلَبُوهَا، فَأَعْجَزَتْهُمْ، قَالَ: وَنَذَرَتُ للهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ المَدِينَةَ، رَآهَا النَّاسُ، فَقَالُوا: الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا، لَتَنْحَرنَّهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ؛ فَقَالَ:(سُبْحَانَ اللهِ! بِئْسَمَا جَزَتْهَا؛ نَذَرَتْ للهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا، لَتَنْحَرَنَّهَا؟ ! لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ)(1).
وأهلُ الذِّمَّةِ لا يجوزُ أخذُهُمْ بجريرةِ غيرِهم مِن الكفارِ، ولو كانوا على دِينٍ واحدٍ، ما لم يواطَؤُوا مع أهلِ الحربِ، فيُؤاخَذونَ بذلك، وإذا كان يُؤاخَذُ المنافقُ الجاسوس، فالذميُّ مِن بابِ أَولى، وهذا بالاتِّفاقِ.
لا يُؤاخذُ المسلمُ بجريرة قومِهِ:
وأمَّا المسلمُ في وَسَطِ المسلِمينَ، فلا يُؤاخَذ بجريرةِ غيرِه مِن قبيلتِهِ وعشيرتِه؛ كلُّ امرئٍ بما كسَبَ رهينٌ.
(1) أخرجه مسلم (1641)(3/ 1262).
ففي "المسندِ"؛ مِن حديثِ أبي النضرِ، عن رجلٍ كان قديمًا مِن بني تَمِيمٍ: كَانَ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ رَجُلٌ يُخْبِرُ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ لَقِيَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يا رَسُول اللهِ، اكْتُبْ لِي كِتَابًا، أَلَّا أُؤَاخَذَ بِجَرِيرَةِ غَيْرِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:(إنَّ ذَلِكَ لَكَ، وَلِكُلِّ مُسْلِمٍ)(1).
وفي إسنادِه إبهامٌ، وله شواهدُ كَثيرةٌ؛ مِن حديثِ أبي رِمْثَةَ، عندَ أحمدَ بلفظِ:(أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ)(2).
ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ عندَ البَزَّارِ (3).
ورُوِيَ عن عمرِو بنِ الأحوصِ بلفظِ: (لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ؛ لَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ)(4)؛ أخرَجَه أحمدُ أيضًا.
ورُوِيَ عن طارقٍ المُحَارِبيِّ، عندَ النسائيِّ وابنِ ماجهْ؛ وعن الأعمشِ، عن مسروقٍ، مرسلًا؛ رواهُ النسائيُّ بلفظِ:(لَا يُؤخَذُ الرَّجُلُ بِجَريرَةِ أَبِيهِ، ولا بِجَريرَةِ أَخِيهِ)(5).
ومعناهُ مستقِرٌّ مستفيضٌ.
* * *
قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115].
ذكَرَ اللهُ مشرِقَ الشمسِ ومغرِبَها؛ لأنَّه بذلك تُعرَفُ القِبْلةُ غالبًا، ورُبَّما عُرِفَتْ بمشرِقِ القمرِ ومغربِه، فالشرقُ والغربُ جهتانِ يُعرَفُ بهما
(1) أخرجه أحمد (15937)(3/ 479).
(2)
أخرجه أحمد (7106)(2/ 226).
(3)
أخرجه البزار (1959)(5/ 334).
(4)
أخرجه أحمد (16064)(3/ 498).
(5)
أخرجه النسائي (4128)(7/ 127)، وابن ماجه (2670)(2/ 890).