الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعِلَّةُ تحريمِ الرِّبَا: أنَّه أَخْذُ المالِ بِلا حَقٍّ، وفيه استغلالُ ضَعْفِ الفقيرِ وحاجةِ المحتاجِ؛ فهو لم يأخُذْهُ مختارًا؛ وإنَّما مضطَرًّا.
وفي المنعِ مِن الرِّبا: وَأْدٌ لِشَرَهِ الأغنياءِ، وكَسْرٌ لطغيانِ الكُبَراءِ، ومنعٌ لزيادةِ فقرِ الفقيرِ لِيَزدادَ غِنَى الغنيِّ.
وأمَّا المَيْسِرُ، فهو: أكلُ أموالِ الناسِ بالباطلِ؛ للجَهَالةِ فيه، فلا يُعرَفُ آخِذُ المالِ، وربَّما لا يُعرَفُ عينُ المالِ ومِقْدارُهُ.
الفرقُ بينَ الربا والميسِرِ:
ويَختلِفُ الميسِرُ عنِ الرِّبَا: أنَّ الرِّبَا معلومُ المقدارِ وآخِذِ المالِ، ولكنَّه أخِذَ بلا حقٍّ، وأمَّا المَيسِرُ فلا يُعرَفُ آخِذُ المالِ، وقد لا يُعرَفُ مِقدارُهُ، ويُؤخَذُ بلا حقٍّ.
والغالِبُ في الميسرِ: أنَّ المتعامِلَ يفعلُهُ مختارًا بلا حاجةٍ، ويكونُ بين الأغنياءِ غالبًا، وأمَّا الرِّبَا: فيكونُ بين غنيٍّ وفقيرٍ أو محتاجٍ؛ ولذا عَظُمَ أمرُهُ مِن هذا الوجهِ.
الرضا بالرِّبَا والميسِرِ:
ولا أثَرَ للتراضِي بين الأطرافِ في ثبوتِ الحُكْمِ وعدَمِه؛ لأنَّ الرِّبا لم يَرْضَهُ المحتاجُ إلَّا لحاجَتِهِ؛ فهو يَرضى ظاهرًا لا باطنًا؛ ليَقضِيَ حاجتَهُ، وكذلك المتعامِلونَ بالمَيْسِرِ؛ لا أثَرَ لرِضَاهُم في ثبوتِ مَفاسدِه، فهم يَرضَوْنَ ابتداءً، ويتنازعونَ عندَ غلَبةِ أحَدِهم، وإن لم يُوجَدِ النِّزاعُ والاعتراضُ ظاهرًا، فهو موجودٌ باطنًا، فتقَعُ العداوةُ؛ فالشريعةُ جاءَتْ بمُعالَجةِ الظواهرِ والبواطنِ وتطهيرِها.
ثمَّ إنَّ المالَ الذي يُؤخَذُ بالمغالَبةِ الذِّهنيَّةِ بينَ طرفَيْنِ - أو البدَنيَّةِ، أو بالحظِّ والجَهَالةِ - يحصُلُ فيه منافَسةٌ وترقُّبٌ للفوزِ، فالنفسُ الخاسرةُ تحزَنُ وتتألَّمُ، وتُبغِضُ وتَكرَهُ، فتحسُدُ وتَحقِدُ، بخلافِ المالِ الذي يُؤخَذُ
بلا مغالَبةٍ كالهَدِيَّةِ؛ فالإنسانُ يُعطيها أَحَدًا، ولا يترقَّبُ شيئًا، ولا تتشوَّفُ نفسُهُ إلَّا إلى المودَّةِ؛ ولهذا جاز للإنسانِ أن يُهدِيَ ألفَ دينارٍ، ولا يجوزُ أن يُقامِرَ على دِرْهَمٍ.
ويعلِّلُ العلماءُ التحريمَ: بعَدَمِ وجودِ عَيْنِ عِوَضٍ ومُعامَلةٍ ومستحِقٍّ للمالِ، وهذه جَهَالةٌ، وهذا تعليلٌ صحيحٌ؛ لأنَّ وجودَ هذه الجهالةِ هو سببُ وجودِ المغالَبةِ النفسيَّةِ، وتُوجِدُ البغضاءَ في النفوسِ؛ لأنَّ النفسَ ترى أنَّها أَوْلى مِن غيرِها، بِخلافِه في البيعِ فيتفرَّقُ المتبايِعانِ، وكلٌّ فَرِحٌ بما لدَيْهِ؛ البائِعُ فَرِحٌ بما باع، والمشتري فَرِحٌ بما اشتَرى؛ لأنَّ البيعَ لا جَهَالةَ فيه تُوجِدُ المغالَبةَ، وهناك حقٌّ متبادَلٌ يُطفِئُ نارَ الغَبْنِ والحِقْدِ.
ويعظُمُ المَيسِرُ بعِظَمِ المالِ المأخوذِ؛ لأنَّه بعِظَمِهِ تعظُمُ البغضاءُ والعَدَاوةُ، وكذلك بِعِظَمِ المأخوذِ رِبًا يعظُمُ الرِّبا؛ لعِظَمِ الضَّرَرِ الواقعِ على الفقيرِ والمحتاجِ.
ويدخُلُ في حُكْمِ المَيْسِرِ وفي معناهُ: كلُّ جَهَالةٍ في البيوعِ؛ كالمنابَذةِ والمزابَنةِ والملامَسةِ وبَيْعِ الحَصَاةِ، ولكنَّ الميسِرَ غلَبَ مصطلَحًا على صورةٍ من أنواعِ الجَهَالةِ.
والقِمَار لا تقيَّدُ صورتُهُ بعمَلٍ أو آلةٍ معيَّنةٍ، فلا يَنْزِلُ القِمارُ إلَّا عليها؛ فهو نازِلٌ على القولِ والعملِ، صغيرًا أو جليلًا؛ فعن ابنِ سِيرينَ؛ قال:"كلُّ لَعِبٍ فيه قِمَارٌ مِن شُرْبٍ أو صِيَاحٍ أو قيامٍ، فهو مِنَ الميسِرِ"(1).
فما كان مِن رميِ القِدَاحِ أو الجَوْزِ أو الحَصَى أو المكعَّباتِ أو الألعابِ الإلكترونيَّةِ الحديثةِ أو الورَقيَّةِ، فهي داخِلةٌ في ذلك.
والميسِرُ والقِمَارُ يَتَّفِقُ في صورتِهِ، ولكنَّه يختلِفُ في آلتِهِ مِن زمَنٍ
(1)"تفسير الطبري"(3/ 672).