الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فعلى هذا يُقبَلُ منه عمَلُهُ حالَ الرِّدَّةِ وهو مشرِكٌ مما يُخلِصُهُ للهِ، ولا يُقبَلُ عمَلُه حالَ إسلامِهِ قلَ الرِّدَّةِ؛ وهذا بعيدٌ.
أحوالُ أهلِ الميزانِ في الآخرة:
ولا يُحبِطُ العملَ كلَّه إلَّا الشِّرْكُ باللهِ، والكافرُ ليس له كِفَّةٌ في المِيزَانِ إلَّا واحدةٌ، وأهلُ الميزانِ على ثلاثِ أحوالٍ:
الحالةُ الأُولى: مَن يُوزَنُ له عمَلُهُ بكِفَّتَيْنِ، كِفَّةِ الحسَنَاتِ، وكِفَّةِ السيِّئاتِ؛ وهُم عمومُ أهلِ الإيمانِ؛ لأنَّه لا يخلُو أحدٌ مِن ذنبٍ، إلَّا ما شاءَ اللهُ.
ووَزْنُهم لِيَعْرِفُوا هم ما لهم وما عليهم، وتقومَ عليهمُ الحُجَّةُ، فلا يُجادِلوا ربَّهم؛ فاللهُ جعَلَ عَلَى العبادِ رقيبًا وعتيدًا يُحصِي عليهم أعمالَهُمْ؛ لِيَرَوْها ويَذكُروها إذا نَسُوها، فاللهُ لا يُحصي لِيَعلَمَ ما لم يكنْ يعلمُهُ، بل يُحصي لِيَعلَمَ العبادُ، وتُقطَعَ الحُجَجُ عنهم؛ فجعَلَ عليهم شهودًا مِن الملائكةِ ومِن الناسِ ومِن أنفُسِهم.
الحالةُ الثَّانيةُ: مَنْ لا يُوزَنُ له إلَّا عمَلُهُ السيِّئُ، وهم المشرِكونَ؛ لأنَّه لا يَبقى مِن عمَلِهِمُ الصالحِ في الدنيا شيءٌ؛ لأنَّهم أحبَطُوهُ بالشِّرْكِ، وعُجِّلَ لهم الجزاءُ به في الدنيا:{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف: 20].
وتُوزَنُ سيِّئاتُهم؛ لأنَّ الكفرَ يَتبايَنُ كما يَتبابَنُ الإيمانُ؛ يَزِيدُ وينقُصُ؛ قال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37]، فالكُفْرُ يَزِيدُ وينقُصُ كما يزيدُ الإيمانُ وينقُصُ، ولكنَّ الكفرَ الأكبرَ يخلِّدُ صاحبَهُ في النَّارِ، ويُعذَّبُ الكفَّارُ بحسَبِ كُفْرِهم، كما ينعَّمُ المؤمِنونَ بحسَبِ إيمانِهم.
الحالةُ الثَّالثةُ: مَنْ ليس له إلَّا كِفَّةٌ واحدةٌ، وهي كِفَّةُ الحسَنَاتِ،
وهم مَن غفَرَ لهم اللهُ كلَّ ذنبٍ، ما تقدَّم وما تأخَّر؛ كالنبيِّ صلى الله عليه وسلم:{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2].
ويَلحَقُ بهذه الحالةِ الشهيدُ الذي لا حقوقَ للآدَميِّينَ عليه، ويدخُلُ أيضًا في هذا السبعونَ ألفًا الذينَ لا حِسابَ عليهم ولا عذابَ.
والحَسَناتُ تُذهِبُ السيِّئاتِ بلا خلافٍ، والسيِّئاتُ تُذهِبُ الحَسَناتِ عَلَى الأرجَحِ، والإذهابُ يكونُ بمقدارِ السيِّئةِ وعِظَمِها ومقدارِ الحَسَنةِ؛ فلا يُذهِبُ اللهُ حَسَنةً عظيمةً بسيِّئةٍ مِنَ المحقَّراتِ أوِ الصغائرِ، وقد تتكاثَرُ المحقَّراتُ حتَّى تعاظَمَ فتثقُلَ فتُذهِبَ الحَسَنةَ العظيمةَ.
* * *
وهذا مِن أسئلةِ الصحابةِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهي نحوُ ثلاثةَ عشَرَ سؤالًا، وهذا المذكورُ في القرآنِ، والأسئلةُ كثيرةٌ، والسُّنَّةُ مليئةٌ بذلِك.
وأخرَجَ الدارِمِيُّ، وأبو يَعْلَى، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال:"ما رأيتُ قومًا كانوا خيرًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ ما سَأَلُوهُ إلَّا عن ثلاثَ عَشْرةَ مسألةً حتَّى قُبِضَ؛ كُلُّهُنَّ في القرآنِ"(1).
وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عن كثرةِ السؤالِ؛ خشيةَ أن يَنزِلَ تحريمٌ، فيَشُقَّ ذلك على الناسِ؛ ولذا كانوا يُحِبُّون أنْ يأتِيَ الرجلُ مِن الأعرابِ أو مِن الغُرَباءِ، فيسألوا النبيَّ عن شيءٍ مِن الدِّينِ فيستفيدوا، ويأمَنوا مِن الحرَجِ الذي لا يُرِيدُهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليهم؛ رحمةً بهم وشَفَقةً بالمؤمنينَ مِن
(1) أخرجه الدارمي في "سننه"(127).