الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سبيلِ اللهِ زَمَنَ ضعفِ المسلِمِينَ وعدَمِ قُوَّتِهم؛ فإغفالُ أحكامِهِ وإخفاؤُها بِحُجَّةِ عدمِ مناسبةِ وقتِهِ خطأٌ؛ لأنَّ حِفْظَ الدِّينِ وتقريرَهُ شيءٌ، وتَرْكَ العملِ به شيءٌ؛ فإنَّ الناسَ إذا تَرَكُوا بعضَ الدِّينِ للعجزِ عن إقامتِهِ لِضَعْفِهم، توارَثَ أجيالٌ التَّرْكَ، ثمَّ ظنُّوهُ عدَمًا، وعدمُ العملِ بالعِلْمِ ينبغي ألَّا يضيِّعَ العِلمَ نفسَهُ.
أحوالُ حجِّ العربِ في الجاهليَّة:
وكانتِ العربُ في الجاهليَّةِ - ومنهمُ الأنصارُ في المدينةِ - إذا أحرَمُوا للحجِّ والعُمْرةِ عاقدِينَ لها مِن بيوتِهم، لم يُجِيزُوا لأنفسِهِمْ دخولَ البيوتِ مِن الأبوابِ، ويَرَوْنَ ذلك مِن المحظوراتِ عليهم، وكذلك الاستظلالُ تحتَ أَسْقُفِ بيوتِهم، وكانوا يشدِّدونَ على أنفسِهم في ذلك، فإذا احتاجُوا إلى بيوتِهم، دخَلُوها مِن الأسوارِ ومِن ظهورِها، وربَّما دخَلُوها مِن غيرِ أبوابِها كالنوافذِ ونحوِها.
روى ابنُ جريرٍ، عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ في قولِ اللهِ - تعالى ذِكْرُهُ -:{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} ؛ يقولُ: "ليس البِرُّ بأنْ تأتُوا البيوتَ مِن كُوَّاتٍ في ظهورِ البيوتِ، وأبوابٍ في جُنُوبِها، تجعلُها أهلُ الجاهليَّةِ، فنُهُوا أن يدخُلُوا منها، وأُمِرُوا أن يدخُلُوا مِن أبوابِها"(1).
وروى نحوَهُ عبدُ الرزَّاقِ (2)، وعنه ابنُ جريرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْريِّ (3).
ورواه ابنُ جريرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي جَعْفرٍ، عن أبيهِ، عن الربيعِ (4).
(1)"تفسير الطبري"(3/ 285).
(2)
في "تفسيره"(1/ 72 - 73).
(3)
"تفسير الطبري"(3/ 286).
(4)
"تفسير الطبري"(3/ 288).
وأمَّا سُكَّانُ مكَّةَ والذين يَسكُنونَ حَرَمَها الذين يُسمُّونَ أنفُسَهم "الحُمْسَ" جمع أَحْمَسَ، فلم يكونُوا يَفْعَلونَ ذلك، وهم قُرَيْشٌ وثَقِيفٌ، وخُزَاعةُ وكِنَانةُ، وجُشَمُ ومُدلِجٌ، وبنو نَصْرِ بنِ مُعاوِيةَ، وعَدْوانُ وعَضَلٌ، وبنو الحارثِ بنِ عبدِ مَنَافٍ.
وقد تحمَّسَ بنو عامرِ بنِ صَعْصَعةَ، وهم كِلَابٌ وكَعْبٌ وعامرٌ وكَلْبٌ، وليسوا مِن ساكِني الحَرَمِ، فجَعَلوا أنفُسَهم في حُكْمِ سُكَّانِ مكَّةَ؛ لأنَّ أُمَّهم قُرشيَّةٌ، وهي مَجْدُ بنتُ تَيْمِ بنِ غالِبِ بنِ فِهْرٍ.
وقد ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ البَرَاءِ بن عازبٍ رضي الله عنه؛ قال: "كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاؤُوا، لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، وَلَكِنْ مِن ظُهُورِهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ"(1).
وقد نَفَى اللهُ ما يتوهَّمونَهُ من البِرِّ بتركِ أبوابِ البيوتِ، والدخولِ مِن ظهورِها، وبيَّن أنَّ البِرَّ الحقيقيَّ هو تقوى اللهِ على وجهِ الحقيقةِ، {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} ، وتقوى اللهِ أنْ يَبتعِدَ العبدُ عن أسبابِ عذابِ اللهِ وسَخَطِه؛ وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ العِبْرةَ بالموافَقَةِ لهديِ اللهِ ورسولِه، وليس لمجرَّدِ صدقِ الإنسانِ في احتِسَابِه.
وتقديمُهُ للتقوى على دخولِ البيوتِ من الأبوابِ؛ لأنَّ دخولَ البيوتِ مِن الأبوابِ ومِن ظهورِها ليس دِينًا ولا بِرًّا؛ وإنَّما البِرُّ هو ما أمَرَ اللهُ به ووَجَّهَ إليه، فيُتَّقَى اللهُ به، وأنَّ اعتقادَ أنَّ دخولَ البيوتِ مِن ظهورِها دِينٌ وبِرٌّ جعَلَ الدخولَ مِن الأبوابِ من البِرِّ؛ لمخالَفةِ البِدْعةِ في الدِّينِ، وفي هذا دليلٌ على أنَّ إظهارَ العاداتِ التي تُخالِفُ ما يتوهَّمُهُ الناسُ دِينًا مِن البِرِّ، وهو وإن كان في ذاتِهِ عادةً إلَّا أنَّه يُظهِرُ مخالَفَةَ الإحداثِ.
(1) أخرجه البخاري (1803)(3/ 8)، ومسلم (3026)(4/ 2319).