الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والعَضْلُ مشتقٌّ مِنْ عَضَلَ؛ أيْ: شَدَّ وضَيَّقَ، ومنه يُقالُ: مَرَضٌ عُضَالٌ؛ أيْ: شديدٌ.
وقيَّد اللهُ الرجوعَ بالتراضِي بينَهم بالمعروفِ، أنْ يَرجِعُوا بحُسْنِ قصدٍ، بالقيامِ بالمعروفِ، وإصلاحِ الخَلَلِ السابقِ، وتبييتُ النِّيَّةِ الصالحةِ بابٌ لعملِ الخيرِ وقصدِه.
رهَّبَ اللهُ بكتابِهِ، ورغَّب وخَصَّ بذلك مَن يُؤمِنُ باللهِ وغَيْبِهِ، وجزائِهِ وثوابِهِ وعِقَابِه؛ لأنَّه لا يخافُ اللهَ إلَّا مَن عرَفَهُ، وفي الآيةِ تنبيهٌ إلى أنَّه مَن لم يَخَفْ مِن مواعظِ اللهِ، فهذا أَمَارةٌ على ضَعفِ إيمانِهِ باللهِ وبلِقَائِه.
الزكاءُ والطهارةُ بالتزويجِ:
ثُمَّ بيَّنَ أنَّه يأمُرُ عبادَهُ بما فيه زَكَاؤُهُم؛ فقولُه: {أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} شاملٌ للزوجَيْنِ وللأولياءِ وللناسِ عامَّةً، وكلَّما قَرُبَ الإنسانُ مِن الخطابِ واختَصَّ به، شَمِلَهُ المعنى؛ فهو أزكى للزوجَيْنِ مِن أن يُفْتَنا، وأطهَرُ لهما مِنْ أنْ يقَعَا في حرامٍ حالَ خلوِّهِما مِن نكاحٍ حلالٍ، وأطهَرُ لوليِّها أنْ يتسبَّبَ في إثمِهِما، وأطهَرُ لغيرِهِما مِن الناسِ أنْ تُفتَنَ المرأةُ برجلٍ أجنبيٍّ، أو يُفتَنَ الرجلُ بامرأةٍ أجنبيَّةٍ عنه؛ ففي الامتناعِ عنِ النكاحِ المشروعِ ذريعةٌ للممنوعِ، واللهُ لم يفتَحْ بابًا مِن الحلالِ إلَّا ليُغلِقَ أبوابًا مِن الحرامِ، وإذا وقَعَ الناسُ في حرامٍ، فلأنَّ الحلالَ سدَّ أو ضُيِّقَ.
وهذا نظيرُ ما يُروى عنه صلى الله عليه وسلم: (إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَزَوِّجُوهُ؛ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)(1)،
(1) أخرجه الترمذي (1084)(3/ 386)، وابن ماجه (1967)(1/ 632).
فجعَلَ امتناعَ الوليِّ عن إنكاحِ الزوجَيْنِ فتنةً عريضةً لغيرِهِما، فألحقَها بالأرضِ، ووصفَها بالعريضةِ، فلا يقَعُ الزِّنى إلَّا لتعطيلِ حقِّ الزوجةِ بالإنكاحِ أو الإمساكِ بالمعروفِ، وحُسْنِ المَعشَرِ، والعدلِ في القَسْمِ، ولتعطيلِ الرجلِ مِن حقِّ النكاح أو التعدُّدِ، ويأتي بعد ذلك تجاوزُ المحرَّماتِ؛ كإطلاقِ البصَرِ، والخَلْوةِ، وغيرِهما.
ولأنَّ هذه المعانِيَ دقيقةٌ، وإدراكَها صعبٌ إلَّا على القِلَّةِ مِن أهلِ العقلِ، أضمَرَها ولم يَذْكُرْها؛ لأنَّ ما لا تعي العقولُ عِلَّتَهُ يُترَكُ للتسليمِ به؛ حتَّى لا يُكفَرَ به.
وهناكَ حِكْمةٌ أُخرى أيضًا في عدمِ ذِكْرِ أنواعِ فِتَنِ الفسادِ عندَ عدمِ إنكاحِ الوليِّ لابنتِهِ مِن رجلٍ صالحِ الدِّينِ والخُلُقِ، أو تمكينِ زوجَيْنِ مِن العودةِ بعد انفصالٍ؛ وذلك حتَّى لا يَشُكَّ الوليُّ في مَوْلِيَّتِه، فيَتَّهِمَها لاتهامِ الشارعِ لها، فتفسُدَ البيوتُ بالظُّنُونِ؛ ولذا قال تعالى:{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]؛ أيْ: ثَمَّةَ ما لا يُدرَكُ مِن حقائقِ التشريِع وعِلَلِهِ، يَعْلمُهُ اللهُ، وتقصُرُ عنه العقولُ مهما بلغَتْ حِدَّةً وذَكَاءً.
* * *
بعدَما ذكَرَ اللهُ النكاحَ والطلاقَ وتوابعَهما؛ كالعِدَدِ والخُلْعِ