الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يُقَاتِلُونَكُمْ} ، إلى آخرِ الآيةِ؛ قال: قد نُسِخَ هذا! وقرَأَ قولَ اللهِ: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36]، وهذه الناسخةُ، وقرَأَ:{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 1]، حتَّى بلَغَ:{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} إلى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 5](1).
وبعضُ المفسِّرينَ جعَلَ الآيةَ مُحْكَمةً لم تُنسَخْ، وأنَّ العُدْوانَ المقصودَ هو النهيُ عن قتالِ الصِّبْيانِ والنِّسَاءِ والشُّيُوخِ، وأنَّ الحكمَ باقٍ في مِثْلِ تلك الحالاتِ التي كان عليها المسلِمونَ؛ فعن مُعاوِيةَ، عن عليٍّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ؛ يقولُ: "لا تقتُلوا النِّساءَ ولا الصِّبيانَ ولا الشيخَ الكبيرَ، ولا مَنْ ألقَى إليكمُ السَّلَمَ وكفَّ يَدَهُ؛ فإن فَعلتُم هذا، فقَدِ اعتديتُم"(2).
وعن يحيى بنِ يحيى الغَسَّانيِّ، قال: كتَبْتُ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أسألُهُ عن قولِه: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ، قال: فكتَبَ إليَّ: "إنَّ ذلكَ في النِّسَاءِ والذُّرِّيَّةِ ومَن لم ينصِبْ لكَ الحربَ منهُم"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (3)، وجاء هذا القولُ عن مجاهدٍ أيضًا (4).
وهذا الأشبهُ بالصوابِ، صوَّبَهُ أبو جعفرٍ النَّحَّاسُ.
حكمُ قتلِ النساءِ والصبيان:
والمقاتَلةُ تكونُ مِن طرَفَيْنِ، والنساءُ والصبيانُ والشُّيوخُ لا يُقاتِلونَ، وكلُّ مَن لم يُقاتِلِ المؤمنينَ، فلا يَدخُلُ في الآيةِ؛ وهذا هو الأصلُ.
(1)"تفسير الطبري"(3/ 290).
(2)
"تفسير الطبري"(3/ 291).
(3)
"تفسير الطبري"(3/ 290).
(4)
"تفسير الطبري"(3/ 291).
وحكى ابنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ على تحريمِ قتلِ النساءِ والصبيانِ إذا لم يُقاتِلُوا (1).
وروى ابنُ أبي شَيْبةَ، وابنُ عبدِ البرِّ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ؛ قال:"كتَبَ عُمَرُ إلى أمراءِ الأجنادِ: لا تَقْتُلوا امرأةً ولا صبيًّا، واقتُلُوا مَن جَرَتْ عليه المَوَاسي"(2).
وروى سُنَيْدٌ، عن أبي بكرِ بنِ عَيَّاشٍ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ؛ قال: كتَبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى جَعْوَنَةَ وكان أمَّرَهُ على الأدرابِ: "أنْ لا تَقتُلِ امرأةً، ولا شيخًا، ولا صغيرًا، ولا راهبًا"(3).
ولكنْ إذا دخَلَ النساءُ في صفوفِ القتالِ، وشارَكَ الشيوخُ معَهُمْ في القتالِ، فيدخُلُونَ في حكمِ المقاتِلينَ في قولِه:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} عندَ أكثرِ العلماءِ، وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ والليثِ وإسحاقَ.
ويدخُلُ في هذا الحُكْمِ إذا كانت تشارِكُ في الحربِ في غيرِ قتالٍ؛ كالإمدادِ بالعُدَّةِ والعَتَادِ، والتحريضِ بالشِّعْرِ والنَّدْبِ، وأمَّا إذا كانَتْ تصنعُ الطعامَ والشرابَ وتُداوِي الجَرْحى، فلا أرى أنَّ هذا يدخُلُ في بابِ المُقاتَلةِ؛ لأنَّ الطعامَ والشرابَ وعلاجَ المريضِ تَعملُهُ النساءُ في كلِّ حينٍ عادةً غالبةً لها، وأمَّا عُدَّةُ الحربِ والندبُ إلى القتالِ، فهذا ليس مِن شأنِ النساءِ، فدخُولُها فيه دخولٌ في حُكْمِ القِتالِ.
روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن هِشَامٍ، عنِ الحسَنِ؛ قال:"إِذا خَرَجَتِ المَرْأَةُ مِن المُشْرِكِينَ تُقَاتِلُ، فَلْتُقْتَلْ"(4).
(1)"الاستذكار" لابن عبد البر (14/ 60).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(33129)(6/ 484)، وابن عبد البر في "الاستذكار"(14/ 64).
(3)
"الاستذكار" لابن عبد البر (14/ 63).
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(33141)(6/ 485).