الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنَّها أفضلُ من الأَبْعَدِينُ، بل دَلَّ الدليلُ أنَّ الهديَّةَ على الأقرَبِينَ أفضلُ مِنَ الصدقةِ على الأبعَدِينَ مِن غيرِ سرَفٍ في قريبٍ، ولا مَسْغَبَةٍ في بعيدٍ.
ولم يذكُرِ اللهُ النفقةَ على النَّفْسِ؛ للعِلْمِ بها، فالنفسُ أحقُّ بمالِ صاحِبِها مِنْ غيرِه، والمرادُ: الكفايةُ، وسدُّ الحاجةِ، وقِوَامُ البَدَنِ، وسَتْرُ العورةِ، وسَتْرُ النفْسِ عن السؤالِ، وقد جاء في الحديثِ في "الصحيحِ"، عن جابرٍ؛ قال صلى الله عليه وسلم:(ابْدَأْ بنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ، فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ، فَهَكَذَا وَهَكَذَا)؛ يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ (1).
ثمَّ بعدَ سَدِّ ضرورةِ النفسِ يُنفِقُ على الأقرَبِينَ، وأعظَمُهُمُ الوالدانِ بلا خلافٍ، ثمَّ أحقُّهُمْ في ذلك، وهم الأولَادُ والزَّوجةُ، فالإخوةُ والأخواتُ، والأعمامُ والأخوالُ.
وفي "الصحيحَيْنِ"؛ قال صلى الله عليه وسلم: (ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ)(2).
وروى النَّسَائيُّ؛ مِن حديثِ طارقٍ المُحَارِبِيِّ؛ قال: قَدِمْنَا المدينةَ فإذا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المِنْبرِ يخطُبُ الناسَ وهو يقولُ: (يَدُ المُعْطِي العُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ)(3).
وفي "المسندِ"؛ مِن حديثِ أبي رِمْثَةَ بنحوِهِ (4).
إعطاءُ الزكاةِ للأقرَبِينَ:
وهذه الآيةُ في النفقةِ عامَّةً، فليست في أحكامِ الزكاةِ ومصارفِها،
(1) أخرجه مسلم (997)(2/ 692).
(2)
أخرجه البخاري (1427)(2/ 112)، ومسلم (1034)(2/ 717).
(3)
أخرجه البخاري (2532)(5/ 61).
(4)
أخرجه أحمد (7105)(2/ 226).
وليس فيها دليلٌ على إعطاءِ مَنْ تجبُ نفقتُهُ مِنَ الزكاةِ كالوالدَيْنِ والأولادِ؛ فهذه الآيةُ نزلَتْ فيَ نزولِ سورةِ التوبةِ التي بها تعيينُ مصارفِ الزكاةِ وأهلِها، ومَنْ تجبُ على الإنسانِ نفقتُهُ لا يجوزُ أن يُعطِيَهُ نفقتَهُ مِن زكاةِ مالِهِ بالانِّفاقِ، ومَنْ لا تجبُ عليه نفقتُهُ ولا يرتدُّ إليه نفعُ زكاتِهِ كانتفاعِ الزوجةِ بزكاةِ مالِها لزوجِها، فاتَّفَقُوا أنَّ مَنْ لم تكنْ حالُهُ كذلك، فإنَّه يجوزُ أنْ يُعطَى مِن الزكاةِ.
وإنَّما يختلِفُ العلماءُ في منع الزكاةِ؛ لاختلافِهم فيمَنْ تجبُ النفقةُ عليهم مع القُدْرةِ عليها؛ فهذه المسألةُ فرعٌ عن تلك غالبًا، وخلاصةُ ذلك: أنَّ ما اتَّفَقَ العلماءُ على أنَّه تجبُ نفقتُهُ على الإنسانِ: أنَّه لا يُعطَى نفقةً مِن زكاةِ مالِهِ، واتَّفَقُوا على الوالدَيْنِ والأولادِ في أمرِ النفقةِ؛ كما حكى إجماعَهم ابنُ المُنذِرِ، وأبو عُبيدِ القاسمُ بنُ سَلَّامٍ.
وهذا الذي عليه الصحابةُ؛ كعليٍّ وابنِ عباسٍ، ولا مخالِفَ لهما مِن الصحابةِ.
فقد روى البيهقيُّ في "سُنَنِهِ"، عن عبدِ اللهِ بنِ المختارِ، عن عليٍّ؛ قال:"لَيْسَ لِوَلَدٍ وَلَا لِوَالِدٍ حَقٌّ فِي صَدَقَةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَمَن كَان لَهُ وَلَدٌ أَوْ وَالِدٌ فَلَم يَصِلْهُ، فَهُوَ عَاقٌّ"(1).
وروى أبو عُبَيْدٍ وعبدُ الرَّزَّاقِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ:"لَا بَأْسَ بأَنْ تَضَعَ زَكَاتَكَ فِي مَوْضِعِها، إذَا لم تُعْطِ مِنهَا أَحَدًا تَعُولُهُ أَنْتَ؛ فَلَا بَأْسَ بِهِ"(2).
واختَلفُوا في غيرِ النَّفقةِ على مَنْ تجبُ نفقتُهُ؛ كأنْ يكونَ أحدُ
(1)"السنن الكبرى" للبيهقي (7/ 28).
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(7163)(4/ 112)، وأبو عبيد في "الأموال"(ص 683).
الوالدَيْنِ أو الأولادِ مجاهِدًا في سبيلِ اللهِ أو غارِمًا، فهل يُعطَى الوالدُ مِن زكاةِ ابنِهِ، ويُعطَى الابنُ مِن زكاةِ والدِهِ؛ لكونِهِ مِنْ أهلِ {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 60] أو {وَالْغَارِمِينَ} [التوبة: 60]؛ فليس هذا مِن نففتِه؟ فهذا مِن مواضِعِ الخلافِ عندَهُمْ على قولَيْنِ:
الأوَّل: ذهَبَ جماعةٌ مِن العلماءِ: إلى جوازِ إعطاءِ مَنْ تجبُ نفقتُهُ ولو كان والدًا أو ولدًا مِن غيرِ سَهْمِ الفقراءِ والمساكينِ؛ لأنَّ هذَيْنِ السهمَيْنِ نفقةٌ وحقٌّ، ويجوزُ إعطاؤُهُمْ في المكاتَبَةِ والغُرْمِ وفي سبيلِ اللهِ مِن الزَّكَاةِ؛ وهذا قولُ المالكيَّةِ والشافعيَّةِ، ورجَّحَهُ ابنُ تيميَّةَ.
والثاني: ذهَبَ الحنابلةُ والحنفيَّةُ؛ فمَنَعُوا إعطاءَ الزكاةِ لِمَنْ تجبُ نفقتُهُ في جميع أَسْهُمِ الزكاةِ وأصنافِها، وأنَّ مَنِ احتاجَ منهم فيُعطَى من أصلِ المالِ حقًّا بما يقضِي حاجَتَهُ.
وبعدَ اتِّفاقِهم في منعِ الزكاةِ نفقةً للوالدَيْنِ والأولادِ، اختلَفُوا فيمَن علا مِنَ الوالدَيْنِ؛ كالجَدِّ والجَدَّةِ، ومَن نزَلَ مِن الأولادِ كوَلَدِ الوَلَدِ، على قولَيْنِ:
الأولُ: قالوا: إنَّ حُكْمَ الأجدادِ كحُكْمِ الآباءِ، وحُكْمَ الأحفادِ كحُكْمِ الأولادِ؛ وهذا قولُ الحنابلةِ والحنفيَّةِ وجماعةٍ مِن فقهاءِ الشافعيَّةِ.
الثاني: قالوا: إنَّ النفقةَ تجبُ للوالدَيْنِ دونَ الجَدَّيْنِ، وللأولادِ دونَ الأحفادِ؛ فيجوزُ دفعُ الزكاةِ للجَدِّ ووَلَدِ الوَلَدِ.
واختلَفوا في غيرِ الوالدَيْنِ والأولادِ في النفقةِ عليهم مِن الزكاةِ:
وعامَّةُ السلفِ: على جوازِها، وفي غيرِ النفقةِ مِن بابِ أَوْلَى؛ كالجهادِ والغُرْمِ والمُكاتَبةِ: أنَّها تُعطَى الحَوَاشِيَ - وهم الإخوةُ والأعمامُ والأخوالُ - من الزكاةِ؛ وذلك لقولِه صلى الله عليه وسلم: (الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ
صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ)؛ رواهُ الترمذيُّ (1) وغيرُهُ.
وقد رخَّص ابنُ مسعودٍ لامرأتِهِ أنْ تُعطِيَ زكاةَ خُلِيِّها لبَنِي أَخِيها؛ كما رواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ، وعبدُ الرزَّاقِ (2).
ورخَّص الحسنُ في إعطاءِ الأخِ، وإبراهيمُ في إعطاءِ الأختِ؛ رواهُ عنهما أبو عُبَيْدٍ (3).
وقيَّد سعيدُ بن جُبَيْرٍ إعطاءَ الخالةِ مِن الزكاةِ بكونِها في غيرِ بيتِ المزكِّي يُنْفِقُ عليها؛ فقد روي عبدُ الرزَّاقِ وابنُ أبي شَيْبةَ؛ مِن حديثِ إبراهيمَ بنِ أبي حَفْصةَ؛ قال: قلتُ لسعيدِ بن جُبَيْرٍ: أُعْطِي الخَالَةَ مِن الزَّكَاةِ؟ قال: نَعَمْ؛ مَا لم تُغْلِقْ علَيْهَا بَابًا؛ يَعْنِي: مَا لم تَكُنْ فِي عِيَالِكَ (4).
ومَن وجَبَتْ نفقتُهُ، ولكنَّ صاحِبَ المالِ عاجزٌ عن النفقةِ، وعليه زكاةٌ، فجوَّزَ بعضُ الفقهاءِ إخراج الزكاةِ على مَنْ تجبُ نفقتُهُ عندَ العجزِ عنها ولو كان والدًا أو وَلَدًا، وهو قولٌ لأحمد رجَّحَهُ ابنُ تيميَّةَ.
وإنَّما يمنعُ السلفُ والفقهاءُ مِنْ إعطاءِ الزكاةِ ذوي القَرَابةِ الذين تجبُ نفقتُهم؛ لاجتماعِ واجبَيْنِ عليه: واجبِ النفقةِ، وواجبِ الزكاةِ؛ فنُهي عن ذلك؛ حتى لا يقيَ مالَهُ ويحفَظَهُ مِن النفقةِ عليهم بزكاتِهِ.
(1) أخرجه الترمذي (658)(3/ 38)، والنسائي (2582)(5/ 92)، وابن ماجه (1844)(1/ 591).
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(7055)(4/ 83)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"(10533)(2/ 412).
(3)
أخرجه أبو عبيد في "الأموال"(ص 694).
(4)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(7164)(4/ 112)، وابن أبي شيبة في "مصنه"(10534)(2/ 412)