الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فكافِل اليتيمِ يكونُ في مقامِ البائعِ والمشتري؛ أصيلًا عن نفسِه، ووكيلًا عنِ اليتيمِ، وربَّما وقَعَ في البيعِ نوعُ شائبةٍ ولو دقيقةً لا يُدْرِكُها الإنسانُ، ورُبَّما كان ثَمَّةَ ظِنَّةُ سُوءٍ في عمَلِهِ مِن اليتيم إذا كَبِرَ ورَشَدَ، أو مِن قَرَابَاتِه، فأدَّى ذلك إلى خصومةٍ ونزاعٍ.
وهذا على الاحتياطِ والاحترازِ، وأمَّا جوازُ أصلِ البيعِ في مالِه، فهو موضِعُ خلافٍ عندَ الفقهاءِ:
فعن مالكٍ في المشهورِ عنه: الجَوَازُ.
ورُوِيَ عن عمرَ وعائشةَ وابنِ عمرَ والحسنِ بنِ عليِّ والنَّخَعيِّ.
روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عنِ القاسمِ؛ قال:"كنَّا أيتامًا في حَجْرِ عائشةَ، فكانت تُزَكِّي أموالنَا، وتُبضِعُها في البَحْرِ"(1).
وقال أبو حَنِيفةَ: "له أن يَشترِيَ مالَ الطِّفْلِ اليتيمِ لنَفْسِهِ بأكثَرَ مِن ثَمَنِ المِثْلِ؛ لأنَّه إصلاحٌ دلَّ عليهِ ظاهرٌ القرآنِ".
ومنَعَ منه الشافعيُّ في النكاحِ، وفي البيعِ؛ لأنَّ اللهَ لم يذكُرْ في الآيةِ التصرُّفَ، بل قال:{إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} ؛ فذكَرَ الإصلاحَ، ولم يذكُرِ التصرُّفَ.
وعلى قولِ الشافعيِّ: يجوز البيعُ منه والشِّرَاءُ له؛ إذا كان ذلك برِبْحٍ بيِّنٍ؛ كالمِثْلِ وشِبْهِه.
قال محمَّدُ بنُ عبدِ الحَكَمِ: "وله أنا يبيعَ له بالدَّيْنِ؛ إن رَأَى ذلك نَظَرًا".
تزويجُ اليتيمِ:
واختُلِفَ كذلك في تزويجِه؛ لأنَّ في تزويجِهِ مَهْرًا يُدفَعُ مِن مالِ اليتيمِ، وهو تصرُّفٌ في مالِه:
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(21375)(4/ 390).
وقد جوَّز مالكٌ وأبو حنيفةَ وأحمدُ: تزويجَهُ؛ لأنَّ الزواجَ إصلاحٌ له وتقويمٌ وتثبيتٌ، وإعانةٌ له في تدبيرِ شأنِهِ ورعايتِه.
والشافعيُّ لا يَرَى في التزويجِ إصلاحًا إلَّا مِن جِهةِ دفعِ الحاجةِ، ولا حاجةَ قبلَ البلوغِ.
والأظهَرُ: جوازُ إنكاحِهِ إذا كان في ذلك صلاحُ أمرِهِ وشأنِهِ ورِعَايتُه، وصيانةُ عِرْضِهِ وسَترُه، وحِفْظُ مالِه، ويدخُلُ في ذلك ما يَتبَعُ التزويجَ مِن نفقةِ العُرْسِ ووَلِيمَتِهِ وضَرْبِ الدُّفِّ، وتطبيبِ الزَّوْجةِ عندَ مَرَضِها، ونَفَقتِها، ونحو ذلك.
قال ابنُ كِنَانةَ: "وله أنْ يُنفِقَ في عُرْسِ اليتيمِ ما يصلُحُ مِن صنيعٍ وطِيبٍ، ومصلَحَتُهُ بقَدْرِ حالِهِ وحالِ مَن يزوَّجُ إليه، وبقدرِ كَثْرةِ مالِهِ"(1).
* * *
هذه الآيةُ نصٌّ في تحريمِ نكاحِ المشرِكاتِ، وقد كان للصحابةِ في أولِ الأمرِ قراباتٌ مِن المشرِكينَ، وجاءتِ الآيةُ بعد الوصيَّةِ بإصلاحِ مالِ اليتيمِ؛ لأنَّ في أبناءِ المشرِكينَ قراباتٍ أيتامًا قُتِلَ آباؤُهُمْ يومَ بَدْرٍ وغيرَهُ، وفيهم ذكورٌ وإناثٌ، والأصلُ بقاؤُهُمْ على مِلَّةِ آبائِهم، حتى يستبِينَ أمرُهم، فَبيَّنَ اللهُ حُكْمَ نكاحِ المشرِكينَ وإنكاحِهم.
والزواجُ مِن أظهَرِ صُوَرِ المخالَطةِ والمقارَبةِ، وقد حَرَّمَهُ اللهُ مِن المشركينَ على أيِّ وجهٍ.
(1) ينظر: "تفسير القرطبي"(3/ 450).