الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على الحِلِّ والطِّيبِ؛ كما في الآيةِ هنا: {حَلَالًا طَيِّبًا} ، والتخييرُ بين الأكلِ وتركِه، والأمرُ بعدَ الحظرِ، ونفيُ الجُنَاحِ والحَرَجِ والإثمِ والإنكارُ على مَن حَرَّمَ الشيءَ، والإخبارُ أنَّه مِن نِعَمِ اللهِ على الأممِ السابقةِ، وإظهارُ الامتنانِ بخَلْقِه وجعْلِه للناسِ، ويأتي كذلك بالإقرارِ على فعلِه في زمنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ كأكلِ الضَّبِّ.
ويُفهَمُ عمومُ التحريمِ بعكسِ ذلك، إلا ما استثناهُ اللهُ بقَيْدٍ، وهذا يكونُ ممَّا فصَّلَ اللهُ تحريمَهُ.
حكمُ المسكوتِ عنه في الشريعة:
وظاهرُ نصوصِ الشريعةِ: أنَّ ما سُكِتَ عنه فهو حلالٌ؛ لأنَّه عفوٌ، ولو لم يَرِدْ دليلٌ بإطلاقِ حِلِّه، وذهَبَ أبو حنيفةَ: إلى أنَّ الأصلَ فيما سُكِتَ عنه: التحريمُ؛ حتى يأتيَ دليلٌ على العمومِ أو على الخصوصِ (1).
وهذا مِن الخلافِ الذي ثمرتُهُ قليلةٌ؛ وذلك لأنَّه ما مِن شيءٍ مِن الأصولِ إلا جاء فيه نصٌّ خاصٌّ بحِلِّهِ أو حرمتِهِ، أو نصٌّ عامٌّ يبيِّنُ حِلَّهُ، أو يبيِّنُ تحريمَهُ؛ وإنَّما الخلافُ يقَعُ في دخولِ الشيءِ في أيِّ العمومينِ؛ كبعضِ صيدِ الحيوانِ للمُحرِمِ، وكذا المَيْتةُ: هل تَتْبَعُ البحرَ حِلًّا، أو البَرَّ حُرْمةً؟
ونصَّ أحمدُ: على أنَّ الأصلَ فيما سُكِتَ عنه في الشريعةِ: الحِلُّ.
والقولانِ وجهانِ في مذهبِ الشافعيِّ، والأصحُّ عنه الحِلُّ.
والحقُّ: أنَّ ما سُكِتَ عنه في الشريعةِ، فإنَّه حلالٌ؛ لعمومِ قولِهِ تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29].
ولِمَا روى التِّرمِذيُّ وابنُ ماجهْ؛ مِن حديثِ سَلْمانَ؛ قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن السَّمْنِ والجُبْنِ والفِرَاءِ؟ فقال: (الحَلَالُ مَا أحَلَّ اللهُ فِي
(1)"الأشباه والنظائر" للسيوطي (1/ 60).
كِتَابِهِ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ في كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ) (1).
وقد وبَّخ اللهُ وقرَّع مَن يجعلُ الأصلَ التحريمَ؛ بقولِهِ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32].
وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ سعدٍ؛ قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ)(2).
* * *
قال اللهُ تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173].
"إنَّما": أداةُ حصرٍ عندَ أكثرِ العلماءِ، وهو قَصْرُ الحُكْمِ على الشيءِ، أو قصرُ الشيءِ على الحُكْمِ، والمعنى: أنَّ اللهَ قَصَرَ المحرَّماتِ على المؤمِنِينَ في هذه المذكوراتِ عندَ نزولِ النصِّ، ثمَّ بيَّن غيرَها في مواضعَ أُخرى، أو لأنَّ المذكورةَ قريبةُ التناوُلِ منهم، فأَضْمَرَتْ نفوسُهُمُ الحاجةَ إلى بيانِ ما يَدْنُو منهم، فجاءَ النصُّ ببيانِها؛ فما كان مستقِرًّا في الذهنِ لدَيْهِم تحريمُهُ ممَّا كان خارجًا عن هذه الأربعةِ، لم يذكُرْهُ.
و"إنَّما": أداةٌ تَنفِي وتُثبِتُ؛ فهي تَنفي أنْ يكونَ هناك في ذلك الوقتِ محرَّمٌ غيرُها، وتُثبِتُ هذه المحرَّماتِ.
وهذه الآيةُ جاءتْ بعدَ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا} [البقرة: 168] أو ما بعدَهَا، ثمَّ قولِهِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا
(1) أخرجه الترمذي (1726)(4/ 220)، وابن ماجه (3367)(2/ 1117).
(2)
أخرجه البخاري (7289)(9/ 95)، ومسلم (2358)(4/ 1831).