الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى زمنٍ، ومِن بلدٍ إلى بلدٍ، فتختلِفُ الآلةُ بحسَبِ البُلْدانِ؛ فمِنهم مَن يستعمِلُ المكعَّباتِ، ومنهُمُ الشِّطرَنْجَ، ومِنهمُ الحَصَى، ومِنهمُ السِّهَامَ، ومِنهم آلاتٍ إلكترونيَّةً أو أوراقًا حديثةً.
وأشدُّه تحريمًا: ما يضمَنُ الرِّبْحَ فيه واحدٌ بعَيْنِه، ويَخسَرُ الباقونَ، فهذا جمَعَ لَعْنَ الرِّبا وشِدَّةَ المَيْسِرِ، وهو أن يَقُومَ أحدٌ بجَمْعِ الأموالِ مِن الناسِ ليُعطِيَ واحدًا منهم بعضَها، وهو بنَفْسِهِ واحدٌ منهم، فيأخُذُ مِن المالِ حقَّ جمعِهِ ورعايتِه، ويُعطِي واحدًا مِنهم بالقُرْعةِ جُزءًا منها، فهو رابحٌ في كلِّ حالٍ، وهذا ما تفعَله الشَّرِكاتُ والمؤسَّساتُ.
والشريعةُ إنَّما حَرَّمَتِ المَيسِرَ؛ لأنَّه أخذٌ للمالِ بصورةٍ باطلةٍ ولو رَضِيَها الإنسانُ؛ لِمَا تتضمَّنُهُ مِن أخذِ المالِ بلا حقٍّ ومعاوَضةٍ، والمالُ محتَرَمٌ، فكما حَرَّمَ اللهُ إتلافَهُ وحَرْقَه، فقد ضبَطَ اللهُ التعامُلَ فيه، فلا يُؤخَذُ إلَّا بمبادَلةٍ شرعيَّةٍ، أو عن طِيبِ نفسِه بهِبَةٍ أو عطيَّةٍ أو صَدَقةٍ.
وقولُه تعالى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} .
النَّفْعُ، ما يَجِدونَهُ في الخمرِ والميسِر مِن تجارةٍ ورِبْحٍ، وتسليةٍ وإهدارِ وقتٍ.
نفعُ الخمرِ والميسِرِ وإثمهما:
واستَعمَلَ في الآيةِ قولَهُ: "النَّفْعَ" في بيانِ الخيرِ فيهما، و"الإثمَ" في بيانِ الشرِّ، وما يُقابِلُ النَّفْعَ هو الضرُّ؛ لأنَّ النَّفْعَ عاجِلٌ، ولا يَلزَمُ مِن الانتفاعِ الإثابةُ عليه في الآخِرةِ، وأمَّا الإثمُ: فيَلزَمُ منه الشرُّ في الدُّنيا، والعقابُ في الآخِرةِ.
ويَظهَرُ في هذا: التخويفُ، وأنَّ النَّفْعَ إنَّما هو عاجِلٌ زائِلٌ، والشرَّ غالبٌ، والإثمَ باقٍ، واستعمالُ الترهيبِ والوعظِ والتخويفِ مِن العاقبةِ يُحْيي الإيمانَ ويُوقِظُه، واستعمالُ الموازينِ الماديَّةِ لإحقاقِ الحقِّ وتبيينِ
المحرَّمِ وإثباتِهِ، والاقتصارُ على ذلك: خطأٌ؛ فهو يعلِّقُ القلبَ والعقلَ ألَّا يُؤمِنَ إلَّا بما تثبُتُ عِلَّتُه، وينفِّرُ مِن الأحكامِ التي يحرِّمُها الشرعُ عندَ غيابِ عِلَّةِ التحريمِ، ولا تُترَكُ الموازنةُ العقليَّةُ، ولكنْ لا يجوزُ تغليبُها على وجوبِ التسليمِ بالحُكْمِ الإلهيِّ.
وربطُ الناسِ بالتسليمِ ليس تعطيلًا للعقلِ، بل تعظيمًا للخالقِ وسَعَةِ عِلْمِه؛ فإنَّ الإنسانَ إذا رجَعَ كلَّ شيءٍ إلى نَفْسِهِ، تَكبَّرَ، وإذا رجَعَهُ إلى غيرِهِ، عَلِمَ ما لم يَعلَمْ، فهذا في البشَرِ، والفارِقُ بين البشرِ في العِلْمِ والحِكْمةِ محدودٌ، والفارقُ في العلمِ والحِكْمةِ بين الإنسانِ وربِّه ليس له حَدٌّ، وتسليمُ الإنسانِ بحُكْمِ رَبِّهِ قوةُ إيمانٍ، وأَثْبَتُ على التمسُّكِ بالحقِّ؛ فإنَّ العقولَ تتمسَّكُ بما ترى نفعَهُ، فإذا زالَ النفعُ، انتكَسَتْ عنه، وأمَّا مَن سلَّم للهِ، فما عندَ اللهِ ثابتٌ لا يزولُ؛ روى ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عَباسٍ؛ قولَهُ:{وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} ؛ يقولُ: "ما يَذهَبُ مِنَ الدِّينِ، والإثمُ فيه: أكبَرُ مِمَّا يُصِيبُونَ في فَرَحِها إذا شَرِبُوهَا"(1).
وهذه الآيةُ تمهيدٌ لما أَتَى بعدَها مِن التحريمِ؛ حيثُ أنزَلَ اللهُ قولَهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]؛ وذلك لبيانِ التحريمِ ووضوحِه، وقَطْعِ الرَّيْبِ والشكِّ الواقعِ في النفوسِ من حُكْمِ الخمرِ والميسِرِ.
وأكثرُ المفسِّرينَ: على أنَّ آيةَ البابِ لم يثبُتْ بها تحريمُ الخمرِ قطعًا؛ وإنَّما إلماحًا، وروى ابنُ جريرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ قالَ: "لمَّا نزَلَتْ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ،
(1)"تفسير الطبري"(3/ 680)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(2/ 392).