الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأُكُمُ: التلالُ المرتفعةُ، جمعُ أكَمةٍ، وقيل: أُكُمٌ جمعُ: إِكَامٍ، وإكَامٌ جمعُ: أكَمٍ، وأكَمٌ جمعُ: أكَمةٍ (1).
يقولُ: تخضعُ الأُكُمُ وتهبِطُ خشوعًا مِن وَقْعِ حوافِرِ الخيلِ؛ وهي البُلْقُ، فالمرادُ بالسجودِ هنا: هو الخضوعُ والخشوعُ.
والسجودُ يُورِثُ الإنسانَ تواضُعًا للخالقِ؛ ولذا أمَرَ اللهُ به هنا؛ قال تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]؛ صحَّ عن منصورٍ، عن مجاهدٍ؛ قال:"هو التواضُعُ"(2).
وإذا رأيتَ متكبِّرًا، فاعلَمْ أنَّه قليلُ الصلاةِ أو عديمُها؛ لا يجتمعُ كِبرٌ مع كثرةِ سجودٍ.
وفي الآيةِ إشارةٌ إلى أنَّه يُشرَعُ للمتمكِّنِ مِن الدخولِ إلى نعمةٍ كُبرى - كفتحِ بلدٍ أو أرضٍ فيها نَعِيمٌ ورغدُ عيشٍ - أنْ يدخُلَها مطرِقًا للهِ منكسِرًا؛ حتى لا يُورِثَهُ تمكُّنُهُ منها بَطَرًا وأَشَرًا وكِبْرًا؛ فإنَّ الإنسانَ عندَ تغيُّرِ حالِهِ مِن ضعفٍ إلى قوةٍ، ومِن ذلٍّ إلى تمكينٍ، ومِن فقرٍ إلى غنًى، يجدُ في نفسِهِ نَشْوةً وسَكْرةً تختلِفُ عمَّا يجدُهُ المستديمُ على النعمةِ، والنعمةُ العظيمةُ الحادثةُ لها سَكْرةٌ على النفسِ تُفقِدُها توازُنَها، فإذا لم يَكسِرْها بتواضعٍ مِن أوَّلِ الأمرِ بالسجودِ للخالقِ والتضرُّع والتذلُّلِ له، تمكَّنتْ منه حتى أورَثتْهُ غرورًا وكِبْرًا وبغيًا على الخلقِ، وخاصةً النعمةَ المفاجئةَ للإنسانِ بعدَ بأسٍ وشدةٍ وفقرٍ؛ قال تعالى:{وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا} [يونس: 21]
العبادةُ عندَ فَجْأةِ النعم:
والنعمةُ المفاجئةُ بلا تدرُّجٍ: استدراجٌ، فلا يقابِلُها إلا شدةُ
(1) ينظر: "تهذيب اللغة"(14/ 178)، و"المحكم والمحيط الأعظم"(7/ 98)، و"تاج العروس"(أك م).
(2)
أخرجه البخاري (6/ 134). وينظر: "فتح الباري"(8/ 582).
التواضعِ والخشوعِ؛ ولذا كانت نعمُ اللهِ على نبيِّه صلى الله عليه وسلم على التدرُّجِ، ومع هذا فقد لزِمَ صلى الله عليه وسلم التواضعَ وزادَهُ عندَ نزولِ النعمِ العظيمةِ.
ودخَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مكةَ وهو مطأطِئُ الرأَسِ تواضُعًا وخشوعًا للهِ؛ وذلك لأنَّه خرَجَ منها متخفِّيًا طريدًا، ورجَعَ إليها سيِّدًا فاتحًا، مع كثرةِ الأَتْباعِ، وأخرَجَ ابنُ إسحاقَ - وعنه ابنُ المباركِ في "الزهدِ" - قال محمدُ بنُ إسحاقَ:"حدَّثَني عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ، وابنُ أبي نَجِيحٍ، ويحيى بنُ عبَّادٍ؛ قالوا: أقبَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى وقَفَ بذي طَوًى، وهو مُعْتَجِرٌ ببُرْدٍ حِبَرَةٍ، فلمَّا اجتمَعتْ عليه خيولُةُ ورأَى ما أكرَمَهُ اللهُ به، تواضَعَ للهِ حتى إنَّ عُثْنُونَهُ لَتمَسُّ واسطةَ رَحْلِهِ"(1).
وروى البيهقيُّ؛ مِن حديثِ جعفرِ بن سُلَيْمانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ؛ قال:"دخَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ يومَ الفتحِ وذَقَنُهُ على رحلِهِ متخشِّعًا"(2).
ومِن أولِ ما فعَلَهُ عندَ دخولِه مكةَ: صلاتُهُ في داخلِ الكعبةِ؛ كما جاء في "الصحيحِ"؛ مِن حديث نافعٍ، عن عبدِ اللهِ رضي الله عنه؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أقبَلَ يومَ الفتحِ مِن أعلى مَكَّةَ على راحلتِهِ مردِفًا أسامةَ بنَ زيدٍ، ومعه بلالٌ، ومعه عثمانُ بنُ طَلْحةَ مِن الحَجَبَةِ، حتى أناخَ في المسجدِ، فأمَرَهُ أنْ يأتيَ بمِفتاحِ البيتِ ففتَحَ، ودخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ومعه أسامةُ وبلالٌ وعثمانُ، فمكَثَ فيها نهارًا طويلًا، ثمَّ خرَجَ، فاستبَقَ الناسُ، فكان عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ أوَّلَ مَن دخَلَ، فوجَدَ بلالًا وراءَ البابِ قائمًا، فسألَهُ: أين صلَّى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فأشارَ له إلى المكانِ الذي صلَّى فيه، قال عبدُ اللهِ: فنَسِيتُ أن أسألَهُ: كم صلَّى مِن سجدةٍ؟ (3).
(1) أخرجه ابن المبارك في "الزهد والرقائق"(2/ 53).
(2)
"السنن الكبرى"(7888)(4/ 352).
(3)
أخرجه البخاري (2988)(4/ 56).