الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيُصاحِبُهُ الإيمانُ كلَّ يومِهِ وليلتِه، والنِّفاقُ لا يُطِيقُ المداوَمَةَ؛ لأنَّ المنافِقَ يتصنَّعُ ويتكلَّفُ، والمداوَمَةُ تَستعصي عليه، ولو كانت صلاةً واحدةً، لَقَوِيَ المنافِقُ عليها تصنُّعًا وتكلُّفًا، ولكنْ كانتِ الصلواتُ خمسًا متفرِّقاتٍ بين ساعاتِ الليلِ والنهارِ، تدورُ مع العبدِ تمحِّصُ نِفاقَهُ، وتَنفي خَبَثَه، ولا يُحافِطُ على الصلاةِ إلَّا مؤمِنٌ.
الصلاةُ الوسطى:
وقد اختلَفَ المفسِّرونَ مِن السلفِ في الصلاةِ الوُسْطَى على أقوالٍ كثيرةٍ، وهي نحوٌ مِن عشرينَ قولًا، وقد صنَّف فيه بعضُ المتأخِّرينَ تصنيفًا في جَمعِها؛ ومنها القويُّ، ومنها الضعيفُ، ومنها ما لا يُلتفَتُ إليه؛ وإنَّما قال به واحدٌ ولم يُتابَعْ عليهِ؛ فقيل: إنَّها صلاةُ العصرِ والفجرِ والظُّهْرِ والمغربِ والعشاءِ والجمعةِ والوِتْرِ والخوفِ والعِيدَيْنِ والضُّحَا، ومنهم مَن قال: هي صَلاتانِ، وقيل: أكثَرُ، وقيل: إنَّها أُبهِمَتْ، وقيلَ غيرُ ذلك.
وقد روى ابنُ جريرٍ، عن قتادةَ يحدِّثُ عَن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ قال:"كان أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُختلِفِينَ في الصلاةِ الوُسْطَى هكذا، وشَبَّكَ بينَ أصابعِهِ"(1).
وأقوى تلك الأقوالِ: القولُ بأنَّها صلاةٌ العصرِ، وصلاةُ الفجرِ، ثمَّ القولُ بأنَّ اللهَ أَبْهَمَها وقد يصدُقُ على أيِّ واحدةٍ منهنَّ.
وأكثرُ السلفِ وجمهورُ الفقهاءِ: على أنَّها صلاةُ العصرِ؛ وذلك لما ثبَتَ في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ ابنِ مَسعودٍ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال يومَ الأحزابِ: (شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى؛ صَلَاةِ الْعَصْرِ)(2).
وفي "صحيحِ مسلِمٍ"؛ مِن حديثِ أبي يُونُسَ مولى عائشةَ، عن
(1)"تفسير الطبري"(4/ 372).
(2)
أخرجه مسلم (628)(1/ 437).
عائشةَ؛ أنَّها أَمْلَتْ عليه في مُصْحَفِها عندَ قولِه: {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} أن يَكتُبَ: "صَلَاةِ العَصْرِ"(1).
وعِندَهُ مِن حديثِ شَقِيقِ بنِ عُقْبةَ، عن البَرَاءِ بنِ عازبٍ؛ قال:"نزَلَتْ: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ"، فقرَأْناها على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما شاءَ اللهُ، ثمَّ نسَخَها اللهُ عز وجل، فأنزَلَ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى}، فقال له زاهِرٌ - رجُلٌ كان مع شَقِيقٍ -: أفهِيَ العصرُ؟ قال: قد حدَّثْتُكَ كيفَ نزَلَتْ، وكيفَ نسَخَها اللهُ عز وجل"(2).
وقد قال به عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ مسعودٍ وأُبَيٌّ وأبو هُرَيْرةَ وغيرُهم.
وأخَذَ به أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ، وصوَّبَهُ ابنُ جريرٍ في تفسيرِه (3).
قال التِّرْمِذيُّ: "وهو قولُ أكثرِ العلماءِ مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم"(4).
وهو أرجحُ الأقوالِ؛ لصِحَّةِ الحديثِ، ولا مخالِفَ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ مِن الخلفاءِ، وإذا صحَّ قولٌ عن خليفةٍ، ولم يخالِفْهُ مثلُهُ، فهو أقربُ إلى الصوابِ، ما لم يخالِفْهُ دليلٌ مرفوعٌ صحيحٌ.
وقال بأنَّها صلاةُ الصُّبْحِ: معاذٌ وابنُ عبَّاسٍ في القولِ الأصحِّ عنه، وقال به جابرٌ، وأخذَ به مالكٌ، وهو قولُ للشافعيِّ في الجديدِ.
لأنَّ صلاةَ الصُّبْحِ بين صَلاتَيْنِ نهاريَّتَيْنِ وليليَّتَيْنِ، وجعَلَ بعضُ السلفِ قولُهُ تعالى:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} قرينةً على كونِها الفَجْرَ؛ لأنَّ القنوتَ الدعاءُ، ويكونُ في صلاةِ الفجرِ، ويُروى هذا عن بعضِ السلفِ؛ كابنِ عَبَّاسٍ، وقال به بعضُ فقهاءِ المالكيَّةِ.
(1) أخرجه مسلم (629)(1/ 437).
(2)
أخرجه مسلم (630)(1/ 438).
(3)
"تفسير الطبري"(4/ 372).
(4)
"سنن الترمذي"(1/ 342).