الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إسلامُهُ في عجزِهِ عن التصرُّفِ ولو لم يكن في غَزْوِ قتالٍ؛ لأنَّه حُصِرَ لأجلِ إيمانِهِ، وهو أَوْلى مِنِ ابنِ السبيلِ الذي انقطَعَتْ به السبُلُ لأجلِ رزقِ دنياهُ، ويدخُلُ في هذا فِي بابِ أَوْلى فكَاكُ الأسيرِ بالمالِ؛ حتَّى يتمكَّنَ مِن الخروجِ إلى المسلِمِينَ.
دفعُ الزكاةِ للأسِيرِ:
والأسيرُ أَحَقُّ بالزكاةِ مِن الفقيرِ ومقدَّمٌ عليه؛ لأنَّ الأسيرَ يُخشى عَلَى نفسِهِ ودِينِهِ، والفقيرُ يُخشى على نفسِهِ فقطْ؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم:(فُكُّوا العَانِيَ، وَأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ)؛ رواهُ البخاريُّ (1).
حكمُ فَكَاكِ الأسيرِ:
وفَكَاكُ المرأةِ الأسيرةِ أوجَبُ مِن الرجلِ؛ لأنَّ الرجلَ يُخشى على دِينِهِ ونفسِه، والمرأةَ يُخشى على دينِها ونفسِها وعِرْضِها، وكُلَّما عَظُمَ الأثرُ على الأسيرِ في نفسِهِ وعلى مَنْ خَلْفَه، ففَكَاكُهُ أوجَبُ وأعظَمُ.
وإذا وجَبَ القِتَالُ لِفَكِّ الأَسْرى، فبَذْلُ المالِ لذلك أَوْلى مِن بَذْلِ الدمِ، وقد روى أشهَبُ وابنُ نافعٍ، عَن مالكٍ؛ أنَّه سُئِلَ: أواجِبٌ على المسلِمِينَ افتداءُ مَنْ أُسِرَ منهم؟ قال: نَعَمْ؛ أليسَ واجب عليهم أن يُقاتِلوا حتَّى يَستنقِذوهُم؟ فكيف لا يَفْدُونَهُمْ بأموالِهِمْ؟ !
وقال أحمدُ: يُفادَوْنَ بالرؤوسِ، وأمَّا بالمالِ، فلا أَعرِفُهُ (2).
ولعلَّ مرادَ أحمدَ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُفادِي الأَسرى بالأَسرى، لا بالمالِ؛ لأنَّ هذا أقوى لشَوكةِ المسلِمِينَ وهَيْبَتِهم، وألَّا يُسْتَضْعَفُوا ويُهانُوا؛ فالنفوسُ أعظَمُ منزِلةً مِن الأموالِ عند أهلِها، والرأسُ بالرأسِ مكافَأَةٌ بالمثلِ؛ لا يَظهَرُ في ذلك استضعافٌ لأحدٍ، وأَمَّا المالُ، فيَظهَرُ
(1) أخرجه البخاري (3046)(4/ 68).
(2)
"الأوسط" لابن المنذر (6/ 250)، و"شرح صحيح البخاري" لابن بطال (5/ 210).
فيه الضعفُ، مع القولِ بجوازِ دَفْعِه، بل بوجوبِهِ إن تعذَّرَتِ الرؤوسُ والقُوَّةُ، ولم يُرِدْ أحمدُ ألَّا يُفَكَّ الأسيرُ بالمالِ.
ويُروى عن عُمَرَ: أنَّ فَكَاكَ الأسيرِ يكونُ مِن بيتِ المالِ.
والحقُّ: أنَّ فَكَاكَ الأسيرِ أَوْلى مِن جميعِ الأصنافِ الثمانيةِ مِن بيتِ المالِ وأموالِ المسلمينَ.
والآيةُ نزَلَتْ في المهاجِرِينَ الذين جاؤُوا مِن مَكَّةَ إلى المدينةِ، فحَبَسَتْهُمْ هِجْرَتُهم عن حُرِّيَّةِ الضَّرْبِ في الأرضِ والرزقِ؛ لتربُّصِ المشرِكِينَ بهم وبَحْثِهم عنهم، فلا يستطيعونَ رَعْيًا في ماشيةٍ خارجَ المدينةِ، ولا سَفَرًا للشامِ أو اليَمَنِ للتجارةِ؛ خوفًا مِن تربُّصِ قريشٍ بِهم، وقطعِهِمْ لطريقِهِمْ أو تبيِيتِهِمْ؛ فقد كان لقُرَيْشٍ أَعْيُنٌ بِالمدينةِ.
روى ابنُ جريرٍ، عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ في قولِه:{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} : مهاجِرِي قُرَيْشٍ بالمدينةِ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أمَرَ بالصَّدَقةِ عليهم (1).
وبهذا قال أبو جعفرٍ والسُّدِّيُّ وغيرُهما (2).
ويدخُلُ في هذا مَن حبَسَ نفسَهُ في سبيلِ اللهِ ينتظِرُ الغَزْوَ ودعوى النفيرِ، فمنَعَهُ تربُّصُهُ وحَبْسُهُ لنفسِهِ مِن التجارةِ والزراعةِ، وقد روى ابنُ جريرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ؛ في قولِه:{الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ؛ قال: حَصَرُوا أنفُسَهُمْ في سبيلِ اللهِ للغَزْوِ (3).
وفي الآيةِ: أنَّ الأصلَ في غيرِ المحصورِ والمنتظِرِ: العملُ وأكلُهُ مِن كسبِ يدِهِ، وبَذْلُهُ للأسبابِ؛ فالآيةُ جَعَلَتْ حَصْرَهُمْ لأنفسِهِمْ في
(1)"تفسير الطبري"(5/ 23)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(2/ 540).
(2)
"تفسير الطبري"(5/ 23).
(3)
"تفسير الطبري"(5/ 24)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(2/ 540).