الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَسَّعَ اللهُ لأُمَّتِهِ إذْ جعَلَ مَوْسِمَ الحجِّ واجتماعَ الناسِ فيه مَغْنَمًا لراغبِ الفضلِ بتجارةٍ أو إجارةٍ أو غيرِها، وقد امتَنَّ اللهُ على عبادِهِ بهذا في مواضعَ عديدةٍ؛ منها في دعاءِ إبراهيمَ:{وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [البقرة: 126]، ومكةُ ليستْ بذاتِ زَرْعٍ؛ كما قال إبراهيمُ:{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم: 37]، ولكنَّ المقصودَ بدعائِهِ جبايةُ الثمراتِ مِن مَنابِتِها حولَ أُمِّ القُرَى ومِنْ عمومِ الأرضِ، وهذا ما امتَنَّ به اللهُ على قريشٍ في سورةِ القَصَصِ، فقال:{أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} [القصص: 57]، وهذا رزقٌ يأتي هذا البَلَدَ المبارَكَ ولا يَنقطِعُ.
التجارةُ في الحج:
وقد كان الناسُ يَجِدُونَ حَرَجًا لمَّا جاء الإسلامُ أن يتَّخِذُوا الحجَّ موسمًا للتجارةِ، فرَخَّصَ اللهُ فيه بقولِه:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} ؛ قال ابنُ عباسٍ: "في مواسمِ الحجِّ"؛
رواهُ البخاريُّ (1).
وروى أبو داودَ؛ مِن حديثِ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ: أنَّ الناسَ في أولِ الحجِّ كانوا يَتَبَايَعُونَ بمِنًى وعَرَفةَ وسُوقِ ذي المَجَازِ ومواسمِ الحجِّ، فخافُوا البيعَ وهم حُرُمٌ، فأنزَلَ اللهُ سبحانَهُ:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} في مواسمِ الحجِّ، قال: فحدَّثَني عُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ؛ أنَّه كان يقرؤُها في المصحفِ (2).
وروى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال:"لا حرَجَ عليكم في الشراءِ والبيعِ قبلَ الإحرامِ وبعدَهُ"(3).
وسببُ نزولِ هذه الآيةِ رفعُ الحَرَجِ عن الأُمَّةِ بالانتفاعِ في دُنْياها مِن مَجْمَعِ الناسِ للحجِّ حينَما يأتُونَ مِن كلِّ مكانٍ، فيتبايَعونَ فيما بينَهم كلٌّ يبيعُ نِتَاجَ بلادِهِ مِن زَرْعٍ وثَمَرٍ، وصناعةٍ ونسيجٍ وحِدَادةٍ؛ فبهذا ينتفِعُ أهلُ مكةَ وما حولَها، وينتفعُ الحُجَّاجُ كلُّهم بِتَبَايُعِهم فيما بينَهم، فيَرْجِعونَ بأجرٍ وغنيمةٍ مِن الدُّنيا تَكْفِيهم مُؤْنَةَ الحجِّ ونفقةَ الطريقِ وقد تَزِيدُ، فقد روى أحمدُ في "مسندِهِ"؛ مِن حديثِ أبي أُمامةَ التَّيْمِيِّ؛ قال: قلتُ لابنِ عمرَ: إنَّا نُكْرِي، فهل لنا مِن حَجٍّ؟ قال: أليس تَطُوفُونَ بالبَيْتِ، وتأتُونَ المُعَرَّفَ، وتَرْمُونَ الجِمَارَ، وتَحْلِقُونَ رُؤُوسَكم؟ قال: قلْنا: بلى! فقال ابنُ عمرَ: جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فسَأَلَهُ عن الذي سَأَلْتَني، فلم يُجِبْهُ حتى نزَلَ عليه جبريلُ عليه السلام بهذه الآيةِ:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} ، فدَعَاهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال:(أَنْتُمْ حُجَّاجٌ)(4).
ومن الأئمة من يرى أن ترك التجارة في الحج أخلص للعمل مع جوازها، وقد سئل أحمد عن التجارة في الحج؟ فقال: من الناس من يتأول
(1) أخرجه البخاري (1770)(2/ 182).
(2)
أخرجه أبو داود (1734)(2/ 142).
(3)
"تفسير الطبري"(3/ 502)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 351).
(4)
أخرجه أحمد (6434)(2/ 155).