الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأيد ذلك الحافظ في ترجمة أبي الجوزاء - واسمه أوس بن عبد الله - برواية القريابي عنه قال: أرسلت رسولاً إلى عائشة. . .
5624
- (كانَ يقول - إذا جَلَسَ في وَسطِ الصَّلاةِ وفي آخِرِهَا على وِرْكِهِ اليُسْرَى -: التحياتُ للهِ. . - إلى قوله -: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله -. قال: ثم إنْ كان في وسطِ الصلاة؛ نَهَضَ حينَ يفرُغُ من تَشَهُّدِهِ، وإنْ كان في آخِرها دعا بعد تَشَهُّدِهِ بما شاء الله أَنْ يَدْعُوَ، ثم يُسَلِّم) .
منكر بهذا التمام. أخرجه أحمد (1 / 459)، وابن خزيمة (1 / 350 / 708) عن ابن إسحاق قال: حدثني عن تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط الصلاة وفي آخرها عبد الرحمان بن الأسود بن يزيد النخعي عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها، فكنّا: نحفظ عن عبد الله حين أخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه إياه، قال: فكان يقول. . . إلخ.
قلت: وهذا إسناد حسن؛ للخلاف المعروف في أبي إسحاق؛ لكن قد ذكر في هذا المتن ما لم يرد ذكره في كل أحاديث التشهد الأخرى في «الصحيحين» وغيرهما، حتى ما كان منها عن ابن إسحاق نفسه، وعن ابن مسعود ذاته، وقد خرجت طائفة طيبة منها في الصل الذي أشرت إليه آنفاً في الحديث الذي قبله. فلنحصر الكلام على بعض طرق حديث ابن مسعود التي تدل على نكارة ذكر التورك في التشهد الأوسط، والنهوض حين يفرغ منه، ثم نتبع ذلك ببعض الأحاديث الأخرى التي تؤكد النكارة، فأقول - وبالله التوفيق -:
أولا: لقد روى عبد الأعلى هذا الحديث عن محمد بن إسحاق بإسناده المتقدم، لم يذكر فيه التورك في الأوسط والنهوض بعده.
أخرجه الطبراني في «الكبير» (9 / 64 / 9932) ، وابن خزيمة (1 / 348 / 702) وأشار إليه عقب حديث الترجمة بتعليقه عليه مشيراً إلى شذوذ ذكر التورك في وسط الصلاة منه، فقال:
ثانيا: رواه الجوهري - كما أشار ابن خزيمة فيما نقلته عنه آنفا - فقال: نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق بلفظ:
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس في آخر صلاته على وركه اليسرى.
أخرجه ابن خزيمة (1 / 347 / 701) .
ثالثا: قال أحمد (3 / 57) : ثنا يعقوب بن ابراهيم قال: ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني - عن افتراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذه اليسرى، ونصبه قدمه اليمنى، ووضعه يده اليمنى على فخذه اليمنى، ونصبه أصبعه السبابة يوحد بها ربه عز وجل عمران بن أبي أنس: أخبرني عامر بن لؤي - وكان ثقة - عن أبي القاسم مقسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: حدثني رجل من أهل المدينة قال:
صليت في مسجد بني غفار، فلما جلست في صلاتي افترشت فخذي
اليسرى ونصبت السبابة. قال: فرآني خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري - وكانت له صحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصنع ذلك. فلما انصرفت من صلاتي قال لي: أي بني! لم نصبت أصبعك هكذا؟ قال: وما تنكر؟ ! رأيت الناس يفعلون ذلك. قال: فإنك أصبت؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى يصنع ذلك، فكان المشركون يقولون: إنما يصنع هذا محمد بإصبعه يسحر بها! وكذبوا؛ إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك يوحِّد ربَّه عز وجل
رابعاً: قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن عمران بن أبي أنس عن مقسم عن خُفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري قال:
أخرجه الطبراني (4 / 257 / 4176) .
قلت: فهذا اختلاف شديد على ابن إسحاق إسناداً ومتناً.
1 -
فتارة يجعله من مسند ابن مسعود، وتارة من مسند خُفاف بن إيماء.
2 -
وتارة يذكر فيه التورك في التشهد الأوسط، وتارة لا يذكره.
3 -
وتارة يذكر فيه النهوض فور فراغه من التشهد؛ خلاف رواياته الأخرى.
وإن مما لاشك فيه أن هذا الاضطراب إنما هو من ابن إسحاق نفسه، وليس من الرواة عنه؛ فإنهم ثقات جميعاً، وبخاصة - منهم - إبراهيم بن سعد الزهري - والد يعقوب -؛ فإنه ثقة حجة؛ كما في «التقريب» ، وقد رواه عنه مرة عن ابن مسعود، واخرى عن خُفاف، كما تقدم.
وهذا مما يؤيد ما ختم الذهبي ترجمته بقوله:
فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة؛ فإن في حفظه شيئاً، واحتج به أئمة» .
وقوله: «وما انفرد به. . .» إلخ؛ إنما يعني مخالفاً فيه غيره، ممن هو أوثق منه أو أكثر عدداً.
قلت: ولقد بلوت هذه المخالفة من ابن إسحاق في كثير من الأحاديث منذ القديم، وكلما مضى الزمن ازددت يقيناً بهذه الحقيقة التي لم ينتبه لها إلا القليل من المشتغلين بهذا العلم الشريف.
وإن مما يؤكد لك هذه الحقيقة في هذا الحديث: أن تشهد ابن مسعود الذي تلقاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة - ومفه بين كفيه صلى الله عليه وسلم - قد جاء من طرق كثيرة عنه، ليس في شيء منها ذكر التورك في التشهد الأوسط، ولا النهوض حين يفرغ منه.
وقد ساق الكثير الطيب منها الطبراني في «معجمه الكبير» (10 / 48 - 68) ، وبعضها في «الصحيحين» وغيرهما، وهو مخرج في «إرواء الغليل» (2 / 26) ، و «صحيح أبي داود» (889 - 891) .
بل إن في بعضها ما ينافي النهوض المذكور، وهو قوله في رواية شقيق عن ابن مسعود في آخر التشهد مرفوعاً:
«ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به» .
متفق عليه، (صحيح أبي داود 889) .
وليس هذا خاصاً بالتشهد الأخير كما يضن البعض؛ بل هو بإطلاقه يشمل التشهد الأول أيضاً؛ بل إن هذا قد جاء صريحاً في رواية أبي إسحاق عن الأسود ابن يزيد - والد عبد الرحمان شيخ ابن إسحاق! - عن ابن مسعود مرفوعاً بلفظ:
«إذا جلستم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله. . .» إلخ «ثم يتخير. . .» إلخ.
أخرجه الطبراني (9888، 9914) من طريق الثوري ويوسف بن أبي إسحاق؛ كلاهما عن الأسود قرنا به أبا الأحوص. زاد يوسف: وعمرو بن ميمون وأصحاب عبد الله: أنهم سمعوه يقول:. . . فذكره.
وصرح يوسف بإخبار هؤلاء لأبي إسحاق - وهو السَّبيعي -، فانتفت شبهة تدليسه.
والثوري سمع من السبيعي قديماَ، فانتفت شبهة اختلاطه.
فصح الإسناد والحمد لله.
على أنه قد تابعه شعبة قال: حدثنا أبو إسحاق: سمع أبا الأحوص قال: قال عبد الله:. . . فذكره.
أخرجه الطيالسي في «مسنده» (39 / 303) ، وكذا أحمد (1 / 437) وابن خزيمة في «صحيحه» (1 / 356 / 720) .
وإسنادهم صحيح على شرط مسلم.
ورواه الطبراني (9918) من طريق مرداذ بن جميل: حدثنا محمد بن مناذر: ثنا شعبة به؛ إلا أنه أدخل بين أبي الأحوص وابن مسعود أبا الكنود.
«لكن ابن مناذر هذا؛ قال الذهبي في الضعفاء عن ابن معين» :
وابن جميل؛ لم أجد له ترجمة، ولعله ممن أشار ابن معين إلى أنه لا خير فيهم؛ فمثل هذه الطريق مما لا وزن لها؛ ولا سيما مع مخالفتها رواية الطيالسي ومحمد بن جعفر عن شعبة.
وبالجملة؛ فهي نص في مشروعية الدعاء في كل تشهد؛ خلافاً لرواية ابن إسحاق الشاذة أو المنكرة.
وإن مما يؤكد خطأه في ذكر التورك في التشهد الأول - علاوة على ما سبق -: أنه هو نفسه - روى بسنده الصحيح عن رفاعة بن رافع في حديث المسيء صلاته: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
وهو مخرج في الإرواء (337) .
قلت: فالافتراش خلاف التورك، وقد اضطرب ابن إسحاق في أحاديثه فيها كما ترى.
والصواب الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة: أن الافتراش هو الأصل والسنة؛ على حديث ابن عمر المخرج في «الإرواء» (317)، ونحوه حديث عائشة الذي قبله (316) ؛ فيفترش في كل جلسة وفي كل تشهد؛ إلا التشهد الأخير الذي يليه السلام؛ كما جاء مفصلاً في حديث أبي حميد الساعدي: