المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[1] (قولهم في سائر): - شرح درة الغواص للشهاب الخفاجي

[الشهاب الخفاجي]

فهرس الكتاب

- ‌[1] (قولهم في سائر):

- ‌[2] (المتتابع والمتواتر)

- ‌[3] (معنى ازف الوقت)

- ‌[4] (إضافة أفعل التفضيل)

- ‌[5] (تغشرم وتغشمر)

- ‌[6] (اللتيا بفتح اللام لا بضمها)

- ‌[7] (والصواب يستحق لا يستأهل)

- ‌[8] (الفرق بين سهرنا وسرينا)

- ‌[9] (كلمات اتفق العرب على استعمالها)

- ‌[10] (استعمال قط وأبداً)

- ‌[11] يقال للمريض: مصح اف ما بك لا مسح

- ‌[12] آل حم وآل طس لا الحواميم والطواسين

- ‌[13] تعدية أدخل بالباء

- ‌[14] القول في مائدة وخوان

- ‌[15] في النسب إلى دواة

- ‌[16] قولهم: بعثت به وأرسلت إليه

- ‌[17] قولهم المشورة بوزن مفعلة خطا

- ‌[18] قولهم في التحذير بإياك

- ‌[19] قولهم ذهبت إلى عنده

- ‌[20] قولهم لمن تغير وجهه غضباً: تمغَّر

- ‌[21] استعمال اصفرَّ واحمرَّ واصفارَّ واحمارَّ

- ‌[22] اجتمع فلان وفلان لا مع فلان

- ‌[23] قل لقيتها وحدهما، ولا تقل: لقيتهما اثنيهما

- ‌[24] في الإخبار عن لعل بالفعل الماضي

- ‌[25] في التعجب من الألوان والعاهات

- ‌[26] وجوب تذكير كلمتي بطن وأنف

- ‌[27] حيازة لا إجازة

- ‌[28] الفرق بين الذاعر والداعر

- ‌من الكنايات المستحسنة:

- ‌مطلب مفيد

- ‌[29] هوش لا شوش

- ‌[30] الدعاء بقولهم: بلغك اف المأثور

- ‌[31] أضيف لا انضاف، وفسد لا انفسد

- ‌[32] صحة ضبط الأمر من بر وشم

- ‌[33] يقال، شر ولا يقال: أشر

- ‌[34] جمع ريح أرواح لا أرياح

- ‌[35]- صحة النطق في مدود ومسوس ومكرج

- ‌36 - غير لا تعرف بال

- ‌[37] قولهم في كبرى وصغرى

- ‌[38]- القول في تيامن وتشاءم

- ‌[39]- مشئوم لا مشوم

- ‌40 - سرداب بكسر السين لا بفتحها

- ‌[41]- تمييز كم الاستفهامية وكم الخبرية

- ‌[42]- القول في أرض جمع

- ‌[43]- الصواب حدث لا حدث

- ‌[44] هل تقع كلمة "نفر" تمييزا لعشرين وثلاثين

- ‌[45] صحة جمع "حاجة

- ‌[46]- شيء ثمين لا مثمن

- ‌[47] يقولون: هو قرابته والصواب ذو قرابته

- ‌[48]- صحة جمع رحى وقفا

- ‌[49]- جمع أوقية

- ‌[50]- اسم المفعول من صان

- ‌[51]- بين لا تضاف إلى مفرد

- ‌[52]- قل: بين بين، ولا تقل بين البينين

- ‌[53]- حكم مجيء إذ بعد بينا

- ‌[54]- تفل وثفل

- ‌[55]- قولهم: أزمعت المسير

- ‌56 - قولهم في أخدر، وحدر

- ‌[57]- جمع فم أفواه

- ‌[58]- صحة تصغير عقرب

- ‌[59]- النسب إلى دنيا

- ‌[60]- الفرق بين آليت والوت

- ‌[61]- الضبع لا الضبعة

- ‌[62]- أوهامهم في التاريخ

- ‌[63]- خرمش صوابها خربش

- ‌[64]- قولهم: ما رأيته من أمس ومنذ أمس

- ‌[65]- الفرق بين "تتابعت" وتتابعت

- ‌[66]- القسم بقولهم: وحق الملح

- ‌[67]- ها هو ذا لا هوذا

- ‌68 - تاعس لا متعوس

- ‌[69]- شعر ولا شعر

- ‌[70]- من أخطاء النسب

- ‌[71]- من أسماء الذهب

- ‌[72]- إدغام الحرف المضعف

- ‌[73]- قولهم للاثنين: ازددا

- ‌[74]- معنى نقل فلان رحله

- ‌[75] الفرق بين سائل وسأل

- ‌[76]- يوشك بكسر الشين لا بفتحها

- ‌[77]- خطأ كل من ثلجم وشلجم

- ‌[78]- الفيء والظل

- ‌[79]- تعريف العدد

- ‌[80]- صحة ضبط المنسوب إلي ملك

- ‌[81]- ساغ ولا انساغ

- ‌[82]- مثلوث لا مثلث

- ‌[83]- قمو لا قمى

- ‌[84]- رخل وليس رخلة

- ‌[85]- الرؤيا والرؤية

- ‌[86]- قولهم: قال فلان كيت وكيت

- ‌[87]- صحة ضبط مضارع ذخر

- ‌[88]- صحة تصغير مختار

- ‌[89]- قولهم في دستور بفتح الدال

- ‌90 - الإخبار عن كلا وكلتا

- ‌91 - أنت تكرم على لا تكرم على

- ‌92 - شغب بسكون العين لا بفتحها

- ‌[93]- سداد بالكسر لا بالفتح

- ‌نادرة لطيفة

- ‌[94]- الفرق بين رق ورك

- ‌[95]- هو معي لا عيان

- ‌[96]- أفراد الفعل مع الفاعل المثني والجمع

- ‌[97]- قولهم أحد حمي

- ‌[98]- قولهم: إلاه وإلاك

- ‌[99]- قولهم: هب أني فعلت

- ‌[100]- امرأة شكور وصبور

- ‌[101]- متى يستعمل الفعل «أخطأ»

- ‌[102]- الفرق بين نشب ونشم

- ‌[103]- وقولهم للأمر الغائب: يعتمد ذلك

- ‌[104]- المأصر بالكسر لا بالفتح

- ‌[105]- الوارد والصادر لا العكس

- ‌[106]- همزة الوصل لا تدخل على متحرك

- ‌[107]- تقول: استقبلت قافلة الحجاج لا ودعتها

- ‌[108]- تقول: هو أحسن إنصافً وليس أنصف منه

- ‌[109]- الفرق بين جنب واجنب

- ‌[110]- حذف ياء ثمان

- ‌[111]- قولهم: ابتعت عبداً وجارية أخرى

- ‌[112] صحة جمع بيضاء وسوداء

- ‌[113]- الطول والطوال

- ‌[114]- قولهم في نداء الأبوين

- ‌[115]- عيرته كذا لا بكذا

- ‌[116]- قولهم: ابدأ به أولا

- ‌[117]- سؤسن لا سوسن

- ‌[118]- مثل…جرى الوادي فطم على القليب

- ‌[119]- قولهم: طر شاربه

- ‌[120]- قولهم: ركض الفرس

- ‌[121]- قولهم حكني جسدي

- ‌[122] قولهم: سار ركاب السلطان

- ‌[123]- قولهم شطرنج بفتح الشين

- ‌فائدة

- ‌[124]- قولهم: سأل عنك الخير

- ‌[125]- قولهم: مطرمذ أو طرمذار

- ‌[126]- قولهم: هاتا بمعنى أعطيا

- ‌[127]- قولهم: رأيت الأمير وذويه

- ‌[128]- قولهم: الحوامل تطلقن

- ‌[129]- قولهم: شلت الشيء

- ‌[130]- القول في ها وهاء

- ‌[131]- قولهم: حسد حاسدك

- ‌132 - قولهم: أعطاه البشارة

- ‌[133]- قولهم: تفرقت الأهواء

- ‌[134]- قولهم تذكار بكسر التاء

- ‌[135]- الفرق بين أجلس واقعد

- ‌136 - قولهم: نعم من مدحت

- ‌[137]- قولهم: النسيان

- ‌[138]- قولهم: بين ظهرانيهم

- ‌[139]- قولهم: دخلت الشام

- ‌[140]- قولهم: قدم الحاج واحدًا واحدًا

- ‌[141]- قولهم لما يتعجل من الزروع، هرف

- ‌[142]- قولهم: أخ

- ‌[143]- قولهم في التأوه: أوه

- ‌[144]- قولهم: لقيته لقاة واحدة

- ‌[145]- قولهم: فلان يكدف

- ‌[146]- قولهم: بالرجل عنة

- ‌[147]- قولهم: صحفي

- ‌[148]- النسب إلى المركب

- ‌[149]- قولهم: غسلة بفتح الغين

- ‌[150]- قولهم: دابة لا تردف

- ‌[151]- اسم الآلة بكسر الميم لا بفتحها

- ‌[152]- قولهم: أعمل بحسب ذلك

- ‌[153]- قولهم: كثرت عيلة فلان

- ‌[154]- قولهم: فلان في رفهة

- ‌[155]- قولهم: ارتضع بلبنه

- ‌[156]- الفرق بين لدغ ولسع ونهش

- ‌[157]- قولهم: الحمد لله الذي كان كذا وكذا

- ‌[158]- قولهم: فلان شحاث

- ‌[159]- الفرق بين الفرث والسرجين

- ‌[160]- قولهم: جبة خلقة

- ‌[161]- قولهم: ثلاثة شهور وسبعة بحور

- ‌[162]- قولهم: معلول

- ‌[163]- قولهم: ما لي فيه منفوع ولا منفعة

- ‌[164]- قولهم للمريض: به سل

- ‌[165]- قولهم: حلا الشيء في صدري وبعيني

- ‌[166]- قولهم: مرايا في جمع مرآة

- ‌[167]- قولهم لفم المزادة: عزلة

- ‌[168]- قولهم: جاء القوم بأجمعهم

- ‌[169]- قولهم لمن انقطعت حجته: مقطع

- ‌[170]- قولهم: كلمته فاختلط

- ‌[171]- قولهم: الأسود والأبيض في الكناية عن العربي والعجمي

- ‌[172]- قولهم للمعرس: قد بنى بأهله

- ‌[173]- إمالة حتى ومتى

- ‌[174]- قولهم: قتله شر قتله بفتح القاف

- ‌[175]- إعراب أسماء الأعداد المرسلة

- ‌[176]- قولهم: ما أحسن لبس الفرس

- ‌[177]- قولهم: مائة ونيف بإسكان الياء

- ‌[178]- قولهم: هو يصبو عنه

- ‌[179]- قولهم، فعلته مجراك

- ‌[180]- قولهم الصيف ضيعت اللبن

- ‌[181]- قولهم: طرده السلطان

- ‌[182]- قولهم لما ينبت من الزرع بالمطر: بخس

- ‌[183]- قولهم: هاون وراوق

- ‌[184]- قولهم: شفعت الرسولين بثالث

- ‌[185]- قولهم للمدينة المشهورة: سامرا

- ‌[186]- قولهم لما يجمد من البرد: قريص

- ‌[187]- قولهم: قتله الحب

- ‌[188]- قولهم: ما يعرضك لهذا الأمر

- ‌[189]- قولهم: ما كان ذلك في حسابي

- ‌[190]- قولهم: تنوق في الشيء

- ‌[191]- قولهم للمخاطب: هم فعلت وهم خرجت

- ‌192 - قولهم قرضته بالمقراض وقصصته بالمقص

- ‌(193) قولهم في تصغير شيء وعين شوئ وعوينة:

- ‌(194) قولهم أشرف على الإياس

- ‌(195) قولهم: رزبطانة

- ‌(196) قولهم: جرح الرجل في ثديه

- ‌(197) قطع همزة الوصل في ابن وابنة واثنين واثنتين

- ‌(198) قولهم تجزت القصيدة

- ‌(199) جمع أسماء الأجناس

- ‌200 - الفرق بين نعم وبلى

- ‌[201]- الفرق بين مساء صباح مركبة ومضافة

- ‌[202]- الفرق بين الترجي والتمني

- ‌[203]- الفرق بين العَر والعُر

- ‌[204]- الفرق بين قولهم: بكم ثوبك مصبوغاً، ومصبوغ

- ‌[205]- الفرق بين لا رجل ولا رجل في الدار

- ‌[206]- الفرق بين مخوف ومخيف

- ‌[207] الفرق بين خلف وأخلف

- ‌[208]- الفرق بين (أو) و (أم) في الاستفهام

- ‌[209]- معنى بات فلان

- ‌[210]- معنى القينة

- ‌[211]- الراحلة اسم يقع على الجمل والناقة

- ‌[212]- البهيم لا يختص بالأسود

- ‌[213]- وهمهم: أن هوى لا يستعمل إلا في الهبوط

- ‌[214]- حذف الألف في بسم الله

- ‌[215]- حذف ألف ابن في كل موضع

- ‌[216]- حذف ألف «الرحمن»

- ‌فائدة:

- ‌[217]- فصل «ما» عما قبلها ووصلها

- ‌[218]- حذف نون «أن» مع لا

- ‌[219]- وصل (لا) بهل وبل وفصلها

- ‌[220]- ما يكتب بواو واحدة وما يكتب بواوين

- ‌[221]- كتابة الألف المقصورة

- ‌[222]- ما يجب أن يكتب موصولا

الفصل: ‌[1] (قولهم في سائر):

ما أحصاه المؤلف من أوهام

[1](قولهم في سائر):

فمن أوهامهم الفاضحة وأغلاطهم الواضحة أنهم يقولون: قدم سائر الحاج واستوفى سائر الخراج، فيستعملون "سائر" بمعنى الجميع وهو في كلام العرب بمعنى الباقي، ومنه قيل لما يبقى في الإناء: سؤر.

ــ

(يقولون قدم سائر الحاج) - الحاج هنا اسم جمع بمعنى الحجاج ولذا صح إضافة سائر إليه ويكون مفرداً. وفي "الصحاح" الحاضر الحي العظيم يقال: حاضر حي وهو جمع كما يقال سامر للسمار وحاج للحجاج اهـ (فيستعملون سائراً بمعنى الجميع وهو كلام العرب بمعنى الباقي) الكلام على سائر من ثلاثة أوجه: اشتقاقه، وإطلاقه على الجميع، وعمومه لكل باق قل أو كثر وضده.

(الأول): اختلف في اشتقاقه فقيل من السؤر وهو ما بقي في الإناء فعينه همزة، وقال "أبو علي الفارسي": هو معتل العين من سار يسير ومعناه جماعة يسير فيها هذا الاسم ويطلق عليها، ورد كونه من السؤر من وجهين:

أحدهما أن السؤر بمعنى البقية، والبقية تقتضي الأقل، والسائر يقتضي الأكثر.

والثاني: أنهم حذفوا عينه في قوله: "فهي أدماء سارها"، وإنما ذلك لكونها لما

ص: 47

والدليل على صحة ذلك أن النبي عليه السلام قال "لغيلان" حين أسلم وعنده عشرة نسوة "اختر أربعاً منهن وفارق سائرهن" أي من بقي بعد الأربع اللائي تختارهن، ولما وقع سائر في هذا الموطن بمعنى الباقي الأكثر منع بعضهم من

ــ

اعتلت بالقلب اعتلت بالحذف، ولو كانت عينه همزة [في الأصل] لم يجز حذفها، كذا نقله "ابن بري" عنه. وفيه أنه لا يلزم من الاشتقاق إلا الملاقاة في أصل المعنى لا المساواة من كل الوجوه ولما يلزمه على هذا من الجمع بين إعلالين.

(الثاني): أنكر قوم إطلاقه على الجميع بناء على أنه من السؤر وهو البقية، وأجازه "أبو علي" ومن تبعه، إما بناء على أنه من سار يسير كما سمعته آنفاً واستدلوا عليه بأبيات منها قول "ابن الرقاع":

(وحجرا وزباناً واربد ملقط

توفي فليغفر له سائر الذنب)

وقول "ابن أحمر": (فلن تعدموا من سائر الناس راعياً

ص: 48

استعماله بمعنى الباقي الأقل. والصحيح أنه يستعمل في كل باق أو كثر لإجماع أهل اللغة على أن معنى الحديث إذا شربتم فأسئروا أي أبقوا في الإناء بقية ماء،

ــ

في أبيات أخر لا يخلو بعضها من نظر، أو أنه لا مانع من كون الباقي جميعاً باعتبار آخر، لكونه جميع ما بقي أو ترك ونحوه، فتجوز به عن مطلق الجميع وهذا أسهل مما مر.

الثالث: ظن قوم أنه مختص بالأكثر استدلالاً بما وقع في حديث "غيلان" حين أسلم وعنده عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اختر أربعاً [منهن] وفارق سائرهن وارتضاه "أبو علي"وابن دريد" وقالوا: سائر معظمه واستدلوا بقول "مضرس":

(فما حسن أن يعذر المرء نفسه

وليس له من سائر الناس عاذر)

وسيأتي ما في كلام المصنف من الإشارة إلى رده. (قال لغيلان حين أسلم إلى آخره). "غيلان بن سلمة" الثقفي الصحابي وهو الذي أسلم وعنده عشر نسوة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسك أربعاً ويفارق سائرهن. فقال فقهاء الحجاز: يختار أربعاً. وقال فقهاء العراق: بل يمسك التي تزوج أولاً ثم التي تليها إلى الرابعة. واحتج فقهاء الحجاز بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يستفصل أيتهن تزوج أولاً وترك الاستفصال دليل على أنه مخير، حتى قال أهل

ص: 49

لأن المراد به أن يشرب الأقل ويبقى الأكثر، وإنما ندب للتأدب بذلك لأن الإكثار من المطعم والمشرب منبأة عن النهم وملأمة عند العرب، ومنه ما جاء في حديث "أم زرع" عن التي ذمت زوجها فقالت:"إن أكل لف وإن شرب اشتف" أي تناهى في الشرب إلى أن يستأصل الشفافة وهي ما يبقى من الشراب في الإناء،

ــ

الأصول: ترك الاستفصال في حكايات [وقائع]- الأحوال مع الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما في "الروض الأنف" وله تفصيل ليس هذا محله. (والصحيح أنه يستعمل في كل باق أو كثر لإجماع أهل اللغة على أن معنى الحديث إذا شربتم فأسئروا أي أبقوا في الإناء بقية ماء [لأن المراد به أن يشرب الأقل ويبقي الأكثر]. اعترض عليه "ابن هشام" وغيره بأنه كلام مختل لأنه يقتضي كون سائر من السؤر، وكون معنى أسئروا أبقوا الأقل يقتضي أن يكون سائر للأقل ولم يقل به أحد، وإنما قيل إنه للجميع أو للأكثر، فهذا لا يدل له ولا لغيره. والذي خيل له أنه قد ثبت بقوله [صلى الله عليه وسلم]:"وفارق سائرهن" أنه يستعمل للأكثر وباشتقاقه من أسئروا أنه يستعمل للأقل وهذا خلف؛ لأن ما اشتق من شيء لا يخرج عن معناه، والجواب أن المدعي أن سائرا بمعنى البقية وأنها من السؤر بمعنى البقية أيضاً وإطلاقها على الكثير لا نزاع فيه. ومحل النزاع الإطلاق على القليل. فاستشهد عليه بإطلاق السؤر على القليل ولم يتعرض لإقامة دليل على أن السؤر يستعمل بمعنى الكثير، وقد ثبت عن "أبي

ص: 50

ومما يدل على أن سائراً بمعنى باق ما أنشده سيبويه:

(ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه

وسائره باد إلى الشمس أجمع)

ويشهد بذلك أيضاً قول "الشنفري":

ــ

علي" اختصاصه بالقليل. اهـ. وهذا غريب منه فإنه نص على أن السؤر في الحديث شامل للقليل والكثير بإجماع أهل اللغة. نعم قول "أبي علي" يبطل إجماعه ولو استند في ذلك إلى سماع كان أقوى لما في دليله مما لا يخفى، مع أن أخذه من السؤر غير متعين، واعلم أن "ابن السيد" قال في شرح "السقط" قال النحويون: سائر لا تضاف إلا إلى شيء قد تقدم ذكر بعضه كقولك رأيت فرسك وسائر الخيل [ولو قلت: رأيت حمارك وسائر الخيل] لم يجز لأنه لم يتقدم للخيل ذكر؛ ولكن إن قلت: رأيت حمارك وسائر الدواب جاز، ويخالف هنا قول "المعري":

(كم جاوزن من بلد بعيد

وسائر نطقنا هيد وهاد)

ص: 51

(ولا تقبروني إن قبري محرم

عليكم ولكن أبشري أم عامر)

(إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري

وغودر عند الملتقي ثم سائري)

فعني كل شاعر بلفظ سائر ما بقي من جثمانه بعد إبانة رأسه وقد اشتملت

ــ

لأنه لم يتقدم للنطق ذكر، وإنما جاز هذا لأنه جعل سائراً بمعنى الأكثر والأعظم فكأنه قال: وأكثر نطقنا إلى آخره، وإذا كان أكثره هذا علم أن أقله بخلافه، فهذا كلام محمول على المعنى اهـ. (وإنما نذب إلى التأدب بذلك لأن الإكثار من المطعم والمشرب منبأة عن النهم) المراد بكونه منبأة أنه يدل عليه كما يقال: الولد مبخلة مجبنة، وسيأتي تحقيقه، والنهم الحرص على المطعم والمشرب، وهذا وجه وجيه، وفيه وجه آخر وهو أن قعر الإناء لا يخلو من قذى كدر فتركه أبعد من الكدر كما قيل:

(العمر كالكأس تستحلى أوائله

لكنه ربما مجت أواخره)

(ما جاء في حديث "أم زرع" عن التي ذمت زوجها: فقالت إن أكل لف وإن شرب اشتف إلى آخره) يستأصلها بمعنى يفنيها، وأصله أخذ الشيء بأصله ثم كنى به عن أخذ الجميع. وحديث "أم زرع" حديث صحيح مشهور وقد ذكر بطوله في الشمائل [مروياً] عن "عائشة" رضي الله عنها. وفيه أن إحدى عشرة امرأة تعاهدن على أن لا يكتمن شيئاً من أخبار أزواجهن، فقالت كل واحدة منهن ما قالت من مدح أو ذم على ما فصل فيه، فقالت السادسة: زوجي إن أكل لف وإن شرب اشتف وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم [البث]. ورمته بالشر وقلة الشفقة عليها، وأنه إذا رآها عليلة لم يدخل يده في ثوبها ليجسها فيتوجع لما بها كما جرت العادة كذا في

ص: 52

هذه الأبيات على ما يقتضي الكشف عنه لئلا يحتضن هذا الكتاب ما يلتبس شيء منه. أما قول الشاعر الأول:

(ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه)

فإنه أراد به مدخل رأسه الظل، فقلب الكلام، كما يقال: فأدخلت الخاتم في إصبعي، وحقيقته إدخال في الخاتم وقلب الكلام

ــ

"الفائق" - واللف أكل الأخلاط من الطعام، والاشتفاف شرب ما في الإناء كله، والبث الحزن. قيل [وهو] يحتمل الذم كما قلناه، وإليه ذهب المصنف، ويحتمل المدح أيضاً، بأن يراد أنه لا يمنع حق العيال ولا يدخر لغد شيئاً ولا يسأل عن حزنها ومرضها المانع له عن مضاجعتها. وهو بعيد. وفي "شرح مسلم للنووي": اللف في الطعام الإكثار منه مع التخليط من صنوفه حتى لا يبقى شيئاً، والاشتفاف في الشرب أن يستوعب جميع ما في الإناء، مأخوذ من الشفافة - بضم الشين - وهو ما بقي في الإناء من الشراب، فإذا شربها قيل: اشتفها وتشافها، وقولها: لا يولج الكف إلى آخره. قال "أبو عبيدة": أحسب أنه كان بجسدها عيب بجسدها أو داء تكتئب به لأن البث الحزن. فكان لا يدخل يده في ثوبها ليمس ذلك فيشق عليها فوصفته بالمروءة وكرم الخلق. وقال "الهروي" قال "ابن الأعرابي": هذا ذم له، أرادت وإن اضطجع ورقد التف في

ص: 53

من سنن العرب المأثورة، وتصاريف لغتها المشهورة ومنه في القرآن {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} لأن تقديره ما إن العصبة لتنوء بمفاتيحه أي تنهض بها على تثاقل.

ــ

ثيابه في ناحية ولم يضاجعها ليعلم ما عندها من محبته. قال: ولا بث هناك إلا محبتها الدنو من زوجها ، وقال آخرون: أرادت أنه لايتفقد أموري ومصالحي. وقال "ابن الأنباري": رد "ابن قتيبة" على "أبي تأويله لهذا الحرف وقال: كيف تمدحه وقد ذمته في صدر الكلام؟ ولهذا نسب الحديث إليها وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة حين حدثها بهذه القصة: كنت لك كأبي زرع لأم زرع، وهذا الحديث مشهور، وقد صنف القاضي "عياض" في شرح هذا الحديث تأليفاً مستقلاً، واسم أم زرع "عاتكة" والزرع: الولد:

(ترى الثور فيها يدخل الظل رأسه

سائره باد إلى الشمس جمع)

ص: 54

وأما قول "الشنفري": ولكن أبشري أم عامر، فقد اختلف في تفسيره فقيل إنه التفت عن خطاب قومه إلى خطاب الضبع فبشرها بالتحكيم فيه إذا قتل ولم يقبر، وأم عامر كنية الضبع، والالتفات في المخاطبة نوع من أنواع البلاغة وأسلوب من أساليب الفصاحة وقد نطق القرآن به في قوله تعالى:{يوسف أعرض عن هذا استغفري لذنبك} فحول الخطاب عن يوسف عليه السلام إلى امرأة العزيز.

ــ

حمله المصنف على القلب ولم يتركه على ظاهره ويجعل الإضافة على معنى في بدون قلب تبعاً "السيبويه"، فأصله مدخل رأسه الظل، والرأس مفعول أول فقلب كما في قولهم: أدخلت الخاتم في إصبعي، وفي شرح الكتاب "للشلوبيين" إن قيل ما دعاه إلى مفعول، فكان أصل قولك مدخل رأسه دخل رأسه في الظل، ثم نقلها بهمزة فصير الفاعل مفعولا، فقيل: أدخل رأسه الظل، وقدم المفعول الثاني وذلك جائز، وصاغ من الفعل اسم فاعل وأضافه إلى الذي يليه كما في الآية. والجواب: أنه ليس مثله لأنه لا يصل إلى الظل إلا بعد إسقاط حرف الجر، [والمفعول المسقط منه حرف الجر لا] يقام مقام الفاعل مع الذي يصل إليه بنفسه، ولا يضاف إليه مع وجوده بخلاف ما في الآية، لأن الفعل يصل إليه ابتداء بنصبه وإن كان أحدهما فاعلاً معنى فهو الأولى أن يضاف إليه وأن يقام مقام الفاعل. لكن هذا العمل في العمل في الأخير جائز بخلاف ما في البيت [فلذا حمله المصنف

ص: 55

وقيل: بل الخطاب كله لقومه، فكأنه قال: لا تقبروني إذا قتلت، ولكن اتركوني للتي يقال لها: أبشري أم عامر، فجعل هذه الجملة لقباً لها.

ــ

على القلب اهـ]. والمراد بالثور الثور الوحشي وضمير فيها للفلاة، أو هاجر مر ذكرها والظل ظل كناسه، أي يدخل رأسه فيه لشدة الحر وبترك بقية جسمه في الشمس، وباد بمعنى ظاهر وأجمع توكيد لسائر، ثم ذكر بيتين للشنفري وهما:

(فلا تقبروني إن قبري محرم

عليكم ولكن أبشري أم عامر)

(إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري

وغودر عند الملتقى ثم سائري)

وتمامه:

(هنالك لا أرجو حياة تسرني

سجين الليالي مبسلا بالجرائر

قبرت الإنسان: دفنته، وأقبرته: جعلت له موضع قبر. يريد أنه يقتل ويترك بالعراء، لا شقيق ولا حميم عنده، لأن عشيرته خذلته وأسلمته للجرائر، فخاطبهم بذلك مظهرا الاستغناء عنهم حياً وميتاً. فرفع نفسه عن الاستناد لهم. وثم بفتح الثاء المثلثة إشارة إلى المعركة، وروي بضمها على أنها عاطفة على الضمير المرفوع بدون تأكيد على ضعف فيه، أو هو معطوف على راسي، والأول أجود. وهناك إشارة إلى الوقت الذي يدنو فيه الأجل، لا لما بعد القتل، وهو ظرف لأرجو. وسجيس الليالي بمعنى امتداد، ولذا استعمل في التأبيد، فيقال: سجيس الليالي أي دائماً، وأبسلوا بمعنى أسلموا. قاله "المرزوقي".

ص: 56

وأوردها على وجه الحكاية، كما قيل "لثابت بن جابر الفهمي" تأبط شراً، بأخذه سيفا تحت إبطه، وإنما لقبت الضبع بذلك لأن من عادة من يروم اصطيادها من وجارها أن يقول لها حين يحتفر عنها: أبشري أم عامر، خامري أم عامر،

ــ

[وإذا احتملت رأسي ظرف لتقبروني، أو للخبر المقدر، أو لأبشري]، وسيأتي لهذا تتمة ومنه في القرآن {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة} أولى القوة لأن تقديره ما إن العصبة لتنوء بمفاتحه أي تنهض بها على تثاقل. قال "ابن عباس": تنوء بالعصبة أي تثقلهم، أما سمعت قول "امرئ القيس":

(تمشي فتثقلها عجيزتها

مشي الضعيف ينوء بالوسق؟ والمفاتح جمع مفتح بالكسر، اسم آله يفتح به، وقيل خزائنه، وقياس واحده لمفتح بالفتح، وكونه من القلب بناء على تفسير تنوء بتنهض كما ذهب إليه بعض أهل ناء به إذا أثقله حتى أماله، وقرى: لينوء بالياء لاكتسابه التذكير من المضاف

ص: 57

وهي تبتعد منه وتروغ عنه وهو لا يزال يكرر عليها ويؤنسها به إلى أن تبرز إليه وتسلم نفسها له ولأجل انخداعها بهذا القول نسبت إلى الحمق وضرب بها المثل فيه، وأما قوله: وفي الرأس أكثري فإنه عنى به أن فيه أربعاً من الحواس الخمس التي بها كملت فضيلة الإنسان وامتاز عن سائر الحيوان، وإنما اختار هذا الشاعر تسليط

ــ

وقال "الزمخشري" في شرح "مقاماته": ناء به أماله، ومنه لتنوء بالعصبة أي تميلهم لثقلها فلا يقدرون على النهوض بها، ومنه قولهم: فعله على ما ينوؤه للازدواج، ويجوز أن يكون إتباعاً للتوكيد لا غير اهـ. ولا يرد عليه اعتراض مما قيل إن الإتباع لا يعطف كغيره من أنواع التوكيد لأنه وإن اشتهر لا أصل له، فقد ذكر في كتاب الإتباع أن الأكثر فيه عدم العطف وقد يعطف، ومثله لا يقرع له العصا. وأما قول الشنفري، ولكن أبشري أم عامر فقد اختلف فيه، فقيل: إنه إن التفت عن خطاب قومه إلى خطاب الضبع فبشرها بالتحكم فيه إذا قتل ولم يقبر، و"أم عامر" كنية الضبع على عادة العرب في وضع الكنى لما لا يعقل، "كأم ملدم" للحمى، و"أبو يحيى" للموت، وفي كتاب الذيل والصلة:

ص: 58

الضبع على أكله، وأن لا يقبر بعد قتله ليكون هذا الفعل أوجع لقلوب قومه وأدعي لهم إلى الثؤور بدمه، وقد فسر بغير ذلك إلا أنا لم نضع هذا الكتاب لهذا الفن فنستقصي فيما نشرح منه، وإنما شذرناه بما نظمنا من غير سمط فيه.

ــ

عامر جرو الضبع، ولم يعرف [بال] لإجرائه مجرى العلم. (والالتفات في المخاطبة نوع من أنواع البلاغة) والبيت حينئذ مبني على كلامين، كأنه قال: لا تدفنوني مخاطباً أصحابه، ثم أقبل على الضبع فقال أبشري أم عامر، فإنك تأكلين مني فهو من تحويل الكلام عن شيء إلى آخر، يقال بشرته فأبشر، وبشرته مخففاً فاستبشر، وحكي: أبشرته أيضاً ومن هنا علم أنه إذا ذكر أمر ثم ذكر بعده أمر آخر ولم يوقع في لبس فذكره بنداء آخر غير لازم كما في هذا الشعر، ففي مثله أربعة أوجه. فلو ألبس كما في نحو: اقبل يا زيد واذهب يا عمر لزم ذلك. فمن ظنه لازماً مطلقاً فقد غفل، فإن قلت: المخاطب في الثاني هو الضبع وهو غير الأول أعني القوم فكيف يكون التفاتاً؟ قلت: هذا نوع من تلوين الخطاب لغذاء العقول والأفهام كما يكون لغذاء الأشباح الطعام والأدباء تسميه التفاتاً، وليس هو الالتفات المشهور

ص: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

عند أهل المعاني كما نص عليه الواحدي بل هو الانتقال من خطاب إلى خطاب آخر غيره. والأدباء إذا أطلقوا الالتفات إنما يعنون هذا، وقد صرح به في بعض شروح "التلخيص". و"الشنفري" بالقصر لقب لهذا الشاعر ومعناه عظيم الشفه، واسمه ثابت بن جابر وهو أحد لصوص العرب وشجعانها قديماً، وشعره مشهور ومنه لامية العرب المشهورة. ولما أرادوا قتل الشنفري قالوا له أنشدنا فقال: إنما النشيد من المسرة فصارت مثلاً وقيل بل الخطاب كله لقومه فكأنه قال: "لا تقبروني إذا قتلت ولكن اتركوني للتي يقال لها أبشري أم عامر فجعل هذه الجملة لقباً لها". هذا مذهب الخليل وقد نقله عنه "سيبويه" في "الكتاب"، وارتضاه "المرزوقي" و"صدر الفاضل" قال في شرح "الحماسة": أي ولكن الضبع تأكل لحمي فأبشري أم عامر جعله لقباً للضبع، فهو مبتدأ

ص: 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

خبره محذوف وهو تأكلني وتتولى أمري فصار "كتأبط شراً" وإنما لقبها بذلك لأن العادة في اصطيادها أن يقصدوا وجارها ويحفروا وهي تتأخر شيئاً فشيئاً فيقول لها الصائد: أبشري أم عامر خامري أم عامر، ولا يزال يكرر ذلك حتى ينتهي إلى آخره، فتخرج وتؤخذ، وهذا وجه حسن ذهب إليه حذاق أهل المعاني.

وحكى سبيويه في قول "الأخطل". فأبيت لا حرج ولا محروم

أنه أراد: فأبيت [بيات] الذي يقال له: لا حرج ولا محروم، فحكى ذلك الكلام وكنى به عن الضبع اهـ.

وبهذا تبين وجه ما ذكره المصنف وأنه غير منافٍ لقوله: "أم عامر" كنية الضبع وأن قوله في "الحواشي" توهم في قوله أم عامر إنه لقب للضبع، كتأبط شراً ليس بشيء، لأن تأبط شراً جملة جعلت علماً له، وأما الضبع فاسمها أم عامر، ويقال لها عند إحساس الإنسان بالقتل وتحكمها فيه: أبشري أم عامر اهـ. ليس بذلك لأنك قد عرفت أنه مذهب "الخليل" و "سيبويه"، وهو لم ينف كون أم عامر لقباً وإنما جعل ما قصد حكايته بمنزلة اللقب، كما نص عليه في "الكتاب"، وتأبط شراً لقب للشاعر المشهور، لقبته به أمه لوجوه ذكرها الرواة منها أنه تأبط سيفه أي أخذه تحت إبطه فسئلت عنه فقالت ذلك، وقيل لتأبطه بحية، وقيل غير ذلك.

ص: 61