الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[46]- شيء ثمين لا مثمن
ويقولون لما يكثر ثمنه: مثمن، فيوهمون فيه لأن المثمن على قياس كلام العرب هو الذي صار له ثمن ولو قل، كما يقال: غض مورق إذا بدا فيه الورق، وشجر مثمر إذا أخرج الثمرة، والمراد به غير هذا المعنى، ووجه الكلام أن يقال فيه: ثمين، كما يقال: رجل لحيم إذا كثر لحمه، وكبش شحيم إذا كثر شحمه، وفي كلام بعض البلغاء: قدر الأمين ثمين وقد فرق أهل اللغة بين القيمة والثمن فقالوا: القيمة ما يوافق مقدار الشيء ويعادله، والثمن ما يقع به التراضي مما يكون وفقا له أو أزيد عليه أو أنقص منه، فأما قول الشاعر:
(وألقيت سهمي وسطهم حين أوخشوا
…
فما صار لي في القسم إلا ثمينها)
فإنه أراد به الثمن، كما يقال في النصف نصيف وفي العشر عشير.
ــ
(ويقولون لما يكثر ثمنه: مثمن، فيوهمون، لأن المثمن على قياس كلام العرب هو الذي له ثمن ولو قل، كما يقال: غصن مورق إذا بدا فيه الورق وشجر مثمر إذا أخرج الثمر، والمراد به غير هذا المعنى، ووجه الكلام فيه أنه يقال: ثمين).
قال "ابن بري": وقياسه ثمين على لحيم وشحيم يقضي بأن فعله ثمن كشحم ولحم، ولم أر أحدا من أهل اللغة ذكره، فإن صح ثمن فهو على ما قاله، وإن لم يصح حمل على أثمنته في متاعه إذا غاليت ورفعت السوم فيه، فيكون على هذا مثمن بمعنى مغالى فيه ومرفوع سومه، ويكون ثمين ومثمن مثل عتيد ومعتد وحبيس ومحبس وبهيم ومبهم. اهـ يعني يكونان بمعنى.
ولا يصح ما قاله "الحريري" من الفرق بينهما، ولكن أول كلامه غير ظاهر؛ لأن مثمنا في كلامه بكسر الميم كمورق ومثمر، فكيف يصح أن يكون من ثمن فإنه من أثمن؟ .
وتمثيل "المحشي" بشحيم ولحيم إنما هو لمجرد كون فعيل للمبالغة، وفي "القاموس" أثمن له وأثمنه أعطاه الثمن، لازم ومتعد، فمثمن بكسر الميم بمعني ذي ثمن غاليا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كان] أو رخيصا، ومثمن أيضا بفتحها كذلك لأنه ورد متعديا. نعم، استعماله في أحد أفراده وهو الغالي الثمن بقرينة لا بدع فيه، وعليه قوله "ابن النبيه":
(ولم أر قبل مبسمه
…
صغير الجوهر المثمن)
وهو معنى بديع كرره فقال في بعض قصائده:
(وما كنت أدري قبل جوهر ثغرها
…
بأن نفيسات اللآلى صغارها)
وكون أثمن بمعنى غالى في الثمن كما في "عمدة الحفاظ" وأهمله غيره، وقال "السرقسطي" في "أفعاله": أثمنت له متاعه وأثمنته غاليت، فيصح أن يقال: مثمن بالفتح لما كثر ثمنه، والشخص مثمن بالكسر والمتاع أيضا على النسبة أو المجاز، فمثمن في كلامهم جار على ذلك من غير تأويل، ويكون بمعنى شيء له ثمن كما في "المعرب".
وثمين بالمعنى الذي ذكره أثبته في "الروض الأنف" وقال: ثمين ككريم وثمان ككرام، وأما قول من قال: ثمين من ثمن لكنهم أماتوا فعله فتكلف، ومنه علم جواب ما مر.
بقي هنا بحث وهو أن المصنف ذكر أن فعيلا بمعنى مفعول يفيد المبالغة كثمين بمعنى كثير الثمن، وقد ذكره غيره من النحاة إلا أن "بدر الدين بن مالك" قال: إنهم قالوا: صيغة فعيل للمبالغة سواء كانت بمعنى فاعل أو مفعول، وليس كذلك، فإنها تفيد المبالغة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا كانت بمعنى فاعل، فإذا كانت بمعنى مفعول لا تدل عليها، ألا ترى أن قتيلا بمعنى مقتول بلا تفاوت بينهما بوجه من الوجوه؟ فالصواب ألا يطلق هذا الحكم.
أقول: لك أن تقول: إنه بمعنى مفعول يفيد المبالغة أيضا، والمبالغة تكون كما وكيفا، بالقوة والكثرة، والقتل لما كان إزهاق الروح بفعل الغير وذلك غير متفاوت، وتفاوت الوسائل ليس ذاتيا، ولك أن تقول: المبالغة لأنه أمر عظيم مهول عند كل أحد ولا يلزم تفاوت أفراده فتدبر.
وقوله (شجر مثمر إذا أخرج الثمر) استعمل فيه أثمر متعديا، وقد اتفق أهل اللغة على أنه لازم بمعنى صار ذا ثمر، قال تعالى:{كلوا من ثمره إذا أثمر} [الأنعام: 141] وقد استعمله بعض الفصحاء والثقات متعديا، إلا أنه لا يحتج بكلامه كقول "ابن المعتز"
(وغرس من الأحباب غيبت في الثرى
…
فأسقيه أجفاني بسح وقاطر)
(فأثمر هما لا يبيد وحسرة
…
بقلبي بجنيها بأيدي الخواطر)
وقال "مهيار":
(لنا في كفالات الأمير غرائس
…
ستثمر خيرا والكريم كريم)
وقول "ابن نباتة السعدي":
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(وتثمر حاجة الإنسان نجحا
…
إذا ما كان فيها ذا احتيال)
وفي "الدمية""لمحمد بن الأشرس":
(كأنما الأغصان لما علا
…
فروعها تطر الندى ثرا)
(ولاحت الشمس عليها ضحا
…
زبرجد قد أثمر الدرا)
وقال "أبو سعد": قوله: أثمر الدر لا يستقيم في النحو، لأنه لا يقال: أثمرت النخلة المثمرة، إنما أثمرت ثمرا بغير ألف ولام، بمعنى أثمرت بالثمر. اهـ.
قلت: هو عجيب من مثله، فإنه إذا لم تعد [الفعل] بنفسه لم ينصب مفعولا سواء كان معرفة أو نكرة، وكذا إذا نصب بنزع الخافض، ففرقه بينهما على هذا لا وجه له.
وقد يقال: إنه متعد ترك مفعوله فظن لازما، أو أنه ترك لعدم الحاجة إليه، فإذا احتيج إليه بأنه كان مفعولا مجازيا، كما في الأبيات المذكورة يذكر، وقد استعمله
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشيخ "عبد القاهر" و"السكاكي" متعديا، وفي شروح "المفتاح" استعمل المصنف الإثمار متعديا بنفسه في مواضع من هذا الكتاب، فلعله ضمنه بمعنى الإفادة، أو جعله متعديا بنفسه، وفيه نظر.
(قد فرق أهل اللغة بين القيمة والثمن، فقالوا: القيمة ما يوافق مقدار الشيء ويعادله، والثمن ما يقع به التراضي مما يكون وفقا له أو أزيد عليه أو أنقص منه).
هذا الفرق موافق لاستعمال العرف ولأصل وضع اللفظ، لأن القيمة مأخوذة من المقاومة، وفي "المصباح": القيمة الثمن الذي يقاوم المتاع أي يقوم مقامه، والجمع قيم، كسدرة وسدر، ووقوعهما بمعنى لا يضر؛ لأن التجوز والتسمح باب واسع، وقول بعض الفقهاء: مثمون بمعنى مثمن غلط كما في "المغرب".
(فأما قول الشاعر:
(فألقيت سهمي وسطهم حين أوحشوا
…
فما صار لي في القسم إلا ثمينها)
هذا من شعر "لابن الطثرية" وأوحشوا بمعنى ردوا سهان الميير في خريطتها، والقسم بالفتح بمعنى المقاسمة، كما قاله "ابن بري".