الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
136 - قولهم: نعم من مدحت
ويقولون في جواب من مدح رجلاً أو ذمه: نعم من مدحت وبئس من ذممت، والصواب أن يقال: نعم الرجل [من] مدحت، وبئس الشخص من ذممت، كما قال "عمرو بن معدي كرب" وقد سئل عن قومه: نعم القوم قومي عند السيف المسلول والمال المسئول.
ويكون تقدير الكلام في قولك نعم الرجل زيد أي الممدوح من الرجال زيد، وقد يجوز أن يقتصر على ذكر الجنس، ويضمر المقصود بالمدح والذم اكتفاء بتقدم ذكره، فيقال: نعم الرجل وبئس العبد، كما جاء في التنزيل:{ووهبنا لدود سليمان نعم العبد} ، أي نعم العبد سليمان، فحذف اسمه لتقدم ذكره وعلم المخاطبين به.
ــ
(ويقولون في جواب من مدح رجلا أو ذمة: نعم من ممدحت وبئس من ذممت، والصواب أن يقال: نعم الرجل من مدحت وبئس الرجل من ذممت).
هذا من تكثير السواد بتكدير موارد السداد بما لا طائل تحته.
قال في شرح "التسهيل": لا يمتنع عند "المبرد" و"الفارسي" إسناد نعم وبئس إلى الذي الجنسية، نحو نعمالذي يأمر بالمعروف زيد، أي الآمر بالمعروف على قصد الجنس، ومنع كون الذي فاعل نعم وبئس مطلقا الكوفيون وجماعة من البصريين منهم "ابن السراج" و"الجرمي" وأجاز قوم من النحويين ذلك في "من وما" الموصولين مقصودًا بهما الجنس وعليه "ابن مالك" واستشهدوا لجوازه وجواز المضاف إليه بقول الشاعر:
(فنعم مذكاء الإسناد من ضاقت مذاهبه
…
ونعم من هو في سر وإعلان)
والأصل في ذلك أن نعم وبئس فعلان وضعا للمدح والذم بعدما نقلا عن أصليهما وهما النعم والبؤس، وفاعلهما لا يكون أبدًا إلا معرفًا بالألف واللام اللتين هما للجنس، أو ما أضيف إلى ما هما فيه كقولك: نعم الرجل زيد، ونعم صاحب العشيرة عمرو، أو يضمر هذا الاسم على أن تفسيره نكرة من جنسه فينصب على التمييز، كقوله تعال:{بئس للظالمين بدلا} أي بئس البدل بدلا، فأضمره وفسره بالنكرة المنصوبة من جنسه.
ومنع أهل العربية أن يكون فاعل هذين الفعلين مخصوصًا، ولهذا لم يجيزوا أن يقال: نعم زيد ولا نعم أبو علي [حتى يقال: نعم الرجل زيد ونعم الرجل أبو علي، ويكون تقدير الكلام: الممدوح في الرجال زيد، وإنما جوز نعم ما صنعت لدلالة الفعل الموجود على الاسم المحذوف، إذ تقدير الكلام نعم الفعل ما فعلت،
ــ
ولو لم يصح الإسناد لم يصح ما أضيف إليه.
وقوله: (ينصب على التمييز) ليس بصحيح لأن التمييز لا يكون إلا بنكرة صالحة لقبول أل.
والمراد بأهل العربية أهل البصرة.
وبما قررناه لك أولاً عرف ما في كلام المصنف من القصور، ثم إنه قال: نعم للمبالغة في المدح كبئس للمبالغة في الذم، ورد على من قال: إنهما للاقتصاد في ذلك، وتخطئة من قال في حق "علي": نعم الرجل، وقد قال - جل من قائل -:{نعم المولى ونعم النصير} .
وعندي أنها بحسب الوضع تفيد المبالغة إلا أنها بحسب العرف ليست كذلك حتى لو قال أحد لآخر: نعم أنت وبخه على ذلك، فلم يتوارد كلام الأموي و"شريك" على محل واحد، وكذا كلام المصنف لم يصب محزه - فتدبر.
فكأن المضمر المحذوف بمنزلة المتلفظ به.
ومنع "علي بن عيسى الربعي" من جواز ذلك، وقال: تصحيح الكلام نعم ما فعلت، لتكون (ما) الأولى بمعنى شيء كما أنها في التعجب بمعناه، ويصير تقدير الكلام نعم شيء شيئًا صنعت، فيناسب قولهم: نعم رجلاً زيد].
وكذلك امتنعوا أن يقولوا: نعم هذا الرجل، لأن الرجل ههنا صفة لهذا واللام فيه لتعريف الإشارة والخصوص، ومن شرطية لام التعريف الداخلة على فاعل نعم وبئس أن تكون للجنس المحيط بالعموم، فيكون إفراد لفظها في معنى الجمع كاللام التي في قوله تعالى:{إن الإنسان لفي خسر} أي إن الناس، بدليل أنه - تعالى - استثنى منهم الذين آمنوا، ولا يجوز استثناء الجمع من المفرد.
وعند قوم أن وضع نعم وبئس للاقتصار في المدح والذم، وليس كذلك بل وضعهما للمبالغة، ألا ترى إلى قوله. تعالى. في تمجيد ذاته وتعظيم صفاته:{واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} ، وإلى قوله. سبحانه. في صفة النار التي توعد بها الكفار:{ومأواهم جهنم وبئس المهاد}
وحكى "أبو القاسم بن برهان النحوي" أنه كان "لشريك بن عبد الله النخعي" جليس من بني أمية، فذكر "شريك" في بعض الأيام فضائل "علي" رضوان الله عليه، فقال ذلك الأموي: نعم الرجل علي، فأغضبه ذلك، وقال له: ألعلي يقال: نعم الرجل؟ فأمسك حتى سكن غضبه، ثم قال له: يا أبا عبد الله، ألم يقل الله تعالى في الإخبار عن نفسه:{فقدرنا فنعم القادرون} وقال في "أيوب" عليه السلام: {إنا وجدناه صابرًا نعم العبد إنهه أواب} وقال في "سليمان" عليه السلام: {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب} أفلا ترضى لعلي بما رضي به الله تعالى لنفسه ولأنبيائه؟ فتنبه "شريك" عند ذلك لوهمه وزادت مكانة الأموي في قلبه.