الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
36 - غير لا تعرف بال
ويقولون: فعل الغير ذلك، فيدخلون على غير آلة التعريف والمحققون من النحويين يمنعون إدخال الألف واللام عليه، لأن المقصود في إدخاله آلة التعريف على الاسم النكرة أن تخصيصه بشخص بعينه، فإذا قيل: الغير اشتملت هذه اللفظة على ما يحصى كثرة، ولم تتعرف بآلة التعريف، كما أنه لا يتعرف بالإضافة، فلم يكن لإدخال الألف واللام عليه فائدة، ولهذا السبب لم تدخل الألف واللام على المشاهير من المعارف مثل "دجلة" و"عرفة" و"ذكاء" ونحوه لوضوح اشتهارها والاكتفاء عن تعريفها بعرفان ذاتها.
ــ
(ويقولون: فعل الغير ذلك، فيدخلون على غير آلة التعريف، والمحققون من النحويين يمنعون من إدخال الألف واللام عليه).
ما ادعاه من عدم دخول أل على غير - وإن اشتهر - فلا مانع منه قياسا، وإنما المهم فيه إثبات سماعه من العرب، وفي "تهذيب الأزهري" قال "ابن أبي الحسن" في "شامله": منع قوم دخول الألف واللام على غير وكل بعض، لأنها لا تتعرف بالإضافة فلا تتعرف باللام، قال: وعندي لا مانع من ذلك لأن اللام ليست فيها للتعريف، ولكنها اللام المعاقبة للإضافة، نحو قوله:"كان بين كفها والفك" أي وفكها، وقوله تعالى:{فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 41] أي مأواه، على أن غير قد تتعرف بالإضافة في بعض المواضع، وقد يحمل الغير على الضد والكل على الجملة والبعض على الجزء، فيصح دخول اللام بهذا المعنى. اهـ. فبصح بطريق الحمل على النظير وهو شائع في كلامهم، وقال صاحب
ولا تدخل أل على كافة أيضا
ونظير هذا الوهم قولهم: حضرت الكافة، فيوهمون فيه أيضا على ما حكاه "ثعلب" فيما فسره من معاني القرآن، كما وهم القاضي "أبو بكر بن فريعة" حين استثبت عن شيء حكاه، فقال: هذا ترويه الكافة عن الكافة والحافة عن الحافة والصافة عن الصافة، والصواب فيه أن يقال: حضر الناس كافة، كما قال سبحانه وتعالى:{ادخلوا في السلم كافة} [البقرة: 208] لأن العرب لم تلحق لام التعريف بكافة، كما لم تلحقها بلفظة "معا" ولا [لفظة]"طرا".
ومن حكم لفظة كافة أنها تأتي متعقبة، فأما تصديرها في قوله تعالى:{وما أرسلناك إلا كافة للناس} [سبأ: 28] فقيل: إنه مما قدم لفظه وأخر معناه، وإن تقدير
ــ
"الهادي": لا يجوز إدخال اللام عليه لأنه لا بد له من الإضافة، والمضاف إليه إما مذكور أو منوي، ولا يجوز تثبيته ولا جمعه كما ذكره "سيبويه"، وفي بعض الحواشي صرحوا بأن غيرا وإن لم يتعرف لا يجوز إدخال اللام عليه لرعاية صورة الإضافة المعنوية، إلا أن المصنفين كثيرا ما يدخلونها عليه فكأنهم جعلوه بمعنى المغاير، لكنه لم يوجد في كلام العرب، وفي "ضرام السقط" أن لغير ثلاثة مواضع:
أحدها: أن تقع موقعا لا تكون فيه إلا نكرة، وذلك إذا أريد بها النفي الساذج، كما في مررت برجل غير زيد.
الكلام: وما أرسلناك إلا جامعا بالإنذار والبشارة للناس كافة، كما حمل عليه قوله تعالى:{وغرايب سود} [فاطر: 27] على التقديم والتأخير، لأن العرب تقدم في هذا النوع لفظ الأشهر على الأغرب، كقولهم: أبيض يقق وأصفر فقاع وأسود حلكوك.
وقيل: إن كافة في الآية بمعنى كاف، وإلحاق الهاء به للمبالغة كالهاء علامة ونسابة.
ومن أوهامهم مما يدخلون عليه لام التعريف والوجه تنكيره قولهم: فعل ذلك من الرأس، لأن العرب تقول: فعله من رأس من غير أن تلحق الألف واللام به.
ــ
الثاني: أن تقع موقعا لا تكون فيه إلا معرفة، وذلك إذا أريد بها شيء قد عرف بمضادة المضاف إليه في معنى لا يضاده فيه إلا هو، كما إذا قلت: مررت بغيرك، أي المعروف بمضادتك، إلا أنها في هذه لا تجري صفة فتذكر غير جارية على الموصوف.
الثالث: أن تقع موقعا تكون فيه نكرة تارة ومعرفة أخرى، كما إذا قلت: مررت برجل كريم غير لئيم. اهـ.
وقد قيل: إنه إذا جاز أن تتعرف بالإضافة فلا مانع من تعريفها باللام أيضا. وكما لا يدخل عليه الألف واللام لا يثنى ولا يجمع، فلا يقال: غيران وأغيار إلا في كلام المولدين، كما صرح به "ابن هشام".
(ولهذا السبب لم تدخل الألف واللام على المشاهير من المعارف مثل دجلة وعرفة وذكاء ونحوه، لوضوح اشتهارها والاكتفاء عن تعريفها بعرفان ذواتها).
لا يخفي ما فيه، فإنه قياس مع الفارق، لأن ما ذكره أعلام، والأعلام جنسية أو شخصية لا تدخلها اللام، فما ذكره ليس مما نحن فيه.
وأما إدخال اللام على كل فنقل "المعري" في "رسالة الغفران" أن "أبا علي الفارسي" كما يجيزه وينقله عن "سيبويه"، وليس بشائع في قديم كلام العرب، وأنشد "لسحيم" شاهدا عليه وهو قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(رأيت الغني والفقير كليهما
…
إلى الموت يأتي للكل معمدا)
وأما لإدخالها على بعض فأجازه في شرح "الهادي" وأنشد غليه لمجنون بني عامر:
(لا تنكر البعض من ديني فتجحده
…
ولا تحدثني أن سوف تقضيني)
(ونظير هذا الوهم قولهم: حضرت الكافة، فيوهمون فيه أيضا على ما حكاه "ثعلب" فيما فسره من معاني القرآن).
يعني أنه لا بد من تنكيره ونصبه على الحال، وذو الحال من العقلاء، وهذا مما اشتهر وإن لم يصف من الكدر.
وتحريره بعد ذكر كلام النحاة وأهل اللغة فيه أنه قال في شرح "اللباب": من الأسماء ما يلزم النصب على الحال استعمالا نحو: طرا وكافة وقاطبة، واستهجنوا إضافتها في كلام "الزمخشري" و"الحريري" كقوله في خطبة "المفصل": محيطا بكافة الأبواب، وهو مما خطى فيه، ومخطئه هو المخطى، لأنا إذا علمنا وضع لفظ لمعنى عام بنقل من السلف وتتبع لموارد استعماله في كلام من يعتد به ويستشهد بكلامه، ورأيناهم استعملوع على حالة مخصوصة من الإعراب والتعريف [والتنكير] ونحوه، فهل يمتنع استعماله على خلاف ما ورد به مع صدق معناه الوضعي عليه أم لا؟ وعلى تقديره جوازه فهل نقول: إنه حقيق أو مجاز؟
ومثاله ما نحن فيه، فإن كافة ورد عن العرب بمعنى الجميع، لكنهم استعملوه منكرا منصوبا وفي الناس خاصة، ومقتضى لوضع ألا يلزمه ما ذكر فيستعمل كما استعمل "جميعا" معرفا ومنكرا بوجوه الإعراب في الناس وغيرهم، والظاهر الجواز. لأنا لو اقتصرنا في الألفاظ على ما استعملته العرب العاربة والمستعربة حجرنا الواسع وعسر التكلم بالعربية على من بعدهم، ولما لم يخرج عما وضع له فهو حقيقة، والذي يشهد له العقل السليم أنه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا محيد عما قلناه إلا لمكابر ومعاند.
على أنه قد ورد في كلام البلغاء على خلاف ما ادعوه، كما في كتاب "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه "لآل بني كاكلة" فإن فيه: قد جعلت هكذا "لآل بني كاكلة" على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال عينا ذهب إبريزا. كتبه "عمر بن الخطاب" وختمه: كفى بالموت واعظا يا عمر.
قال الفاضل المحقق سعد الملة والدين في شرح "المقاصد": وهذا مما صح عنده والخط في آل "بني كاكلة" إلى الآن. ولما آلت الخلافة إلى أمير المؤمنين "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه، عرض عليه الكتاب فنفذ ما فيه لهم، وكتب عليه بخطه: لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون، أنا أول من اتبع أمر من أعز الإسلام ونصر الدين والأحكام "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه، ورسمت بمثل ما رسم لآل بني كاكلة في كل عام مائتي دينار ذهبا إبريزا واتبعت أثره، وجعلت لهم مثل ما رسم "عمر" إذ وجب علي وعلى جميع المسلمين اتباع ذلك. كتبه "علي بن أبي طالب". اهـ.
وهذا مع ما قبله موجود إلى الآن بديار العراق، فقد استعملها معرفة غير منصوبة لغير العقلاء، وهو من الفصحاة بمكان، وقد سمعه مثل "علي" ولم ينكره وهو واحد الأحدين، فأي إنكاؤ واستهجان؟
فقوله في "المغني": كافة مختص بمن يعقل، ووهم "الزمخشري" في تفسير قوله تعالى:{وما أرسلناك إلا كافة للناس} [سبأ: 28] إذ قدر كافة نعتا لمصدر محذوف أي إرسالة كافة؛ لأنه إضافة إلى استعماله فيما لا يعقل وأخرجه عما التزم فيه من الحالية كوهمه في خطبة "المفصل" الذي مر ذكره مما لا يلتفت إليه.
وإذا جاز تعريفه بالإضافة جاز بالألف واللام أيضا، ولا عبرة بمن خطأهم فيه كصاحب "القاموس" و"ابن الخشاب" في قوله: أخطأ "الحريري" في قوله في مقاماته: بقاطبة الكتاب، فإن قاطبة وطرا ومعا مثل كافة عندهم، وادعاء الغلط والشذوذ هنا غير مسموع.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي "المصباح المنير" جاء الناس كافة، قيل: إنها منصوب على الحال نصبا لازما ولا يستعمل إلا كذلك، وعليه قوله تعالى:{وما أرسلناك إلا كافة للناس} [سبأ: 28] أي إلا للناس جميعا، وقال "الفراء" في كتاب "معاني القرآن": نصبت لأنها في مذهب المصدر، ولذلك لا تدخل العرب فيها الألف واللام كقاموا معا وجميعا.
وقال "الأزهري": كافة منصوب على الحال وهو مصدر على "فاعلة" كالعاقبة والعافية ولا يثنى ولا يجمع، كما لو قلت: قاتلوا المشركين عامة أو خاصة، لا يثنى ذلك ولا يجمع. اهـ.
وقال "الجوهري": والكافة الجميع من الناس، يقال: لقيتهم كافة أي كلهم، وقيل: كافة اسم فاعل والتاء فيه للمبالغة، وإليه ذهب الإمام "الراغب" فقال في قوله تعالى:{وما أرسلناك إلا كافة للعالمين} [سبأ: 28] أي كافا لهم عن المعاصي والهاء فيه للمبالغة كراوية وعلامة، وقوله تعالى:{وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36] قيل: معناه كافين لهم كما يقاتلونكم كافين لكم، وقيل: معناه جماعة، وذلك أن الجماعة يقال لهم: الوزعة لقوتهم باجتماعهم. اهـ.
والحاصل أنهم رواية ودراية لم يصيبوا فيما التزموه من تنكيره ونصبه واختصاصه بالعقلاء، وأنهم اختلفوا في أصله: هل هو مصدر أو اسم فاعل من الكف؟ وأن تاءه هل هي للمبالغة أو للتأنيث كتاء جماعة؟ ثم إنهم تصرفوا فيه واستعملوه للتعميم بمعنى جميعا؟ فلا يغرنك القيل والقال، فماذا بعد الحق إلا الضلال.
(كما وهم القاضي "أبو بكر بن قربعة" حين استثبت عن شيء حكاه فقال: هذا يرويه الكافة عن الكافة والحافة عن الحافة والصافة عن الصافة).
قريعة مصغر قرعة قاض مشهور، ذكره "الثعالبي" في "اليتيمة"، وصاحب "نثر الدرر" وحكوا عنه في المجون وسرعة البديهة أمورا كثيرة شهيرة بين الأدباء، واستثبت
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بمعنى طلب منه ثبوت وتخقيق شيء ذكره، والظاهر أن الحافة والصافة اتباع للكافة والاتباع قد يعطف كما سيأتي بيانه.
(مما يدخل عليه التعريف والوجه تنكيره قولهم: فعل ذلك من الرأس، لأن العرب تقول: فعله من رأس، من غير أن يلحق الألف واللام فيه) وفي نسخة "به" بدل "فيه" ومعناه أوله.
وما ذكره ليس بمسلم. قال "ابن بري" عن "أبي الحسن كراع" يقال: أعد على كلامك من رأس ومن الرأس، فقد علمت أنهم جوزوا فيه إلحاق الألف واللام وعدمه، وقد نقل مثله عن "أبي حاتم" إمام اللغة، فهو في جواز التعريف مثل بتة في قولهم: لا أفعله بتة والبتة، لكل أمر لا رجعة فيه، كما قاله "الجوهري"، فإن قلت: ألف البتة أهي ألف وصل أم قطع؟ قلت: هي ألف وصل قطعا، وقيل: ألف قطع، وبه جزم "الكرماني" في شرح "البخاري" فقال: همزتها قطع على خلاف القياس، وقال "ابن حجر": لم أر ما قاله في كلام أحد من أهل اللغة، وفي شرح "توضيح ابن هشام": أل في البتة لازمة الذكر فلا يجوز تنكيره سماعا، وفي حواشيه "لعبد القادر المكي" يقال: لا أفعله بتة والبتة، أي أبته بتة والبتة، وفي "اللباب": لم يسمع في البتة إلا قطع الهمزة، والقياس وصلها، ومن هنا عرفت أن ما قاله "ابن حجر" غفلة عما ذكرناه.