الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[60]- الفرق بين آليت والوت
ويقولون: ما آليت جهداً في حاجتك، فيخطئون الكلام فيه لأن معنى ما آليت ما حلفت، وتصحيح الكلام فيه أن يقال: ما ألوت أي ما قصرت [لأن العرب تقول: ألا الرجل يألو إذا قصر وفتر]. وحكي «الأصمعي» قال: إذا قيل لك ما ألوت في حاجتك فقل: بلى أشد الألو. وقد أجاز بعضم أن يقال: ما أليت في حاجتك بتشديد اللام، واستشهد عليه بقول «زهير بن جناب»:
(وإن كنائني لمكرمات
…
وما ألي بني ولا أساؤا)
ولفظة «ألوت» لا تستعمل في الواجب البتة. مثل لفظة أحد وقط وصافر وديار، كمثل لا جرم ولا بد ونظائره، وكذلك لفظة الرجاء الذي بمعنى الخوف
ــ
(ويقولون: ما آليت جهداً في حاجتك) بمد الهمزة كغاليت (فيخطئون فيه، لأن معنى ما آليت ما حلفت، وتصحيح الكلام فيه أن يقال: ما ألوت أي ما قصرت لأن العرب تقول: ألا الرجل يألو إذا قصر). ألا بالقصر بمعنى قصر، كما في قوله في «المقامات»: سرنا لا نألو جهداً ولا نستفيق جهدا.
كما جاء في القرآن: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} أي لا تخافون وكما قال «أبو ذؤيب» :
(إذا لسعته النحل لم يرج لسعها
…
وخالفها في بيت نوب عوامل)
يعني لم يخف لسعها، وأراد بالنوب التي قد شابهت بسوادها النوبة، وقيل: بل أراد به جمع نائب. ومما لا يستعمل أيضا إلا في الجحد قولهم: ما زال وما برح وما فتئ وما انفك ومادام بمعنى ما برح في أكثر الأحوال وعليه قول «الأعشى» :
(أيا ابتا لا ترم عندنا
…
فإنا بخير إذا لم ترم)
حكاية لطيفة
وبهذا البيت استعطف «أبو عثمان المازني» «الواثق» بالله حين أشخصه من
ــ
وهو لازم، وجهدا بضم الجيم بمعنى الاجتهاد منصوب معه تمييزاً وبنزع الخافض، وهو «عن» لما في «الأساس» ما ألوت عن الجهد، أو «في» لقولهم: قصر في كذا أو لكون الألو بمعنى الترك مجازاً أو تضميناً، فينصب ما بعده مفعولاً واحداً له، وقد قالوا: إنه جاء متعدياً لمفعولين كقوله:
(فديت بنفسه نفسي ومالي
…
وما آلوك إلا ما أطيق)
فعلى هذا أحد مفعوليه محذوف، وأصله: ما أوتك جهداً، أي لم أمنعكه، وهذا أيضا إما مجاز أو تضمين، ويحتمل الحقيقة. وفي «شرح المقامات» «للمطرزي» يقال: ألا
البصرة إلى حضرته حتى اهتز لإحسان صلته وعجل تسريحه إلى ابنته. وخبره يشهد بفضيلة الأدب ومزيته، ويرغب الراغب عنه في اقتباسه ودراسته. ومساقه ما رواه «أبو العباس المبرد» قال: قصد بعض أهل الذمة «أبا عثمان المازني» ليقرأ عليه «كتاب سيبويه» وبذل له مائة دينار على تدريسه إياه، فامتنع «أبو عثمان» من قبول بذله، وأصر على رده قال: فقلت له جعلت فداءك. أترد هذه النفقة مع فاقتك وشدة إضاقتك؟ فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا آية من كتاب الله عز وجل، ولست أرى أن أمكن منها ذمياً غيرة على كتاب الله تعالى وحمية له. قال: فاتفق أن غنت جارية بحضرة «الواثق» بقول «العرجي» :
ــ
في الأمر يألو ألواً وألياً وألوا إذا قصر فيه. ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحا ولا آلوك جهداً بمعنى لا أمنعك نصحاً ولا انقصكه. اهـ. فله مصادر: ألو كضرب، وألو كقعود، وألى كحلي. فلا وجه لما قيل: من [أن] الظاهر أن مصدر ألا بمعنى قصر: الألو بضم الهمزة واللام وتشديد الواو على وزن فعول لأنه الغالب في مصدر فعل اللازم، وقوله: أشد الألو كما في «الأساس» ضبط بضمتين وتشديد الواو، وفي بعض النسخ بفتح فسكون «كدلو» لأن مصدر اللازم قد يجيء على فعل. وقد قال «الفراء»: إن مصدر ما لم يسم مصدره عند أهل الحجاز على فعل كضرب متعدياً كان أو لازماً:
(وإن كنائني لمكرمات
…
وما آلى بني ولا أساءوا)
(أظلوم إن مصابكم رجلا
…
أهدى السلام إليكم ظلم)
فاختلف من بالحضرة في إعراب «رجل» ، فمنهم من نصبه وجعله اسم إن، ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أن شيخها «أبا عثمان المازني» لقنها إياه بالنصب، فأمر «الواثق» بإشخاصه. قال «أبو عثمان» فلما مثلت بين يديه، قال ممن الرجل؟ قلت من بني مازن. قال: أي الموازن مازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة؟ قلت: من مازن ربيعة. فكلمني بكلام قومي قال لي: با اسمك؟ لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما إذا كان في أول الأسماء. قال: فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجهه بالمكر. فقلت: بكر يا أمير المؤمنين. ففطن لما قصدته وأعجب به، ثم قال: ما تقول في قول الشاعر:
(أظلوم إن مصابكم رجلا
…
)
أترفع رجلا أم تنصبه؟ فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين. قال: ولم ذلك؟ فقلت: إن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم، فأخذ «اليزيدي» في معارضتي فقلت: هو بمنزلة قولك إن ضربك زيداً ظلم، فرجلا مفعول مصابكم، ومنصوب به، والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول ظلم فيتم الكلام. فاستحسنه «الواثق» وقال: هل لك من ولد؟ قلت: نعم بنية يا أمير المؤمنين قال: ما قالت لك عند مسيرك؟ قلت: [أنشدت] قول «الأعشى» :
ــ
هو من شعر «الزهير بن جناب» وقبل: «للربيع بن ضبع الفزاري» . والكنائن جمع كنانة بمعنى العشيرة مستعار من كنانة السهم.
(أيا أبتا لا ترم عندنا
…
فإنا بخير إذا لم ترم)
(أرانا إذا أضمرتك البلا
…
قد نجفى وتقطع منا الرحم)
قال فما قلت لها؟ [قال] قلت [لها] قول «جرير» :
(ثقي بالله ليس له شريك
…
ومن عند الخليفة بالنجاح)
قال: علي النجاح إن شاء الله، ثم أمر لي بألف دينار وردني مكرماً، قال «أبو العباس» فلما عاد إلى البصرة قال لي: كيف رأيت يا أبا العباس رددنا لله مائة فعوضنا ألفاً.
ــ
وبني بتشديد الياء جمع ابن مضاف إلى ياء المتكلم.
ألفاظ لا تستعمل إلا في النفي
ثم إنه ذكر ألفاظاً خصت العرب استعمالها بالنفي. والكلام عليها مفصل في علم اللغة والنحو وقد مر الكلام على قط والصافر بالصاد المهملة والفاء المصوت يقال: ما في
(الدار صافر أي أحد ولا جرم
…
تفصيله في النحو مشهور)
وذكر مما يختص بالنفي. (الرجاء) بمعنى الخوف، وأنشد شاهداً عليه قوله:
(إذا لسعته النحل لم يرج لسعها
…
وحالفها في بيت نوب عواسل)
هو من قصيدة «لأبي ذؤيب الهذلي» أولها:
(أسألت رسم الدار أم لم تسائل
…
عن السكر أم عن عهده بالأوائل)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضمير لسعته لمجتني عسل النحل المذكور قبله، وفي شرح ديوان «أبي ذؤيب» للإمام «المرزوقي» إذا لسعته الدبر، والدبر النحل وجمعه دبور. يقول: إذا لسعت النحل هذا المشتار لم يرج لم يخف كما في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً} وكما وضعوا الرجاء موضع الخوف وضعوا الخوف موضع الرجاء كما قال:
(ولو خفت أني إن كففت تحيتي
…
تنكب عني رمت أن يتنكبا)
أي لو رجوت. وقوله: وحالفها بالحاء المهملة والفاء قال «الأصمعي» أي صار حليفها في بيتها وهي نوب، ولم يرد حالفها في بيت غيرها. ورواه «أبو عمرو» وخالفها بخاء معجمة وفسره «ابن دريد» بقوله: جاء إلى معسلها من ورائها لما سرحت في المراعي. والنوب: النحل ولا واحد له. وقال «ابن الأعرابي» واحده نوبي. سموها بذلك لسوادها، وقال «الأصمعي»: جمع نائب كما يقال: عائذ: وعوذ: يريد أنها تختلف بأن تجيء وتذهب وتنتاب المراعي ثم تعود. وعواسل: أي تعمل العسل، وروي نوب بفتح النون يجعله مصدر نابه، أو يجعله كالسفر والبحر. وما ذكره المصنف من أن الرجاء بمعنى الخوف يختص بالنفي قول «الفراء» وخالفه غيره مستدلا بقوله تعالى:{وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ} قيل: والآية المذكورة هنا لا دليل فيها لاحتمال أن يكون معناها: افعلوا ما ترجون حسن عاقبته، فأقيم السبب مقام المسبب. وقد قالوا في قوله تعالى:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} أنه محتمل للوجهين أي يؤمل لقاء ربه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو يخافه، وقال «ابن القواس» في شرح «الألفية»: إنه مجاز في الخوف حقيقة في الأمل، وفسر الأمل بطلب الحصول مع خوف الفوت، فإذا أريد به الخوف وحده كان إطلاقا له على جزء معناه، وليس حقيقة فيها، لأن الأصل عدم الاشتراك، والمجاز أولى منه. وقد قيل: إنه صحيح إن ساعده النقل. وأما الرجاء بمعنى الأمل فلا خلاف في استعماله في الإثبات والنفي. (يقول «العرجي» :
(أظلوم إن مصابكم رجلاً
…
أهدى السلام تحية ظلم)
«العرجي» بعين مهملة مفتوحة وراء مهملة ساكنة وجيم تليها ياء النسب نسبة إلى «العرج» موضع بمكة، أو بين مكة والمدينة. واسمه «عبد الله بن عمرو» وهو ابن عم أمير المؤمنين «عثمان بن عفان» رضي الله عنه. وإنما عرف «بالعرجي» لأنه كان يسكن ذلك الموضع [إذ كان] ماله به. وقد أخطأ المصنف في نسبة هذا الشعر له، فإنه كما صححه الثقات «للحارث بن خالد المخزومي» لما قاله صاحب الأغاني، وناهيك به وتبعه غيره من الأدباء وقد قال شراح الشواهد: إنه الصواب والشعر هو قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(أقوى من آل ظليمة الحرم
…
فالعيرتان وأوحش الحطم)
(فيما أرى شخصاً بها حسنا
…
في الدار ان تحتلها نعم)
(إذ ودها صاف ورؤيتها
…
أمنية وكلامها سقم)
(خمصانة قلق موشحها
…
رود الشباب علابها عظم)
(هيفاء ممكور مخدمها
…
عجزاء ليس لعظمها حجم)
(وكأن غالية تباشرها
…
دون الثياب إذا صفا النجم)
(أظليم إن مصابكم رجلا
…
أهدى السلام تحية ظلم)
(أقصيته داراً وأسلمكم
…
إذ جاءكم فليهنه السلم)
(تخطو بخلخالين حشوهما
…
ساقان نار عليهما اللحم)
الرواية فيه «أظليم» والذي في الكتاب «أظلوم» واسمها «ظليمة» وهي «أم عمران» زوجة «عبد الله بن مطيع» وكان «الحارث» يشبب بها، ولما مات عبد الله
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تزوجها، ويجوز ضم ميمه وفتحها لأنه منادى مرخم. وروي بدل أهدى السلام رد السلام. وكان الذي سأله: لم نصب رجلاً؟ «يعقوب بن السكيت» قاله له في مجلس «الواثق» فقال «المازني» : نصب بمابكم. فما فهم عنه «ابن السكيت» حتى قال له: هو مثل قولك: إن ضربكم رجلاً من أمره كذا وكذا ظلم. فلما سمع ذلك «الواثق» وعلم قصور «يعقوب» قال المازني: ألق عليه شيئا. فقال له «المازني» : ما وزن نكتل في قوله تعالى: {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ} قال له «ابن السكيت» : نفعل. قال له «المازني» : أخطأت، إنما وزنه نفتعل، لأن أصله نكتيل أعلت الياء فسكنت، ولما سكنت سقطت لالتقاء الساكنين، فقال له «الواثق»: أقم عندنا، فاعتذر فعذره. فلما خرج من عنده قال له «يعقوب» ما دعاك إلى تخطئتي بين يدي «الواثق»؟ قال: ما سألتك عن شيء أظن بأحد جهله، كذا في «الحواشي» وفي شرح «الجامع للعلوي» وما حكوه من أن المعارض «للمازني» هو «اليزيدي» فيه نظر لأن «اليزيدي الإمام أبا محمد» كان يؤدب «المأمون للرشيد» وتوفي سنة اثنتين وستين ومائة و «الواثق» توفي بعد موت أبيه «المعتصم» سنة سبع وعشرين ومائتين. وقال «الصفدي» بعد أن ذكر هذا: ولعل هذا «اليزيدي» المذكور في هذه القصة أحد أولاده فإنهم كانوا خمسة كلهم علماء أدباء شعراء رواة أخبار. والذي ذكر «أبو حيان» ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في كتاب «البصائر» أن المعارض «للمازني» في ذلك هو «يعقوب بن السكيت» وهذا هو الأقرب كما مرت الإشارة إليه. وقال بعض الأدباء: إن القصة الأولى مع «المبرد» وأنه الذي أرسل إليه بريداً لإشخاصه وأنه أجاز الرفع على أنه خبر وظلم خبر مبتدأ محذوف. وفي «المغني» رفع رجل يفسد المعنى وفي شرحه: بل له معنى صحيح وذلك أن يجعل المصاب اسم مفعول لا مصدراً ميمياً وهو اسم إن ورجلاً خبرها، وجملة أهدى السلام صفة رجل وظلم خبر مبتدأ محذوف أي هذا ظلم، والمعنى: أن الذي أصبتموه بما فعلتم هو رجل أهدى إليكم سلامه تحية وتودداً، فحقه أن لا يكون مصاباً لأن من حيى وتودد جدير بأن يكرم، لا أن يصاب بمصيبة. فهذا الذي فعلتموه ظلم. ويمكن جعل «ظلم» صفة أخرى لرجل على حد رجل عدل، وهو معنى تبرق من أساريره أشعة الصحة. نعم تعيين «اليزيدي» الرفع لا وجه له إلا أن الرواية مع أن كانت فهو «حذام» . وذكر «ابن خلكان» أن قصة نكتل بين «المازني وابن السكيت» جرت في مجلس «ابن الزيات» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واعلم أن المصدر غير الميمي يعمل عمل الفعل وأما الميمي فإعماله قليل، ومن أجازه استشهد بهذا الشعر، وسماه بعض النحاة اسم مصدر. (قول «الأعشى»:
(أيا أبتا لا ترم عندنا
…
فإنا بخير إذا لم ترم)
هو من قصيدة له مدح بها «قيس بن معدي كرب» وأولها:
(أتهجر غانية أم تلم
…
أم الحبل واه بها منجذم)
(وصهباء طاف يهوديها
…
وأبرزها وعليها ختم)
(وقابلها الريح في دنها
…
فصلى على دنها وارتسم)
وسيأتي هذا البيت في هذا الكتاب ومنها:
(تقول ابنتي حين جد الرحيل
…
أرانا سواء ومن قد يتم)
(فيا أبتا لم تزل عندنا
…
فإنا نخاف بأن نخترم)
(ويا أبتا لا ترم عندنا
…
فإنا بخير إذا لم ترم)
ويروى لا تزال ومعنى لا ترم لا تبرح.