الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[93]- سداد بالكسر لا بالفتح
ويقولون: هو سداد من عوز: فيلحنون في فتح السين كما لحن (هشيم) المحدث فيها والصواب أن يقال بالكسر.
نادرة لطيفة
وجاء في أخبار النحويين: أن (النضر بن شميل المازني) استفاد بإفادة هذا الحرف ثمانين ألف درهم، ومساق خبره ما أخبرنا به (أبو علي ابن أحمد التستري) عن حمية القاضي (أبي القاسم عبد العزيز بن محمد العسكري) عن (أبي أحمد بن الحسن بن سعيد العسكري) اللغوي عن أبيه عن (إبراهيم بن حامد) عن (محمد بن ناصح الأهوازي) قال حدثني (النضر بن شميل) قال: كنت أدخل على
ــ
(ويقولون: هو سداد من عوز: فيلحنون في فتح السين كما لحن (هشيم) المحدث فيها والصواب أن يقال بالكسر)
قال (ابن بري): هذا وهم من وجهتين لأنه خطأ ما عدا الكسر، وهذا (يعقوب بن السكيت) سوي بينهما في (إصلاح المنطق) في باب فعال وفعال بمعني واحد، فقال: يقال: سداد من عوز وسداد من عوز، كل يقال. وكذا حكاه (ابن قتيبة) في (أدب الكاتب) وكذا في (الصحاح) إلا أنه زاد والكسر أفصح، والعوز هو الحاجة، وسداد: البلغة ومقدار ما يدفع به الحاجة. وقوله في الحديث: (لدينها وجمالها) صوابه لمالها وجمالها.
المأمون في سمره فدخلت عليه ذات ليلى وعلى قميص مرقوع، فقال: يا نضر ما هذا التقشف؟ حتى تدخل على أمير المؤمنين في الخلقان؟ قلت: يا أمير المؤمنين أنا شيخ ضعيف، وحر مرو شديد فأتبرد بهذه الخلقان، قال: لا ولكنك قشف. ثم أجرينا الحديث فأجرى هو ذكر النساء. فقال: حدثنا (هشيم) عن (مجالد) عن (الشعبي) عن (ابن عباس) رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز" حدثنا (عوف ابن أبي جميلة) عن (الحسن) عن (علي بن
ــ
قلت: الذي رواه (ابن عساكر) مسنداً، ونقله (السيوطي) من غير نكير: إنما هو لدينها وجمالها. وفي هذه القصة أنه قال: أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب، قال: قول ابن (حيص بيص) في (الحكم بن مروان):
أبي طالب) رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز" قال: وكان (المأمون) متكئاً فاستوى جالساً، وقال: يا نضر، كيف قلت سداد؟ قلت: لأن السداد هنا لحن. قال: أو تلحنني؟ قلت: إنما لحن (هشيم) وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه، قال: فما الفرق بينهما؟ قلت: السداد بفتح السين القصد في الدين، والسبيل، والسداد بالكسر البلغة وكل ما سددت به شيئاً فهو سداد. قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول:
(أضاعوني وأى فتى أضاعوا
…
ليوم كريهة وسداد ثغر؟ )
فقال المأمون: قبح الله من لا أدب له، وأطرق ملياً، ثم قال له: ما مالك يا
ــ
(تقول لي والعيون هاجعة:
…
أقم علينا يوماً فلم أقم)
(أى الوجوه انتجعت؟ قلت لها:
…
لأي وجه إلا إلى الحكم؟ )
(متى يقل حاجباً سرادقه:
…
هذا (ابن بيص) بالباب يبتسم)
(قد كنت أسلمت فيك مقتبلاً
…
هيهات إذا حل أعطنى سلمى)
أسلمت: أسلفت، ومقتبلاً: آخذا قبيلاً أى كفيلاً
قال: أنشدني أنصف بيت قالته العرب. قال: قول (ابن عروبة المديني):
(إنى وإن كان ابن عمى عاتبا
…
لمراجم من خلفه ووارثه)
(ومفيده نصري وإن كان امرءا
…
متزحزحاً في أرضه وسمائه)
(وأكون إلي سره وأصونه
…
حتى يحن إلى وقت أدائه)
(وإذا الحوادث أجحفت بسوامه
…
قرنت صحيحتنا إلى جربائه)
(وإذا دعى باسمى ليركب مركباً
…
صعباً قعدت له على سيسائه)
(وإذا أتى من وجهه بطريفة
…
لم أطلع فيما وراء خبائه)
نضر؟ قال: أريضة لي بمرو أتصابها وأتمززها، أى أشرب صبابتها. قال: افلا نفيدك مالاً معها؟ قلت: إنى إلي ذلك لمحتاج. قال فأخذ القرطاس وأنا لا أدري ما يكتب، ثم قال: كيف تقول إذا أمرت أن يترب الكتاب؟ قلت أتربه قال: فهو ماذا؟ قلت: مترب. قال: فمن الطين؟ قلت: طنه. قال: فهو ماذا؟ قلت: مطين. قال: هذه أحسن من الأولي. ثم قال: يا غلام أتربه وطنه. ثم صلى بنا العشاء، وقال لخادمه: تبلغ معه إلى (الفضل بن سهل)، قال: فلما قرأ (الفضل) الكتاب
ــ
(وإذا ارتدي ثوباً جميلاً لم اقل
…
يا لين إن على حسن ردائه)
قال: أحسنت يا نضر.
وذكر المصنف قول (العرجي)، وقد مر أنه بسكون الراء نسبة غلي العرج، مكان بأرض الحجاز، واسمه (عبد الله بن عمرو) ابن عم أمير المؤمنين (عثمان ابن عفان) والشعر المذكور هو قوله:
(أضاعوني وأى فتى أضاعوا
…
ليوم كريهة وسداد ثغر؟ )
(وصبر عند معترك المنايا
…
وقد شرعت أسنتها لنحري)
(أجرر في الجوامع كل يوم
…
فيالله مظلمتي وقهري)
(كأني لم أكن فيهم وسيطاً
…
ولم تك نسبتي في آل عمرو)
قال يا نضر إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم فما السبب فيه؟ فأخبرته ولم أكذبه، فقال ألحنت أمير المؤمنين. فقلت كلا إنما لحن "هُشيم" وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه وقد تتبع ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار. ثم أمر لي "الفضل" من خاصته بثلاثين ألف درهم فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد مني.
(لي صديق عندي عوز
…
من سداد لا سداد من عوز)
(وجهه يذكرني دار البلى
…
كلما أقبل نحوي وضمز)
(وإذا جالسني جرعني
…
غصص الموت بكرب وعلز)
(يصف الود إذا شاهدني
…
فإذا غاب وشي بي وهمز)
(كحمار السوء يبدي مرحاً
…
إذا سيق إلي الحمل غمز)
(ليتني أعطيت منه بدلا
…
بنصيبي شر أولاد المعز)
(قد رضينا بيضة فاسدة
…
عوضاً منه إذا البيع نجز)
ــ
(عسى الملك المجيب لمن دعاه
…
سينجيني فيعلم كيف شكري)
(فأجزي بالكرامة أهل ودي
…
وأجزي بالضغائن أهل وتري)
وسببه أنه كان يشبب «بجعداء» أو «محمد بن هشام» فضربه وحبسه حتى مات،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال هذا الشعر وهو محبوس.
وقوله: (أتربه) فهو مترب هو الأفصح، ويقال: تربه فهو مترب بالتشديد، وكذا يقال من الطين: طأنه وطينة فهو مطين كأمير.
وقوله: (أتصابها وأتمززها) هو تفاعل من الصب وتفعل من المزة بالزاي المعجمة، بمعنى المص والمراد: أقنع بقليلها للتعيش، وضمز في الأبيات بضاد معجمة وميم مفتوحة وزاي معجمة بمعنى: سكت، وعلز بعين مهملة ولام وزاي معجمة ضجر.