الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[19] قولهم ذهبت إلى عنده
ويقولون ذهبت إلى عنده. فيخطئون فيه لأن عند لا يدخل عليه من أدوات الجر إلا من وحدها، ولا يقع في تصاريف الكلام مجروراً إلا بها، كما قال سبحانه:{قل كل من عند الله} وإنما خصت من بذلك لأنها أم حروف الجحر، ولأم كل باب اختصاص تمتاز به وتنفرد بمزيته، كما خصت إن المكسورة بدخول اللام في خبرها، وخصت كان بجواز إيقاع الفعل الماضي خبراً عنها، وخصت باء المقسم باستعمالها مع ظهور فعل القسم، وبدخولها على الاسم المضمر. فأما قول الشاعر:
(كل عند لك عندي
…
لا يساوي نصف عند)
فمن ضرورات الشعر، كما أجرى بعضهم ليت وسوف وهما حرفان مجرى
ــ
(وخصت كان بجواز إيقاع الفعل الماضي خبراً عنها) وهو خلاف القياسح إذ مقتضاه أن لا يذكر معها الماضي لدلالتها على المضي، لكنه سمع كثيارً في كلام العرب لكونها أم الباب كقوله تعالى:{إن كان قميصه قد من دبر} الآية فتأمل.
(وأما قول الشاعر:
(كل عند لك عندي
…
لا يساوي نصف عند)
فإنه من ضوررالت الشعر كما أجرى بعضهم ليت وسوف وهما حرفان مجرى الأسماء المتمكنة في قوله:
(ليت شعري وأين مني ليت
…
إن ليتاً وإن سوفاً عناء)
هذا لعدم تدربه في العربية، وما ذكره ليس من الضرورة في شيء؛ فإن كان كلمة أريد بلها لفظها تعرب وتحكى، ويجوز فيها الصرف وعدمه باعتبار اللفظ أو الكلمة قياساً
الأسماء المتمكنة فأعربهما في قوله:
(ليت شعري وأين مني ليت
…
إن ليتاً وإن سوفاً عناء)
ــ
مطِّرداً، وهل هي اسم حينئذ أو لا؟ فيه خلاف مفصل في محله. وفي "كافية ابن مالك":
(وإن نسبت لأداة حكماً
…
فابن أو أعرب واجعلنها اسماً)
وفي الحديث "أن الله ينهاكم عن قيل وقال": روي بالإعراب والحكاية وقد قال المتنبي في عند:
(ويمنعني ممن سوى ابن محمد
…
أياد له عندي يضيق بها عند)
قال الإمام الواحدي عند اسم مبهم لا يستعمل إلا ظرفاً فجعله المتنبي اسماً خالصاً كأنه قال يضيق بها المكان كما قال الطائي:
(وما زال منشوراً على نواله
…
وعندي الندى حتى بقيت بلا عند)
وقد تستعمل عند بعدة معان، فتكون بمعنى الحضرة كقولك: عندي زيد، وبمعنى المَلَكَة كقولك: عندي مال، وبمعنى الحكم كقولك: زيد عندي أفضل من عمرو أي في حكمي، وبمعنى الفضل والإحسان كما قال سبحانه وتعالى إخباراً عن خطاب شعيب لموسى عليهما السلام:{فإن أتممت عشراً فمن عندك} أي من فضلك وإحسانك.
ــ
وهذا هو الذي جر المصنف لإبقائه "عند" على معناها الأصلي، ثم تأويلها بالمكان وهو وجه آخر لكنه لا ينبغي ارتكابه، لأنه لو أريد به لفظه لم يكن فيه تكلف ولا ضرورة، وذلك في البيت الذي ذكره أظهر، وأما في بيت "أبي الطيب" فالمعنى أن اللفظ والعبارة لا تفي بها وهو أشبه بمواقع أنظاره.
وقال "الأزهري" في "تهذيبه": قال "الليث": "عند" حرف صفة يكون موضعاً لغيره وهو في التقريب شبه اللزق ولا يكاد يجيء في الكلام إلا منصوباً لأنه لا يكون إلا صفة معمولاً فيها أو مضمراً فيها فعل، إلا في حرف واحد وذلك أن يقول القائل لشيء بلا علم: هذا عندي كذا وكذا فيقال: أو لك عند؟ فيرفع، وزعموا أنه في هذا الموضع يراد به القلب وما فيه من معقول اللب، قلت: وأرجو أن يكون ما قاله "الليث" قريباً مما قاله النحويون اهـ، فتأمله فإنه جدير بالتأمل لخفائه.