الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
605 -
وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نَعُدُّهُ لِلْبَيْعِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَإِسْنَادُهُ لَيِّنٌ.
(1)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: هل في الأشياء المعروضة للتجارة زكاة
؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المعروضات للتجارة فيها الزكاة إذا حال عليها الحول، وذلك بأن تُقَوَّم ثم يُخرج ربع عشر قيمتها، وقد حكاه بعضهم إجماعًا، كابن المنذر وتبعه آخرون، والواقع وجود الخلاف؛ فقد قال الشافعي رحمه الله في القديم: اختلف الناس في زكاة التجارة، فقال بعضهم: لا زكاة فيها، وقال بعضهم: فيها الزكاة، وهذا أحب إلينا.
وهذا صريح في وجود الخلاف، وكذا قال أبو عبيد في «الأموال»: وقد قال بعض من يتكلم في الفقه: إنه لا زكاة في أموال التجارة. وهذا صريحٌ أيضًا في وجود الخلاف.
ومن الذين قالوا بأنه لا زكاة في معروضات التجارة: عطاء، وداود الظاهري، ونصره ابن حزم، وهو ترجيح الشوكاني، وصديق بن حسن، والإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم أجمعين.
(1)
ضعيف. أخرجه أبوداود (1562)، من طريق جعفر بن سعد بن سمرة عن خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه سليمان عن سمرة بن جندب به. وهذا إسناد ضعيف أو أشد؛ فإن جعفرًا مجهول الحال، وخبيبًا وسليمان مجهولا عين.
وقد استدل الجمهور على ذلك بأدلة منها:
حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه الذي في الباب، وقد تقدم بيان ضعفه.
وبحديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه عند الدارقطني (2/ 100 - 101)، والحاكم (1/ 388) وغيرهما، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال:«في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته» .
وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه في «الصحيحين» ، وفيه:«فأما خالد؛ فإنكم تظلمون خالدًا، فقد احتبس أدراعه، وأعتاده في سبيل الله»
(1)
، قالوا: إنما طالبوا خالدًا الزكاةَ في أدراعه، وأعتاده؛ لأنهم ظنوها معروضة للتجارة، فأخبرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قد وقفها في سبيل الله.
واستدلوا بأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند أبي عبيد (ص 580) وغيره، أنه قال لحماس: يا حماس، أَدِّ زكاة مالك. قال: فقلت: مالي مالٌ إلا جِعَاب وأُدُم. فقال: قَوِّمْها، ثم أَدِّ زكاتها.
وأخرج ابن أبي شيبة (3/ 183)، والبيهقي (4/ 147) بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: ليس في العروض زكاة؛ إلا ما كان للتجارة.
وقد أجاب القائلون بأنه لا زكاة في عروض التجارة عن حديث سمرة: بأنه ضعيفٌ كما تقدم، وكذلك حديث أبي ذر؛ فإنه من طريق: عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن أبي ذر به.
(1)
سيأتي في الكتاب برقم (874).
وقد رواه عنه ابن جريج، وموسى بن عبيدة الرَّبَذي، وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام، وابن جريج لم يسمع من عمران كما قال البخاري، وقد جاء في «مسند أحمد» أنه قال: بلغه عن عمران. وموسى بن عبيدة الربذي شديد الضعف، ويحتمل أن ابن جريج دلَّسه، فهذه طبقته، وقد كان يدلس عن مثل هؤلاء، وأما سعيد بن سلمة بن أبي الحسام فهو مُختلف فيه، ومع ذلك فالظاهر أنه سقط من إسناد الحاكم موسى بن عبيدة، فرواه من طريق: ابن أبي الحسام عن عمران، وقد رواه الدارقطني بإسناد الحاكم، وذكر فيه (موسى بن عبيدة) بين سعيد وعمران، وكذلك البيهقي.
ولذلك قال الحافظ في «إتحاف المهرة» (14/ 182): ومدار الحديث عليه. يعني موسى ابن عبيدة الربذي.
قلتُ: فالحديث شديد الضعف.
(1)
قالوا: وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي في «الصحيحين» فيحتاجون إلى إثبات دعواهم، وهي أنَّ خالدًا كان يعرض سلاحه وأعتاده للبيع، وهذا الأمر غير ظاهرٍ، وإثبات أنَّ الساعي ظنَّ ذلك تكلف في التأويل، وللحديث تأويلان أقرب من هذا التأويل ذكرهما الحافظ في «الفتح» أولهما: أنَّ هذا اعتذار من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لخالد رضي الله عنه بأنَّ له عذرًا في المنع، واستدل على ذلك بأنَّ خالدًا قد وضع سلاحه وأعتاده في سبيل الله، فكيف يمنع الواجب ويتطوع. وثانيهما: أنَّ خالدًا كان نوى
(1)
انظر «تحقيق المسند» (21557).
بإخراجها من ملكه الزكاة عن ماله؛ لأنَّ أحد الأصناف (في سبيل الله)، وهم المجاهدون.
والتأويل الأول أقرب، وهو أحسن ما يحمل عليه الحديث.
وأما أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فإنه من رواية أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، وكلاهما مجهول. ثم وجدت له طرقًا يتقوى بها: من ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 184)، وأبو عبيد (1120) من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، قال: كنت على بيت المال زمن عمر بن الخطاب؛ فكان إذا خرج العطاء جمع أموال التجار، ثم حسبها شاهدها، وغائبها، ثم أخذ الزكاة من شاهد المال على الشاهد والغائب. وفيه عنعنة ابن إسحاق. وله طرق أخرى عند أبي عبيد بمعنى ذلك، يتقوى بها إلى الحسن على أقل أحواله.
وأما أثر عبدالله بن عمر فأجاب عنه بعضهم: بأنه اجتهاد من صحابي، والحجة بإجماع الصحابة لا بقول بعضهم رضي الله عنهم.
واستدل القائلون بأنه لا زكاة فيها بأنَّ الأصل حرمة أموال المسلمين، ولا نُوجب الزكاة فيها إلا بدليلٍ صحيحٍ صريحٍ في المسألة.
قلتُ: قد ثبت عن عمر وابن عمر رضي الله عنهما الفتوى بالزكاة فيها، وهما صحابيان لازما النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة، فالذي نقول به ونفتي به هو ما أفتى به هذان الصحابيان الجليلان رضي الله عنهما، لا سيما وقد صار الأغنياء أكثرهم