الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
«أو صاعًا من دقيق» عند النسائي؛ فهي زيادة شاذَّة، والوهم فيها من ابن عيينه كما بين ذلك أبو داود في «سننه» ، ولكنه يُخرج بالوزن لا بالكيل؛ لأنَّ الدقيق يريع إذا طحن. قاله شيخ الإسلام رحمه الله.
(1)
مسألة [18]: هل تجزئ القيمة بالدراهم
؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجزئ إخراج القيمة في زكاة الفطر، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، والظاهرية، وقال الثوري، وأبو حنيفة: يجوز. ورُوي عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز.
والصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث ابن عمر، وأبي سعيد اللَّذَيْنِ في الباب، وقد استدل المخالف بأثر معاذ بن جبل أنه قال لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير؛ فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. أخرجه يحيى بن آدم في «الخراج» (525)، من طريق طاوس، عن معاذ، وهو منقطع؛ فإن طاوسًا لم يلق معاذًا رضي الله عنه.
(2)
مسألة [19]: ما هو القدر الذي يجب إخراجه في صدقة الفطر
؟
ذكر أهل العلم أنه يخرج صاعًا؛ إلا أنهم اختلفوا في البر، فقال طائفة من أهل العلم: يخرج نصف صاع، وألحق أبو حنيفة الزبيب بالبر، فقال: يجب فيه نصف صاع أيضًا. وفي رواية عنه: يجب فيه صاع أيضًا.
(1)
انظر: «المغني» (4/ 294)، «شرح النسائي» (22/ 302 - 303)، «مجموع الفتاوى» (25/ 69).
(2)
انظر: «المغني» (4/ 296)، «المجموع» (6/ 144)، «المحلَّى» (704).
والقائلون بأنَّ البر فيه نصف صاع فقط، هم: سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وسالم، وغيرهم، وهو مذهب أهل الكوفة، والأوزاعي، والليث، والثوري.
ونقل هذا القول عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبي هريرة، ومعاوية، وأسماء رضي الله عنهم.
وقد رُوي في هذا القول أحاديث:
منها: حديث أسماء بنت أبي بكر عند أحمد (6/ 346 - )، والطحاوي (2/ 43)، قالت: كُنَّا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مُدَّيْن من قمح. وله إسنادان: إسناد فيه ابن لهيعة، والراوي عنه ابن المبارك، وإسناد آخر فيه يحيى بن أيوب الغافقي.
ثم وجدت له إسنادًا ثالثًا عند الطحاوي (2/ 43) من طريق محمد بن عُزَيز، حدثنا سلامة، وهو ابن روح الأيلي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء به.
وهذه متابعة ليحيى بن أيوب؛ لأنه رواه عن هشام كذلك.
ثم رأيت وكيع بن الجراح قد خالفهم جميعًا، وهو ثقة حافظ؛ فرواه عن هشام ابن عروة، عن فاطمة عن أسماء رضي الله عنها موقوفًا عليها. أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 172)، وتابعه محاضر بن المورع عند ابن زنجويه (2378).
قلتُ: رواية وكيع أرجح، والراجح في الحديث الوقف على أسماء رضي الله عنها.
ومنها: حديث ثعلبة بن أبي صُعير عن أبيه، وفيه:«صاع من قمح بين كل اثنين» أخرجه أبو داود برقم (1619)، والرَّاجح أنه مرسل من مراسيل الزهري، رجَّح ذلك أحمد كما في «المغني» (4/ 287)، ورجح الدارقطني أنه من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا كما في «العلل» (1195).
ومنها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أخرجه الترمذي (674)، والدارقطني (2/ 142)، وهو من طريق: ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال البخاري: لم يسمع منه. وقد رواه عبد الرزاق كما في «نصب الراية» (2/ 421) عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال: بلغني أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا معضلٌ.
ومنها: حديث ابن عباس عند أبي داود (1622)، والنسائي (3/ 190)، وهو من طريق: الحسن عنه، ولم يسمع منه.
وأخرج الطحاوي (2/ 46) بأسانيده عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبدالرحمن، وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة، والقاسم، وسالم، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر في صدقة الفطر بِمُدَّيْنِ من حنطة. وفي أحد أسانيده أبو زرعة وهب الله بن راشد، وفي الإسناد الآخر: يحيى بن أيوب، وله أوهام، وفي الإسناد الثالث ابن لهيعة.
وأما القائلون بهذا من الصحابة المتقدمين فبعضها لا يثبت.
فأثر أبي بكر رضي الله عنه منقطع؛ فإنه من طريق سعيد بن المسيب عنه. ولم يدركه.
وله طريق أخرى عند الطحاوي (2/ 46) من طريق أبي قلابة، قال: أخبرني من دفع إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه صاع بر بين اثنين. وهو ضعيف؛ في إسناده رجل مبهم.
وقد خالف أبو سعيد الخدري كما في البخاري (1508)، ومسلم (985)، فقال: فلم نزل نخرجه -يعني: صاعًا- حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجا، أو معتمرا فكلم الناس على المنبر، فكان فيما كلم به الناس أن قال:«إني أرى أن مدين من سمراء الشام، تعدل صاعا من تمر» فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد: «فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه، أبدا ما عشت» . وهذا النقل من أبي سعيد رضي الله عنه يقتضي أن أبا بكر رضي الله عنه، والخلفاء بعده كانوا يأخذون منه كغيره صاعًا، والله أعلم.
وأثر عمر رضي الله عنه، له عند الطحاوي طريقان:
أحدهما: فيه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف مدلس، وفيه عبد الله بن نافع العدوي، وهو متروك.
والثاني: من طريق ثعلبة بن أبي صُعير، عن عمر، وهي طريق ضعيفة مضطربة.
وما تقدم من نقل أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن عمر رضي الله عنه أصح وأثبت.
وأما أثر عثمان رضي الله عنه؛ فقد أخرجه الطحاوي (2/ 46) من طريق حماد بن زيد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، قال: خطبنا عثمان بن عفان
-رضي الله عنه فقال في خطبته: «أدوا زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، عن كل صغير وكبير، حر ومملوك، ذكر وأنثى» . وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة، ولكن له علة قادحة فيه:
فقد أخرج الأثر ابن أبي شيبة (3/ 170) من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عثمان رضي الله عنه فذكره، بدون ذكر: أبي الأشعث.
وأخرجه ابن زنجويه (1939) من طريق ابن المبارك، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عثمان رضي الله عنه، به.
قلتُ: فابن المبارك والثقفي رويا الحديث؛ فجعلاه بدون ذكر أبي الأشعث، وعليه فهو منقطع؛ لأن أبا قلابة لم يدرك عثمان رضي الله عنه.
وأما أثر علي رضي الله عنه؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وهو ضعيف.
وأما أثر ابن مسعود؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وهو من طريق عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو متروك.
وأما أثر ابن عباس؛ فقد أخرجه ابن أبي شيبة، وفي إسناده حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ومدلس، وقد ثبت عن ابن عباس بالإسناد الصحيح القول بأن فيه صاعًا كما سيأتي إن شاء الله.
وأما أثر جابر بن عبد الله؛ فقد أخرجه عبد الرزاق بإسناد حسن.
وأما أثر ابن الزبير فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة بإسناد صحيح.
وأما أثر أبي هريرة؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وإسناده صحيح.
وأما أثر معاوية، وأسماء رضي الله عنهما؛ فهو ثابت عنهم كما تقدم.
وأما القائلون بأنَّ البر يجب فيه صاع، فهم: مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر المتأخرين، وصحَّ عن أبي سعيد الخدري إنكار القول بنصف صاع، وثبت عن ابن عباس بإسناد حسن عند النسائي في الكبرى (2300) أنه قال: صاع من بر، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من سلت.
واستدلوا بحديث: «صاع من طعام» ، وبالقياس على الأصناف الأخرى.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح في المسألة أنه يجب فيه صاع؛ لعدم ثبوت الأحاديث المرفوعة في الأمر بنصف صاع، ولعدم ثبوت ذلك عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.
وقد اختلف الصحابة في المسألة، وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في «الصحيحين» يدل على أن الخلفاء الراشدين كانوا يأخذون في زكاة الفطر في البر صاعًا كاملًا، وهذا هو الذي تبين لي في المسألة بعد أن كنا نقول بنصف صاع؛ اعتمادًا على الأحاديث المتقدمة، فلما تبين لنا ضعفها رجعنا إلى القول بوجوب الصاع، والله أعلم بالصواب.
(1)
(1)
انظر: «شرح معاني الآثار» (2/ 43 - 47)، «المحلَّى بالآثار» (704)، «المغني» (4/ 285)، «المجموع» (6/ 142 - 143)، «تمام المنة» (ص 386)، «نصب الراية» (2/ 417 - )، «عبد الرزاق» (3/ 311)، «ابن أبي شيبة» (3/ 170).