الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: وهذه الطريق ليس فيها أبو بكر بن أبي مريم الضعيف الذي في إسناد أحمد (4/ 124) ، والترمذي (2577)، والحاكم (1/ 77 و 4/ 325) . ولم يتنبه لذلك صاحبنا السلفي فقال: "رواه أحمد
…
" إلخ!
ومن طريق أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس. أخرجه الطبراني أيضاً (7143) .
فلعل قول السلفي المذكور كان في الأصل على هذه الطريق؛ فطبع سهواً على الطريق الأولى! لكن يعكر عليه أنها تبقى حينئذ بدون تعليق. فتأمل!
وسواء كان هذا أو ذاك؛ فالسكوت عن هذه الطريق غير لائق؛ لأنه قد يوهم من لا علم عنده أنه من الممكن أن يقوى بها طريق ابن أبي مريم! وليس كذلك؛ لأن فيها من هو شر منه؛ ألا وهو إبراهيم بن عمرو بن بكر السكسكي؛ قال الدارقطني:
"متروك". وقال ابن حبان:
"يروي عن أبيه الأشياء الموضوعة، وأبوه أيضاً لا شيء".
تحريف خطير في حديث ضعيف، واستغلال غير شريف!!
5320
- (كان في عماء، فوقه هواء، وما تحته هواء، ثم خلق العرش على الماء)(1) .
ضعيف
أخرجه الطيالسي في "مسنده"(رقم 1093) : حدثا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس عن أبي رزين قال:
(1) كتب الشيخ رحمه الله فوق هذا المتن من الأصل: " راجع (4858) ". (الناشر)
كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يسأل، فإذا سأله أبو رزين أعجبه، قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ فقال:
…
فذكره.
قلت: ومن طريق الطيالسي: أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات"(ص 376) .
وتابعه جمع عن حماد به.
أخرجه الترمذي (3108) ، وابن ماجه (1/ 77-78) ، وأحمد في "المسند"(4/ 11 و12) وابنه في "السنة"(ص 46)، والبيهقي أيضاً (ص 406) كلهم عن حماد به إلا أن البيهقي قال:
"ثم خلق العرش، ثم استوى عليه". وقال الترمذي:
"حديث حسن".
قلت: وهذا أولى من قول الذهبي في "العلو"(ص 11 - طبع المنار) :
"رواه الترمذي، وابن ماجه، وإسناده حسن"!
إذ كيف يكون حسن الإسناد وفيه وكيع بن حدس هذا، وقال البيهقي عقبه:
"تفرد به يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس".
والذهبي نفسه لما أورده في "الميزان"؛ قال:
"لا يعرف، تفرد عنه يعلى بن عطاء".
قلت: فهو مجهول العين، وليس مجهول الحال؛ كما قال ابن القطان فيما نقل عنه في "التهذيب"، ولا مجهول الصفة؛ كما زعم الكوثري في تعليقه على
"الأسماء" وفي تعليقه على "السيف الصقيل"(ص 96) !
وأما قوله فيه:
"في سنده حماد بن سلمة؛ مختلط"!
فهو من عدائه للسة وأهلها، وحماد بن سلمة من أئمتها، وممن احتج بهم مسلم في "صحيحه"؛ فضلاً عن أصحاب "السنن" وغيرهم، وما أحد من الأئمة رماه بالاختلاط؛ وإنما قال بعضهم: إنه تغير.
فرحم الله ابن المديني حين قال: "من تكلم في حماد بن سلمة؛ فاتهموه في الدين".
فالعلة ممن فوقه كما عرفت.
ومنه تعلم خطأ ابن العربي في "العارضة" في قوله:
"إن الحديث صحيح سنداً ومتناً"! كما نقله عنه الأستاذ الدعاس في تعليقه على "الترمذي" وأقره كما هي عامة عادته في النقل!
أما خطؤه في صحيح السد؛ فواضح مما تقدم.
وأما تصحيحه لمتنه؛ فموضع نظر، وإن حسنه الترمذي كما سبق! وذلك؛ لأنني لم أجد له شاهداً إلا قوله:
"وكا عرشه على الماء"؛ فإنه من القرآن، وفي حديث عمران بن حصين عند البخاري وغيره:
"وكان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء".
وأما سوى ذلك؛ فلم أجد له شاهداً، لا سيما وقد اختلفوا في تفسيره، فلو أنه صح إسناده لوجب التسليم به؛ كسائر أحاديث الصفات.
(تنبيه) : أورد الحافظ الذهبي هذا الحديث في كتابه "العلو"(ص 98 - طبع الهند، وص 11 - طبعة المنار) بإسناده إلى حماد بن سلمة؛ وزاد:
"ثم استوى عليه".
إلا أنه تحرف لفظه في طبعة المنار؛ فوقع فيه:
"استولى عليه"!!
وما في الهندية هو الصواب؛ لأنه موافق لمخطوطة الظاهرية (ق 7/ 1)، ولأنه مفسر في "العلو" نفسه من رواية إسحاق بن راهويه بلفظ:
"ثم كان العرش، فارتفع عليه".
وقد استغل هذا التحريف - جهلاً أو تجاهلاً - أحد جهمية الأزهريين من السوريين في كتاب له - زعم - "هذه عقيدة السلف والخلف في ذات الله تعالى
…
"؛ عقد فيه فصلاً (ص 78) بعنوان:
"التأويل والرسول عليه الصلاة والسلام
…
"؛ ذهب فيه إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أول الاستواء على العرش بالاستيلاء (!) وأنه أشار بذلك إلى أمته باقتفاء أثره بتأويل كل ما يوهم ظاهره التجسيم، وقال:
"والسؤال هنا: هل يوجد دليل على ما قلته؟ نعم؛ ها هو الدليل، جاء في كتاب "العلو" للذهبي
…
" ثم ساق الحديث بنصه المحرف؛ ثم قال:
"فأنت ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أول قوله تعالى: (.... استوى) بقوله:
(استولى عليه) "! قال:
"وبهذا يكون المؤولون قد اقتفوا أثر الرسول عليه الصلاة والسلام بصرف كل لفظ عن ظاهره - يفهم منه التجسيم - إلى لفظ آخر ينفي عنه ذلك"!!!
قلت: وبذلك أعطى سلاحاً للمعتزلة الذي ينكرون كثيراً من صفات الله تعالى - كالسمع والبصر، وكرؤيته تعالى - بالتأويل الذي يؤدي إلى التعطيل، قال المؤلف نفسه عنهم (ص 123) :
"بادعاء أن رؤية الله مستحيلة، فهي تقتضي الجسمية، والجسمية والجهة عندهم كفر".
قلت: وهذا ما يصرح به هذا المؤلف الأنوك! في كثير من المواضع، فإذن المعتزلة على حق عنده، بل هو منهم؛ ولو تظاهر بأنه من أهل السنة والجماعة! فهو ينكر علو الله على خلقه، وأن القرآن كلام الله حقيقة؛ بحجة أن ذلك تجسيم وتشبيه!! ويتظاهر بأنه يؤمن برؤية الله في الآخرة تبعاً للأشاعرة، ويتجاهل أن ذلك يستلزم التجسيم على مذهبه؛ وكذا الجهة.
ولكن ذاك السلاح غير ماض؛ لأنه قائم على حديث لا وجود له إلا في ذهنه ضعيف السند، فيبادر إلى الإجابة عن ذلك بقوله:
"وسواء أكان الحديث صحيحاً أو ضعيفاً؛ فلا أقل من أن يحمل على التفسير"!!
ما هذا الكلام أيها الأنوك الأحمق؟!! فما هو الذي يقابل التفسير الذي
ينبغي أن يحمل الحديث عليه إذا صح؟!
وبعبارة أخرى: فالحديث صحيح أو ضعيف، فإذا كان صحيحاً، فماذا؟ وإذا كان ضعيفاً؛ فماذا؟!
أليس في كل من الحالين يحمل الحديث على التفسير؟! ولكن في حالة كونه ضعيفاً؛ ما قيمة هذا التفسير الذي لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم؟!
وجملة القول: أن هذا الكلام ركيك جداً، يدل على عجمة هذا الجهمي، وليس ذلك في لسانه فقط، بل وفي تفكيره أيضاً؛ لأنه في الوقت الذي يقطع بأن هناك دليلاً على أن الرسول أول كما تقدم، ويكرر ذلك في مواضع أخر؛ فيقول (ص 80) :
"فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قد فسر الاستواء بالاستيلاء؛ فهذا هو التأويل بعينه"! إذ إنه يقول هذا الكلام الذي لا يشعر أنه به يهدم ما بنى؛ لجهله بكون الحديث صحيحاً أو ضعيفاً، فكيف وقد صرح جازماً بضعفه في مكان ثالث، فقال (ص 103) :
"وقدمت لك أن الرسول عليه الصلاة والسلام فسر الاستواء بالاستيلاء؛ حتى وإن كان أثراً ضعيفاً؛ فيستأنس به في التأويل"!!
إذن؛ هو ليس بدليل؛ لأن الدليل لا يستأنس به فقط، بل ويحتج به، فكيف جاز له أن يتقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:"إنه فسر الاستواء بالاستيلاء"؟! فليتبوأ - إذن - مقعده من النار!
ثم ما فائدة هذا التأويل الذي ذهب إليه الأشاعرة وغيرهم من الجهمية والمعطلة
- مع بطلانه في نفسه عندنا - ما داموا هم أنفسهم لا يأخذون به إلا مع تأويله أيضاً؟! ، ذلك لأنهم قد أورد عليهم أهل السنة حقاً أن تأويل الاستواء بالاستيلاء؛ معناه: أنه لم يكن مستولياً عليه من قبل، لا سيما بملاحظة الآية التي فيها:(ثم استوى على العرش) ؛ فإن (ثم) تفيد التراخي كما هو معلوم، وهذا التأويل مما لا يقول به مسلم؛ لأنه صريح في أن الله لم يكن مستولياً عليه سابقاً؛ بل كان مغلوباً على أمره، ثم استولى عليه! لا سيما وهم يستشهدون بذاك الشعر:
قد استوى بشر على العراق * * * بغير سيف ولا دم مهراق!
تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً!
فلما أورد هذا عليهم؛ انفكوا عنه؛ فقال بعض متأخريهم - كما نقله هذا الأزهري (ص 25) -:
"ولكن لا يخفى عليك الفرق بين استيلاء المخلوق واستيلاء الخالق"!
وقال الكوثري في تعليقه على "الأسماء"(ص 406،410) :
"ومن حمله على معنى الاستيلاء؛ حمله عليه بتجريده من معنى المغالبة"!
فأقول: إذا جردتم "الاستيلاء" من معنى المغالبة؛ فقد أبطلتم تأويلكم من أصله؛ لأن الاستيلاء يلازمه المغالبة عادة كما تدل عليه البيت المشار إليه، فإذا كان لا بد من التجريد تمسكاً بالتنزيه؛ فهلا قلتم كما قال السلف:"استوى: استعلى"؛ ثم جردتم الاستعلاء من كل ما لا يليق بالله تعالى؛ كالمكان، والاستقرار، ونحو ذلك، لا سيما وذلك غير لازم من الاستعلاء حتى في المخلوق؛