الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"لا يعرف حالها".
قلت: وأشار إلى ذلك الذهبي في "الميزان"؛ بإيراده إياها في "فصل النسوة المجهولات".
ثم أورد في "الكنى" أم الأسود هذه، فقال:
"مولاة أبي زرعة، عن منية بنت عبيد وأم نائلة. قال النسائي في آخر "الضعفاء": غير ثقة".
ثم قدر تخريجه فيما يأتي برقم (5526) .
5455
- (كان يحفي شاربه) .
ضعيف جداً
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 166) وقد ذكره من حديث أم عياش:
"رواه الطبراني، وفيه عبد الكريم بن روح، وهو متروك"!
قلت: والمراد بـ (الطبراني) عند الإطلاق؛ إنما هو "المعجم الكبير" من "معاجمه" الثلاثة. على هذا جرى هو وغيره من الحفاظ، وإليه عزاه السيوطي في "الجامع الصغير"! ولم أره في ترجمة أم عياش من المجلد الخامس والعشرين، وقد طبع أخيراً بهمة أخينا الفاضل حمدي عبد المجيد السلفي - جزاه الله خيراً -، وقد أورد لها فيه (ص 91-92) خمسة أحاديث، ليس منها حديث الترجمة؛ فلعله أورده في غيرها لمناسبة ما!
وليس هو في "المعجم الصغير"؛ فإنه ليس فيه أي حديث؛ كما يستفاد من كتابي "الروض النضير"، وقد كنت رتبت به "المعجم الصغير" على أسماء
الصحابة، ورتبت تحتها أحاديث كل منهم على الحروف.
ولا هو في "المعجم الأوسط"، وإنما فيه من الخمسة حديثان في ترجمة محمد بن أحمد بن هشام الحربي (2/ 21) رقم (5401،5402) ، وقد كنت رقمت أحاديثه، وفهرست أسماء رواته من الصحابة، وذكرت أرقام أحاديث كل واحد منهم تحت اسمه، فلم أجد في اسم أم عياش سوى الرقمين المذكورين؛ ولكن النسخة التي فهرستها فيها - مع الأسف - خرم، وأستبعد أن يكون الحديث فيما سقط منها؛ لأن أحداً لم يعزه "لأوسط الطبراني"، ولأن الحافظ ابن حجر لم يعزه في "الإصابة" إلا لابن منده. فالله أعلم.
والحديث؛ قال المناوي في "التيسير بشرح الجامع الصغير":
"إسناده ضعيف، وقول المؤلف: حسن؛ غير حسن".
وإنما أخذ تحسين السيوطي من الرمز له بالحسن في "الجامع"! والاعتماد على رموزه فيه؛ مما لا يحسن؛ لأسباب كنت ذكرتها في مقدمة كتابي: "صحيح الجامع" و "ضعيف الجامع".
ثم إن مما يحسن التنبيه عليه: أن ثاني تلك الأحاديث الخمسة قد رواه ابن ماجه أيضاً، وفيه عبد الكريم هذا، فنقل الشيخ حمدي السلفي عن "الزوائد" أنه قال:
"وعبد الكريم مختلف فيه"!
فهذا القول من البوصيري مؤلف "الزوائد" غير دقيق، وذلك؛ لأن أحداً لم يصرح بتوثيقه، كل ما في الأمر أن ابن حبان أورده في كتاب "الثقات"، وقال:
"يخطىء ويخالف".
هكذا ذكروا في "تهذيب المزي" و "تهذيبه" للعسقلاني! وهذا في نقدي من الأمور التي ينبغي أن يؤخذ على ابن حبان في كتابه هذا "الثقات"؛ فإن من كان من شأنه أن يخطىء ويخالف؛ كيف يكون ثقة؟!
إن وصفه إياه بهاتين الصفتين يجعله بكتابه "الضعفاء" أليق من كتابه "الثقات"، كما لا يخفى على أولي النهى! ولذلك؛ جزم الحافظ في "التقريب" بضعف عبد الكريم هذا. وقال الذهبي في "الكاشف":
"فيه لين".
ولذلك؛ فإنه لم يحسن صنعاً حين نقل قول ابن حبان السابق دون أن يعزوه إلى كتابه "الثقات"، وتبعه على ذلك الخزرجي في "الخلاصة"؛ لأن هذا الصنيع يوهم من لا علم عنده أنه قال ذلك في كتابه "الضعفاء"؛ لما ذكرته آنفاً. وقد أورد فيه ابن حبان جماعة من الضعفاء؛ لقوله فيهم:"كان يخطىء" ونحوه. فانظر مثلاً ترجمة إسحاق بن إبراهيم (1/ 134) ، وأيمن بن نابل (1/ 183) ، وثابت بن زهير (1/ 206)، والصباح بن يحيى (1/ 377) ؛ بل قال في جعفر ابن الحارث أبي الأشهب (1/ 212) :
"كان يخطىء في الشيء بعد الشيء، ولم يكثر خطؤه حتى يصير من المجروحين في الحقيقة؛ ولكنه ممن لا يحتج به إذا انفرد، وهو من الثقات يقرب".
وذكر نحوه في آخرين؛ فانظر (1/ 260،262، 353) .
ومما لا يرتاب فيه عارف بهذا الفن: أن قوله في الراوي:
"يخطىء ويخالف"؛ إن لم يكن أقرب إلى الجرح من قوله في أبي الأشهب هذا:
".. ولم يكثر خطؤه
…
"؛ فليس هو خيراً منه.
وبعد؛ فإن تناقض ابن حبان في بعض الرواة معلوم عند العارفين به، فكثيراً ما يورد الراوي الواحد في كتابيه:"الثقات" و "الضعفاء"، فهذا الراوي قريب منه؛ إلا أنه أورده في "الثقات"، ووصفه فيه بصفة الضعفاء!!
وجملة القول: أن الحديث ضعيف الإسناد جداً، ولم أجد في معناه غيره؛ اللهم؛ إلا ما رواه ابن سعد في "الطبقات" (1/ 449) من طريق حماد بن سلمة قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن ابن جريج: أنه قال لابن عمر:
رأيتك تحفي شاربك؟! قال:
رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحفي شاربه.
قلت: وهذا إسناد ظاهره الصحة؛ فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير أن حماد بن سلمة إنما أخرج له البخاري تعليقاً، وقد تكلم فيه بعضهم؛ قال الحافظ في "التقريب":
"أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة". وقال الذهبي في "الميزان":
"وكان ثقة، له أوهام". وقال في "الكاشف":
"هو ثقة صدوق يغلط، وليس في قوة مالك".
قلت: وأنا أظن أن هذا الحديث من أغلاطه؛ وذلك؛ لأن المحفوظ عن عبيد الله ابن عمر - وهو العمري المصغر - عن سعيد عن ابن جريج قال:
قلت لابن عمر: أربع خلال رأيتك تصنعهن، لم أر أحداً يصنعهن؟! قال: ما هي؟ قال: رأيتك تلبس هذه النعال السبتية، ورأيتك تستلم هذين الركنين اليمانيين؛ لا تستلم غيرهما، ورأيتك لا تهل حتى تضع رجلك في الغرز، ورأيتك تصفر لحيتك؟! قال:
أما لبسي هذه النعال السبتية؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبسها، أو يتوضأ فيها، ويستحبها.
وأما استلام هذين الركنين؛ فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما، لا يستلم غيرهما.
وأما تصفيري لحيتي؛ فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفر لحيته.
وأما إهلالي إذا استوت بي راحلتي؛ فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضع رجله في الغرز واستوت به راحلته أهل.
أخرجه أحمد (2/ 17-18) : حدثنا يحيى عن عبيد الله به.
قلت: ويحيى: هو ابن سعيد القطان الإمام؛ قال الحافظ:
"ثقة متقن حافظ، إمام قدوة".
قلت: فهذا هو الحديث؛ ساقه هذا الحافظ المتقن عن عبيد الله بن عمر بتمامه؛ فأخطأ عليه حماد بن سلمة، فلم يسقه بتمامه، وذكر مكان الخلة: إحفاء الشارب.
وكذلك رواه الإمام مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري؛ مثل رواية يحيى عن عبيد الله.
وأخرجه الشيخان وغيرهما عن مالك به، وهو مخرج في "صحيح أبي داود"(1554) .
وكذلك رواه الطيالسي (1928) عن العمري عن سعيد به.
ولعل أصل الحديث الذي وهم فيه حماد - على ما بينا - موقوف على ابن عمر؛ فقد علقه البخاري (10/ 334 - فتح) بقوله:
"وكان ابن عمر يحفي شاربه، حتى ينظر إلى بياض الجلد؛ ويأخذ هذين؛ يعني: بين الشارب واللحية".
لكن في سنده ضعف؛ فقد قال الحافظ:
"وصله أبو بكر الأثرم من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال: رأيت ابن عمر يحفي شاربه حتى لا يترك منه شيئاً. وأخرج الطبري من طريق عبد الله بن أبي عثمان: رأيت ابن عمر يأخذ من شاربه أعلاه وأسفله".
قلت: عمر بن أبي سلمة ضعفه جمع. وقال الحافظ:
"صدوق يخطىء".
وعبد الله بن أبي عثمان - وهو القرشي -؛ قال ابن أبي حاتم عن أبيه:
"صدوق؛ لا بأس بحديثه".
قلت: فإن صح السند إليه - كما هو الظاهر -؛ فهو جيد؛ ولكنه لا يصلح
شاهداً لرواية عمر بن أبي سلمة؛ لأن المتبادر من حديثه خلافها؛ لأن قوله: يأخذ من شاربه أعلاه وأسفله؛ صريح - أو كالصريح - في أنه كان لا يحفيه؛ وإلا؛ لو أراد الإحفاء لم يكن لقوله: أعلاه وأسفله؛ معنى كما هو ظاهر.
وقريب من حديث ابن أبي عثمان هذا: ما رواه البيهقي (1/ 151) من طريق أخرى عن ابن عمر:
أنه كان يستعرض سبلته فيجزها، كما تجز الشاة أو يجز البعير.
ورجاله ثقات؛ غير شيخ شيخ البيهقي أبي بكر محمد بن جعفر المزكي؛ فلم أعرفه.
لكن الظاهر أنه لم يتفرد به؛ فقد سكت عنه الحافظ في "الفتح"(10/ 348) ؛ وعزاه للطبري أيضاً، وهو في طبقة المزكي هذا بل أعلى.
ويقويه ما عند البيهقي أيضاً من طريق ابن عجلان عن عبيد الله بن أبي رافع قال:
رأيت أبا سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، ورافع بن خديج؛ وأبا أسيد الأنصاري، وابن الأكوع، وأبا رافع ينهكون شواربهم حتى الحلق.
وإسناده حسن؛ إن كان شيخ ابن عجلان: عبيد الله بن أبي رافع هذا؛ فقد قال البيهقي عقبه:
"كذا وجدته. وقال غيره: عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، وقيل: ابن رافع".
وكأنه يعني بـ "غيره": إبراهيم بن سويد؛ فقد قال: حدثني عثمان بن
عبيد الله بن رافع: أنه رأى أبا سعيد الخدري
…
إلخ؛ إلا أنه لم يذكر أبا رافع معهم.
أخرجه الطبراني (1/ 212/ 668) . وقال الهيثمي (5/ 166) :
"وعثمان هذا لم أعرفه"!
كذا قال هنا! وقال في موضعين آخرين (5/ 163،164) :
"وعثمان؛ ذكره ابن أبي حاتم، ولم يضعفه"!
قلت: وقال (3/ 156) :
"روى عنه ابن أبي ذئب".
قلت: وإبراهيم بن سويد أيضاً - كما ترى في هذه الرواية -، وهو إبراهيم بن سويد بن حبان المدني، وهو ثقة. وهو أقوى من محمد بن عجلان، فروايته أرجح.
وروى أيضاً إبراهيم بن طهمان: عند الطبراني (2/ 196/ 1740 و 4/ 262/ 4240) في أثر آخر.
فقد روى عن عثمان هذا ثلاثة من الثقات، فالنفس تطمئن لروايته، ولا سيما وقد وثقه ابن حبان (3/ 177) . فالإسناد حسن. والله أعلم.
لكن قد خالف ابن عمر ومن معه من الصحابة جمع آخر منهم:
فأخرج الطبراني في "المعجم الكبير"(3/ 255/ 3218)، والبيهقي - واللفظ له - من طريق شرحبيل بن مسلم الخولاني قال:
رأيت خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصون (ولفظ الطبراني: يقمون) شواربهم، ويعفون لحاهم، ويصفرونها: أبوأمامة الباهلي، وعبد الله بن بسر، وعتبة
ابن عبد السلمي، والحجاج بن عامر الثمالي، والمقدام بن معدي كرب الكندي؛ كانوا يقصون (ولفظ الطبراني: يقمون) شواربهم مع طرف الشفة.
قلت: وإسناده جيد، كما قال الهيثمي (5/ 167) .
وسكت عنه الحافظ، ووقع فيه وهم فاحش؛ فإنه لم يذكر فيه قوله: كانوا يقصون
…
إلخ، بل ذكره عقب رواية عبيد الله بن أبي رافع المتقدم؛ فإنه قال عقبها:
"لفظ الطبري. وفي رواية البيهقي: يقصون
…
" إلخ!
فأوهم أنها رواية في حديث عبيد الله، وإنما هي من رواية شرحبيل! فلعل هذا الخلط من أحد النساخ أو الطباع.
وإذا عرفت ما تقدم؛ يتبين لك أن الإحفاء غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً، وإنما ثبت عن بعض الصحابة، كما ثبت عن بعضهم خلافه، وهو إحفاء ما على طرف الشفة، وهو الذي من فعله صلى الله عليه وسلم في شارب المغيرة كما سيأتي بعد صفحات. وهذا الإحفاء هو المراد بالأحاديث القولية الآمرة بالإحفاء وما في معناها، وليس أخذ الشارب كله؛ لمنافاته لقوله صلى الله عليه وسلم:
"من لم يأخذ من شاربه
…
". والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، وهو الذي اختاره الإمام مالك، ثم النووي وغيره (1) ، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
واختار الطحاوي الإحفاء، وأجاب عن حديث المغيرة بقوله:
"فليس فيه دليل على شيء؛ لأنه يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ولم
(1) انظر " المجموع شرح المهذب "(1 / 287 - 288) . (الناشر)
يكن بحضرته مقراض يقدر على إحفاء الشارب"!
قلت: وهذا الجواب ظاهر التكلف؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيته؛ لأن في الحديث - كما تقدم - أن المغيرة كان ضيفاً عليه صلى الله عليه وسلم لما قص شاربه، فهل يعقل أن لا يكون عنده صلى الله عليه وسلم مقراض بل مقاريض؛ إذا تذكرنا أنه كان له تسع زوجات؟!
فلعل الطحاوي لم يستحضر ضيافة المغيرة عليه صلى الله عليه وسلم، أو أنها لم تقع له، وهذا هو الأقرب الذي يقتضيه حسن الظن به؛ لأنه إنما روى الحديث مختصراً.
وكذلك ذكره الشوكاني (1/ 101)، وقال عقبه - بعد أن حكى خلاصة كلام الطحاوي بقوله:"قال: وهذا لا يكون معه إحفاء" -:
"ويجاب عنه أنه محتمل، ودعوى أنه لا يكون معه إحفاء ممنوعة، وهو إن صح كما ذكر؛ لا يعارض تلك الأقوال منه صلى الله عليه وسلم"!
قلت: وجواب الشوكاني أبعد عن الصواب من جواب الطحاوي؛ لأن الاحتمال المذكور باطل؛ لا يمكن تصوره من كل من استحضر قص الشارب على السواك.
وأما ترجيح أقواله صلى الله عليه وسلم؛ فهو صحيح لو كانت معارضة لفعله معارضة لا يمكن التوفيق، وليس الأمر كذلك؛ لما سبق بيانه.
واعلم أن الباعث إلى تخريج هذا الحديث: أنني رأيت الشوكاني ذكره من حديث ابن عباس نقلاً عن ابن القيم، فارتبت في ذلك، فرجعت إلى كتابه "زاد المعاد"؛ فرأيته فيه بلفظ:
كان يجز شاربه.
فعرفت أنه تحرف على الشوكاني أو الناسخ أو الطابع لفظ: (يجز) إلى: (يحفي) ! ويؤكد ذلك أن ابن القيم قال عقب حديث ابن عباس هذا مباشرة:
"قال الطحاوي: وهذا (يعني: الجز) الأغلب فيه الإحفاء، وهو يحتمل الوجهين".
قلت: فلو كان لفظ الحديث: (يحفي) ؛ لما صح تفسيره بما ذكر، كما هو ظاهر.
ثم اعلم أن حديث ابن عباس ورد من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً بألفاظ؛ هذا أحدها.
أخرجه الطحاوي في "شرح المعاني"(2/ 333) .
والثاني: بلفظ:
كان يقص شاربه.
أخرجه الإمام أحمد (1/ 301) ، والدينوري في "المجالسة"(26/ 25-26) ، وعنه ابن عساكر في "التاريخ"(2/ 166/ 2) ، والطبراني في "المعجم الكبير"(11725)، وزادوا:
وكان أبوكم إبراهيم من قبله يقص شاربه.
والثالث: بلفظ:
كان يقص أو يأخذ من شاربه، وكان إبراهيم خليل الرحمن يفعله.
أخرجه الترمذي (2761) من طريق إسرائيل عن سماك به.
واللفظان قبله أخرجهما من ذكرنا من طريق حسن بن صالح عن سماك به.
والحسن بن صالح وإسرائيل؛ كلاهما ثقة. فالظاهر أن هذا الاختلاف في لفظه؛ إنما هو من سماك بن حرب؛ فإنه متكلم فيه إذا روى عن عكرمة؛ قال الحافظ في "التقريب":
"صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة؛ فكان ربما يلقن".
أقول هذا تحقيقاً للرواية، وإلا؛ فلا فرق عندي بين هذه الألفاظ الثلاثة من حيث الدراية؛ فإن لفظ:(يجز) هو بمعنى: (يقص)، وبمعناه اللفظ الآخر:(يأخذ من شاربه) ؛ فإن (من) تبعيضية؛ فهو كقوله صلى الله عليه وسلم:
"من لم يأخذ من شاربه فليس منا". أخرجه الترمذي وغيره وصححوه.
وقد جاء بيان صفة الأخذ في السنة العملية؛ فإليها المرجع في تفسير النصوص القولية المختلف في فهمها؛ فإن من القواعد المقررة: أن الفعل يبين القول حتى لو كان من كلام الله تعالى.
وإليك ما وقفت عليه من السنة:
أولاً: عن المغيرة بن شعبة قال:
ضفت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة.. وكان شاربي وفى، فقصه لي على سواك.
رواه أبو داود وغيره. وإسناده صحيح، وهو مخرج في "صحيح أبي داود"(182)
و "مختصر الشمائل"(140) .
وفي رواية للطحاوي والبيهقي:
فدعا بسواك وشفرة، فوضع السواك تحت الشارب، فقص عليه.
ثانيا: عن أيوب السختياني عن يوسف بن طلق بن حبيب:
أن حجاماً أخذ من شارب النبي صلى الله عليه وسلم، فرأى شيبة في لحيته
…
الحديث.
رواه ابن سعد في "الطبقات"(1/ 433) .
قلت: ورجاله ثقات؛ غير يوسف بن طلق بن حبيب؛ فلم أعرفه! ومن المحتمل أن يكون قوله: (يوسف بن) خطأ من الناسخ أو الطابع، أو محرفاً عن شيء؛ كأن يكون (أبي يوسف طلق بن حبيب) ؛ فإن طلقاً هذا قد ذكر المزي في الرواة عنه من "تهذيبه": أيوب السختياني. فإذا ثبت هذا الاحتمال؛ فيكون الإسناد صحيحاً مرسلاً؛ فهو شاهد قوي لما قبله.
ثالثاً: عن مندل عن عبد الرحمن بن زياد عن أشياخ لهم قالوا:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ الشارب من أطرافه.
أخرجه ابن سعد (1/ 449) .
لكن مندل هذا - وهو ابن علي العنزي - ضعيف لسوء حفظه.
وعبد الرحمن بن زياد لم أعرفه، ويحتمل أن يكون عبد الرحمن بن زياد؛ تابعي روى له الترمذي. أو عبد الرحمن بن زياد مولى بني هاشم، وكلاهما مقبول عند الحافظ. والله أعلم.