الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم أرشد الله العصاة والمذنبين إذا أذنبوا بأن يبادروا في المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويبالغوا في التوبة وطلب المغفرة، حتى يستغفر لهم الرسول، فإن فعلوا ذلك تاب الله عليهم، إنه قابل التوبة واسع الرحمة، ونفى الله الإيمان الكامل عن أناس حتى يحكّموا الله ورسوله في كل أمورهم، وقضاياهم ومنازعاتهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم أي ضيق أو تضجر من حكم الله في القرآن والسنة، ويعلنوا الاستسلام والانقياد التام لأمر الله ورسوله، وحصر الاحتكام إلى القرآن والسنة يؤدي إلى وحدة الأقضية والأحكام في الأمة، وإلى إشاعة العدل، والتزام الحق والخير في كل مشكلة.
حب الوطن وامتثال أوامر الدين
قد يتعرض الإنسان في كل زمان إلى أزمنة أو مشكلة داخلية، يضطر فيها إلى إجراء موازنة أو مقارنة أو مفاضلة بين أمرين خطيرين: هما حب الأوطان، وامتثال أوامر الدين الذي يدين به الإنسان ويعتقد بصحته، وهنا يحار ويضطرب، وقد فصل القرآن الكريم في هذه المسألة، وأخبر عن الحل الأمثل، ألا وهو طاعة الله والرسول، وإن كان أكثر الناس يؤثرون حب الوطن والبقاء في مواقعهم، على حساب أداء شعائر الدين، وتلك هي أ؟ سارة والتفريط بما هو الأهم والأقدس.
قال الله تعالى:
[سورة النساء (4) : الآيات 66 الى 68]
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (66) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (67) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (68)
[النساء: 4/ 66- 68] .
سبب نزول هذه الآيات: أن اليهود قالوا: لما لم يرض منافق بحكم النبي صلى الله عليه وسلم ما رأينا أسخف من هؤلاء، يؤمنون بمحمد ويتبعونه، ويطؤون عقبه، ثم لا يرضون
بحكمه، ونحن قد أمرنا بقتل أنفسنا، ففعلنا، وبلغ القتل فينا سبعين ألفا، فقال ثابت ابن قيس: لو كتب ذلك علينا لفعلناه، فنزلت الآية معلمة حال أولئك المنافقين، وأنه لو كتب ذلك على الأمة، لم يفعلوه، وما كان يفعله إلا قليل مؤمنون محققون، كثابت ابن قيس وغيره،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثابت بن قيس، وعمار، وابن مسعود من القليل» .
والواقع أنه لو فرض على أمتنا قتل النفس من أجل التوبة لفعلوه، قال رجل مؤمن وهو أبو بكر الصديق حين نزول هذه الآية: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«إن من أمتي رجالا، الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي»
وقال عمار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس: لو أن الله أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه السيوطي في الدر المنثور والزبيدي في اتحافه: «الإيمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي» .
إن هذه الآيات تتطلب إطاعة الأوامر الإلهية إيمانا راسخا كالجبال الراسيات الثوابت، والطاعة: حمل النفس على فعل ما تكره، لا على ما تجب، وصحيح أن التزام الأوامر الإلهية وطاعة الرب إطاعة تامة لا يفعلها إلا فئة قليلة من الناس، ولكن لو فعل هؤلاء المأمور به، وتركوا ما ينهون عنه، لكان لهم خيرا في الدنيا والآخرة، ودليلا على الثبات على الحق، وسببا لاستحقاق الثواب العظيم في الآخرة لأن الجنة حفّت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. وفي قوله تعالى: أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ إشارة صريحة إلى تعلق النفوس البشرية ببلادها، وإلى أن حب الوطن متمكن في النفوس ومتعلقة به، لأن الله سبحانه جعل الخروج من الديار والأوطان معادلا ومقارنا قتل النفس، فكلا الأمرين عزيز، ولا يفرط أغلب الناس بذرة من تراب الوطن مهما تعرضوا للمشاق والمتاعب والمضايقات.