الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يا أهل الكتاب لا حجة لكم فيما تقولون وتدّعون من النجاة في الآخرة، فلقد جاءكم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد فترة من انقطاع الرّسل والوحي، يبيّن لكم ما اندثر وضاع من الأحكام الشرعية، وقد بشّرت به كتبكم، وهو مصدّق لما معكم من التوراة والإنجيل، ومكمل للشرائع، وخاتم للرّسل، أرسله ربّه بالهدى، ودين الحق، لئلا تقولوا: ما جاءنا من بشير يبشّر بالجنة من أطاع، ولا نذير يحذّر ويخوّف من عصى بالنار، فقد جاءكم البشير والنذير، وقامت الحجة عليكم، والله على كل شيء تام القدرة، نافذ الإرادة والسلطان، فهو المنعم والمعذّب، والمحاسب والراحم، والمنتقم والغفار، لا ربّ غيره، ولا إله سواه، الكل في الدنيا والآخرة وجميع السماوات والأرض في قبضته وإرادته وتصرّفه، فليعقل الناس ما هم عليه من الحقائق البشرية، ولا يدّعي أحد أنه فوق منازل البشر، أو أنه إله، فالإله خالق، ولا خالق غيره.
ألوان من النّقاش بين موسى وقومه
أقام الله تعالى في قرآنه أدلة قاطعة من التاريخ على تحقق نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمره بالإخبار بها، حيث لا يوجد مصدر علمي آخر موثوق به يدلّ عليها، ومن تلك الأدلة: إيراد تفصيلات دقيقة من النقاش والجدل بين موسى عليه السلام وبين قومه، قال الله تعالى:
[سورة المائدة (5) : الآيات 20 الى 26]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (20) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (21) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (22) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (24)
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (26)
«1» «2» [المائدة: 5/ 20- 26] .
والمعنى: اذكر لهم يا محمد أخبار موسى مع قومه، ليصدّقوا بدعوتك ويتحققوا نبوّتك، إذ لا يوجد مصدر آخر لهذه الأخبار من غير طريق الوحي إليك. ومشتملات هذه الأخبار: تعداد أهم النّعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل في زمان موسى، وهي نعم ثلاث:
قال موسى لقومه: تذكروا نعمة الله عليكم بتتابع الأنبياء فيكم، من عهد إبراهيم إلى عيسى عليهم السلام، وتذكروا أن الله جعلكم ملوكا أحرارا بعد أن كنتم مملوكين في أيدي القبط المصريين، والملوك شرف الدنيا، فعندكم ما يكفيكم من الأزواج والخدم والدور والأراضي المشجرة وغير المشجرة، وأمدكم الله في زمان أسلافكم الذي كانوا فيه بالخيرات وآيات موسى مثل المنّ والسلوى، والتّظليل بالغمام، وفلق البحر أو فرقه، وإنجاؤكم وغرق عدوكم فرعون وجنوده في البحر.
ويا قوم ادخلوا الأرض المطهرة من عبادة الأوثان، المباركة لأنها أرض الأنبياء الخالية من القحط والجوع ونحوه، لتجاهدوا أعداءكم في الطّور وما حوله كما قال مجاهد، وهي التي قسمها لكم وسماها، ولا تتراجعوا وتنهزموا من خوف أهلها الجبارين، ولا تتخلفوا عن الجهاد، فتصبحوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة.
(1) فافصل بحكمك.
(2)
يسيرون فيها متحيّرين.
قالوا: يا موسى، إن في تلك الأرض قوما جبارين، أي طوالا عتاة، يجبرون الناس على ما أرادوا، وكانوا من الكنعانيين، وإنا لن ندخلها أبدا حتى يخرجوا منها، فإن خرجوا منها، فإنا داخلون فيها. قالوا هذا على سبيل الاستبعاد والتّعنت والتخلف عن الجهاد، وهذه طبيعتهم الحالية لجبنهم وتقاعسهم.
لذا استنكر بعضهم هذا الموقف المتخاذل، فقال رجلان من الذين يخافون الله تعالى، وأنعم الله عليهما بالإيمان الصحيح وقوة البأس والعزيمة والثبوت في الحق، وهما من قوم موسى النّقباء الأشراف: ادخلوا عليهم باب المدينة، ففي ذلك إرهاب لهم وتخويف وذعر، فإذا دخلتم الباب، فإنكم غالبون منصورون، وعلى الله توكّلوا إن كنتم مصدّقين به بوعده بالنصر.
فأجابوا وقالوا مصرّين على الرّفض والعناد والتّمرد، ولم تنفعهم عظة الرجلين الصالحين شيئا: يا موسى، إنا لن ندخلها أبدا ما دام فيها هؤلاء الجبابرة، فاذهب أنت وربّك الذي أمرك بالجهاد، فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون عن الجهاد، منتظرون ما يحدث. وفي هذا غاية الجبن والتقاعس وقلة الأدب مع الله، والتّنكر لموسى عليه السلام.
فقال موسى غاضبا حزينا: ربّي إني لا أملك إلا نفسي وأخي هارون فلا يطيعني أحد منهم، لامتثال أمر الجهاد، فافصل واقض بيني وبين هؤلاء القوم الفاسقين الخارجين عن طاعتك.
قال الله تعالى: فإن تلك الأرض المقدسة محرّم عليهم دخولها مدة أربعين سنة، واتركهم خلالها يتيهون في الأرض، فلا تحزن يا موسى على القوم المتمرّدين فيما حكمت به عليهم، جزاء ما يستحقون، فتلك أفعالهم الخبيثة سجية موروثة عندهم.