الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإن كان سبّها حقّا متقرّرا موافقا للواقع، لكن إذا كان السّب ذريعة محرّضة إلى سبّ الإله الحق، كان البعد عن المتسبّب لذلك هو الواجب شرعا وعقلا وسياسة ووعيا.
قال الله تعالى مبيّنا هذه الحقيقة:
[سورة الأنعام (6) : الآيات 108 الى 110]
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (108) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)
«1» »
«3» «4» «5» [الأنعام: 6/ 108- 110] .
قال قتادة مبيّنا سبب نزول هذه الآية: وَلا تَسُبُّوا..: كان المسلمون يسبّون أصنام الكفّار، فيسبّوا- أي الكفار- الله، فأنزل الله: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وبعبارة أخرى: قال كفار قريش لأبي طالب: إما أن ينتهي محمد وأصحابه عن سبّ آلهتنا والغضّ منها، وإما أن نسبّ إله ونهجوه، فنزلت الآية.
الآية خطاب للمؤمنين وللنّبي صلى الله عليه وسلم، وحكمها على كل حال باق في الأمة، فمتى كان الكافر في منعة، وخيف أن يسب الإسلام أو النّبي صلى الله عليه وسلم، أو الله عز وجل، فلا يحلّ للمسلم أن يسبّ دينهم ولا صلبناهم ولا يتعرّض إلى ما يؤدي إلى ذلك ونحوه.
ينهاكم الله تعالى أيها المؤمنون عن سبّ آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين، وهو اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كما قال ابن عباس.
والمعنى: لا تسبّوا أيها المسلمون آلهة المشركين التي يدعونها دون الله لأنه ربما ينشأ عن ذلك سبّهم الله عز وجل ظلما وعدوانا، لإغاظة المؤمنين، جهلا منهم
(1) اعتداء وظلما.
(2)
أوكدها.
(3)
نتركهم. [.....]
(4)
تجاوزهم الحدّ بالكفر.
(5)
يتحيّرون ويتردّدون
بقدرة الله تعالى وعظمته. وهكذا كل طاعة أو مصلحة أدّت إلى معصية أو منكر أو مفسدة تترك. وكما زيّن الله للمشركين حبّ الأصنام والانتصار لها، زيّن لكل أمة من الأمم سوء عملهم من الكفر والضلال، فتلك سنة الله في خلقه، يستحسنون العادات والتقاليد القبيحة عن تقليد وجهل، أو عن معرفة وعناد، والله يتركهم وشأنهم. وهذا التّزيين للمنكر والضّلال أثر لاختيارهم دون جبر ولا إكراه، لا أن الله خلق في قلوبهم تزيينا للكفر والشّر، كما زيّن الله في قلوب الآخرين الإيمان والخير. ثم قال تعالى: ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وهذا يتضمن وعدا جميلا للمحسنين، ووعيدا ثقيلا للمسيئين.
ثم أوضح الله تناقض المشركين في أقوالهم وخيانتهم في أفعالهم، فإنهم حلفوا أيمانا مؤكّدة بالله: لئن جاءتهم آية، أي معجزة مادّية محسوسة، وخارقة للعادة من الآيات الكونية التي يقترحونها، ليصدقن بها أنها من عند الله، وأنك رسول الله، غير أنهم قوم معاندون، فإذا جاءتهم الآيات أو المعجزات لم يؤمنوا بشيء منها. وردّ الله عليهم.
قل يا محمد لهؤلاء الطالبين آيات تعنّتا وعنادا وكفرا: إنما مرجع هذه الآيات إلى الله، وهو القادر عليها، إن شاء أتى بها، وإن شاء ترككم فلا ينزلها إلا على موجب الحكمة. وما يدريكم إيمانهم إذا جاءتهم الآيات، فهو لا يؤمنون بها، لسبق علم الله أنهم لن يؤمنوا.
وما يدريكم أننا- نحن الله- نحوّل قلوبهم عن إدراك الحق، والإيمان، ونصرف أبصارهم عن إبصار الحق، ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة حين أتتهم الآيات التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره، لتمام إعراضهم عن إدراك الحقائق، وما يشعركم أيضا أننا نذرهم ونخلّيهم وشأنهم