الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليه، ولا يأس في صلاح الناس، ولا ينقطع الأمل في توجه الإنسان إلى الخير، والله يراقب الجميع، فيشيد بأهل الحق، وينذر أهل الباطل، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (7) : الآيات 159 الى 160]
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)
«1» «2» «3» «4» «5» «6» «7» [الأعراف: 7/ 159- 160] .
هذه ثلاث أحوال لقوم موسى الذين رغبهم الله تعالى باتباع ملة محمد صلى الله عليه وسلم. الحال الأولى: أن بعضهم اتبعوا موسى بحق واتبعوا أيضا محمدا صلى الله عليه وسلم، وهذه شهادة صريحة من الله تعالى تبين أن من قوم موسى جماعة تهدي بالحق، وتؤمن بالإيمان الحق، وترشد الناس إلى الإيمان الصحيح والخير، وتدل على منهج الاستقامة، وتحكم بمقتضى العدل الإلهي الواجب اتباعه في القضاء دون جور أو ظلم، هؤلاء الجماعة اهتدوا واتقوا وعدلوا. فأشاد القرآن بهم.
والحال الثانية لبني إسرائيل: أن الله تعالى في عهد موسى صيرهم اثنتي عشرة فرقة أو قبيلة، تسمى أسباطا، أي أمما وجماعات، وتمتاز كل جماعة منهم بنظام خاص بها في المعيشة وممارسة شؤون الحياة.
والحال الثالثة لهم: حال الأسباط إزاء نعم الله تعالى عليهم وهم في صحراء التيه، يذكّر الله أجيالهم بما أنعم به على أصولهم، ليشكروا النعمة ويستقيموا على أمر الله تعالى. والله أنعم عليهم بنعم فريدة ثلاث:
(1) يحكمون بالخصومات بالحق.
(2)
فرّقناهم.
(3)
جماعات كالقبائل العربية.
(4)
فانفجرت.
(5)
عينهم الخاصة بهم.
(6)
السحاب الأبيض الرقيق.
(7)
المن: مادة حلوة. والسلوى: طائر وهو السّماني.
النعمة الأولى: أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن يضرب بعصاه الحجر أو الصخر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بمقدار عدد أسباطهم، كل سبط له عين خاصة به، ومشرب مستقل بفرقته، قد علم كل سبط مشربهم منه. ومن المعلوم أن السبط في ولد إسحاق كالقبيلة في ولد إسماعيل. وانبجاس الماء: خروجه بقلة وهدوء، أما انفجار الماء فهو خروجه بكثرة وتدفق، الانبجاس أخف من الانفجار.
النعمة الثانية: تظليل الغمام، فكانوا إذا اشتد عليهم الحر في الصحراء، يسخر الله تعالى لهم الغمام، أي السحاب، يظلهم بظله الظليل، رحمة من الله تعالى.
والنعمة الثالثة: إنزال المن والسلوى، فكان الطعام الشهي ينزل عليهم بسهولة، دون عناء ولا مشقة، وهو المن الذي كان يقوم مقام الخبز عندهم، وهو مادة حلوة الطعم، يجتمع كالندى على ورق الشجر وغيره صباحا. والسلوى: يقوم مقام سائر اللحوم، وهو طير أكبر من السّماني.
سخّر الله تعالى هذه النعم لقوم موسى وهنأهم بها، وأذن لهم بالانتفاع بها، فقال الله لهم: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي تمتعوا وانتفعوا بهذه اللذائذ المستطابات، فهي نعم خصصناها بكم، فما عليكم إلا شكر النعمة، ولكن القوم جحدوا النعمة وبطروا بها وتكبروا عنها ولم يشكروها، فظلموا أنفسهم وأضروها فقط، وما ظلموا المنعم عليهم أبدا، لأن الإنسان إذا أقدم على المعصية، فهو ما أضر إلا نفسه، حيث عرّض نفسه للعقاب الشديد، ومن ظلم نفسه كان لغيره أظلم، ومن ضيّع مجده كان لمجد أمته أضيع. ولو صلح القوم على أمر الله، لكان لهم شأن آخر، وكانت ألوان النعم الكثيرة كالسيل الهادر يغدقها الله عليهم.