الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رجل من القريتين عظيم، أي مكة والطائف، الوليد بن المغيرة من مكة أو عروة بن مسعود الثقفي من الطائف، وذلك حسدا منهم وغرورا، وظنّا منهم أن الرّسالة الإلهية كمراكز الدنيا تعتمد على المال أو السلطة.
قال الله تعالى مندّدا بهذه المطامع والآمال:
[سورة الأنعام (6) : الآيات 124 الى 125]
وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (124) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125)
«1» «2» «3» «4» [الأنعام: 6/ 124- 125] .
نزلت الآية الأولى في الوليد بن المغيرة قال: لو كانت النّبوة حقّا، لكنت أولى بها من محمد لأني أكبر منه سنّا، وأكثر منه مالا وولدا.
الآية الأولى ذمّ للكفار وتوعّد لهم، فإنهم إذا جاءتهم علامة ودليل على صحة الشّرع الإلهي، اشتطّوا واغتروا، وطلبوا أن يؤتوا مثلما أوتي محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وقالوا: إنما يفلق لنا البحر، إنما يحيي لنا الموتى ونحو ذلك، أي إنهم طلبوا المستحيل، وعلقوا إيمانهم على ممتنع، وقصدوا بذلك أنهم لا يؤمنون أبدا.
والمعنى: إذا جاءت المشركين آية وبرهان وحجة قاطعة من القرآن تتضمن صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ وحي ربّه، قالوا حسدا منهم، وتعنّتا وغرورا: لن نؤمن حتى يكون لنا مثل محمد، منصب عند الله، وتظهر على أيدينا آية كونية أو معجزة مثلما أوتي رسل الله، كفلق البحر لموسى، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى لأنهم أكثر أموالا وأولادا، وأعزّ جانبا ورفعة بين الناس.
(1) ذلّ وهوان.
(2)
شديد الضّيق.
(3)
يتكلف صعودها.
(4)
أي العذاب.
فردّ الله عليهم بقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ أي أن الله أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، فالرسالة منصب ديني له مقومات خاصة، وفضل من الله يمنحه من يشاء من عباده، لا ينالها أحد بخصائص دنيوية عادية، كالمال والولد والزّعامة والنفوذ، وإنما تؤتى من هو أهل لها، لسلامة فطرته، وطهارة قلبه، وقوة روحه، وحسن سيرته وحبّه الخير والحق.
ثم أعلن الله وعيده الشديد لكل المتخلّفين عن الإيمان برسالة القرآن ودعوة النّبي صلى الله عليه وسلم، فسيلحق المجرمين يوم القيامة ذلّ وهوان دائمان، ويدركهم العذاب المؤلم الشديد، جزاء بما كانوا يمكرون، وعقوبة لتكبّرهم عن اتّباع الرّسل، والانقياد لهم فيما جاؤوا به، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر: 40/ 60] أي صاغرين ذليلين حقيرين.
ثم جاء قرار الحسم وهو أنه لا داعي للتأسّف على إعراض المشركين عن دعوة الإسلام، فمن يرد الله أن يوفّقه للحق والخير والإسلام، ومن كان أهلا بإرادة الله وتقديره لقبول دعوة القرآن، فإنه يشرح صدره له، وييسره وينشطه ويسهله لذلك، ومن فسدت فطرته بالشّرك، ولم يكن مستعدّا للإيمان، ولا أهلا، يجعل الله صدره ضيّقا شديدا عازلا عن قبول الإيمان، كاتما له عن نفاذ الخير إليه، مثله كمثل من يصّعّد إلى السماء في طبقات الجو العليا، حيث يشعر بضيق شديد في التنفس، وكأنما يزاول أمرا غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد عن الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة. وكما يضيّق الله صدر المعاندين، كذلك يسلّط الله العذاب أو الشيطان عليهم وعلى أمثالهم ممن أبى الإيمان بالله ورسوله، فيغويه ويصدّه عن سبيل الله سبيل الحق.
والهدي في هذه الآية: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ: هو خلق الإيمان في القلب