الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سورة الأعراف (7) : الآيات 199 الى 202]
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (202)
«1» «2» «3» «4» «5» «6» [الأعراف: 7/ 199- 202] .
هذه وصية من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم تعم جميع أمته، وهي أمر بجميع مكارم الأخلاق. وقد جمعت الآية الكريمة أصول الفضائل الثلاث وهي أولا- الأخذ بالعفو: وهو السهل من أخلاق الناس وأعمالهم، دون تكليفهم بما يشق عليهم ومن غير تجسس. فلا تشدد في شيء من الحقوق المالية والأدبية، ولا غلظة ولا فظاظة. ويكون معنى قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ أي اقبل من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما أتى عفوا دون تكلف. فالعفو هنا: الفضل والصفو الذي تهيأ دون تحرج.
والفضيلة الثانية- الأمر بالعرف وهو المعروف والجميل من الأفعال: وهو كل ما أمر به الشرع، وتعارفه الناس من الخير، واستحسنه العقلاء. المعروف: اسم جامع لكل خير من طاعة وبر وإحسان إلى الناس.
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: «ما هذا العرف الذي أمر به؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم، فرجع إلى ربه فسأله، ثم جاءه فقال له: يا محمد، هو أن تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك» .
ولا يذكر المعروف في القرآن إلا في الأحكام المهمة، مثل قوله تعالى في وصف الأمة الإسلامية: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [آل عمران: 3/ 104]، وفي بيان الحقوق الزوجية وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 2/ 228] وفي
(1) مبدأ العفو والتيسير من أخلاق الناس.
(2)
بالمعروف حسنه شرعا وعقلا.
(3)
يصيبنك صارف أو وسوسة.
(4)
أصابتهم لمّة أي وسوسة. [.....]
(5)
تتعاون معهم الشياطين في الضلال.
(6)
لا يكفّون عن إغوائهم.
الحفاظ على الرابطة الزوجية: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [البقرة: 2/ 229] .
والفضيلة الثالثة- الإعراض عن الجاهلين: وهو حكم مترتب محكم مستمر في الناس ما بقوا، وهو قول جمهور العلماء كما ذكر ابن عطية في تفسيره. ويكون الإعراض عن الجهلة بعدم مقابلة السفهاء والجهال بمثل فعلهم، وترك معاشرتهم وصيانة النفس عنهم، وعدم مماراتهم والحلم معهم، والصبر على سوء أخلاقهم والغض عن إساءاتهم. فإذا تكلم الجاهل الأحمق بما يسوء الإنسان، فليعرض عنه، ويقابله بالعفو والصفح، عملا بقوله تعالى في وصف المؤمنين: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 3/ 134] وقوله تعالى في فضيلة العفو: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة: 2/ 237] .
هذه المبادئ الثلاثة هي أصول الفضائل ومكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان مع الآخرين،
قال الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه: أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها.
ثم ذكر الله تعالى وصية أخرى لنبيه تعم جميع أمته أيضا رجلا رجلا، تناسب فضيلة الإعراض عن الجاهلين السفهاء، وهي الأمر بالاستعاذة من الشياطين، تجنبا للوقوع في مفاسدهم وشرورهم. ومعنى وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ [فصلت: 41/ 36] أي إما يعرض لك الشيطان بوسوسته، والنزغ: حركة فيها فساد، كالغضب والشهوة، فعليك بالتحصن من الشيطان باللجوء إلى الله وطلب النجاة منه، والاستجارة بالله من نزغه، وذكر الله في القلب واللسان، فيصرف عنك وسواس الشيطان، والله سميع للقول من جهل الجاهلين، والاستعاذة بالله من نزغ الشيطان وغير ذلك من كلام الخلق، وهو عليم بالفعل وبما يذهب عنك نزغ الشيطان وأمور الخلق.
وطريق التخلص من وساوس الشيطان هو ما ذكر الله: إن الذين اتقوا الله