الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عاقبة الكفر المصحوب بالعناد
إذا لم تفلح وسائل الإصلاح الهادئة أو المقترنة بشيء من الإنذارات والتحذيرات، واعتصم الكافرون بالتحدي والعناد، فإن العاقبة تكون وخيمة، والعقاب واقع حتما لا محالة، إما في الدنيا أو في الآخرة يقع الندم حينئذ، وهكذا كان الحال مع فرعون وقوعه، حذرهم موسى، وأتى لهم بالبينات والحجج الدالة على صدقه في رسالته، وكانت الإنذارات تتعاقب فيهم وهي الآيات التسع أو أنواع العقوبات وألوان العذاب التي بعثها الله عليهم ليزدجروا وينيبوا، فلم يرتدعوا، فاستحقوا عذاب الاستئصال والإغراق في البحر، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (7) : الآيات 134 الى 136]
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (136)
«1» «2» «3» [الأعراف: 7/ 134- 136] .
حين نزل العذاب الشديد وتواترت ألوان العقاب على فرعون وقومه الكافرين من الجراد والضفادع والدم وطوفان الماء وغيرها من الآيات التسع، حينئذ اضطرب قوم فرعون واشتد فزعهم، وطلبوا من موسى عليه السلام أن يدعو ربه، بسبب ما عهد الله عنده من النبوة والرسالة والكرامة والمحبة وصلة العهد مع الله من طاعة موسى ونعمه عليه، وأقسموا له: لئن كشفت عنا بدعائك ذلك العذاب، لنصدقن برسالتك، ونؤمننّ بما جئت به من عند ربك، ولنرسلن معك بني إسرائيل إلى حيث تتوجه وتريد، ليتمكنوا من عبادة ربهم كما شاؤوا. وهذا عهد من فرعون وملئه الذين بيدهم الحل والعقد. ولكن قوم فرعون لما كشف الله عنهم العذاب، وأزال
(1) العذاب الشديد الشامل.
(2)
ينقضون عهدهم.
(3)
أي البحر الأحمر.
عنهم العقاب مرة بعد مرة، مؤقتا إلى أجل محدود، منتهون إليه حتما، فمعذبون فيه، وهو الغرق، إذا هم ينقضون العهد ويحنثون في كل مرة، ولم ينفعهم ما تقدم في حقهم من الإمهال. ومعنى قوله تعالى: إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ أي غاية كل واحد منهم بما يخصه من الهلاك والموت، في الغرق المنتظر. روي أنهم كانوا يمكثون في العذاب الواحد من الطوفان والجراد ونحوهما أسبوعا، ثم يطلبون من موسى الدعاء برفعه، ويعدونه بالإيمان بالله تعالى، ثم ينقضون العهد.
ولما كشف الله العذاب (وهو الرجز) عن قوم فرعون من قبل مرات ومرات، ولم يقلعوا عن كفرهم وجهلهم، ثم حان الأجل المؤقت لعذابهم، انتقم الله منهم، بأن أهلكهم بالغرق في البحر، بسبب تكذيبهم بآيات الله التي نزلت عليهم كلها، وكانوا غافلين عنها وعما يتبعهم من العذاب في الدنيا والآخرة.
والمراد بغفلتهم عن آيات الله: إعراضهم عن الآيات، وعدم الالتفات إليها، فهم أعرضوا عنها، حتى صاروا كالغافلين عنها. إنهم غفلوا عما تتضمنه الآيات من الهدى والنجاة.
أغرق الله الكافرين منهم في اليم إغراقا شنيعا شديدا، ونجى الله المؤمنين الذين كانوا يكتمون إيمانهم، أغرقهم في اليم، وهو البحر الذي فرقه لموسى، فجاوزه هو وبنو إسرائيل معه، ثم ورده فرعون وجنوده على أثرهم، فلما أصبحوا في وسط البحر، أطبقه الله عليهم، فغرقوا عن آخرهم بسبب تكذيبهم بآيات الله، وتغافلهم عنها، وعما يعقبها من العذاب في الدنيا والآخرة.
تبين لنا هذه الآيات مدى انتهازية بعض الناس، ولجوئهم إلى المكر والخديعة، فإن قوم فرعون لما تعرضوا للعذاب، هرعوا إلى موسى عند الشدة والضيق، وهذا شأن غالب الناس، لا يجدون في وقت المحنة غير الله ملجأ وملاذا.