الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الضعفاء، ويكفر بهم القادة والزعماء. فقال المستضعفون المؤمنون: إننا مؤمنون مصدّقون بما أرسل به صالح من ربّه. قال أشراف القوم المستكبرون: إننا كافرون بما آمنتم به، ولم يصرّحوا بالرسالة التي جاء بها صالح، حتى لا يقرّوا بها ظاهرا.
وأظهروا أفعالهم المكفرة، فعقروا الناقة بتواطؤ بينهم، وعقرها قدار بن سالف الأحمر الأزرق أشقى ثمود، وتمرّدوا واستكبروا عن امتثال أمر ربّهم الذي أمرهم به صالح، وقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت رسولا من عند الله، فأخذتهم الرجفة أو الصيحة أو الصاعقة أو الطاغية وهي صيحة شديدة القوة، اضطربت الأرض من هولها وتصدّعت مبانيها، وارتجفت لها الأفئدة، فأصبحوا في ديارهم موتى جثثا هامدة لا حراك لها.
فأعرض عنهم صالح عليه السلام بعد أن أبصرهم جاثمين، يملأ قلبه الحزن والتّحسر على ما أصابهم، وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربّي وبذلت غاية جهدي في نصحكم، ولكنكم لا تحبّون النّاصحين، فوجب لكم العذاب، وحقّ عليكم العقاب. وهذا تقريع لهم على تمرّدهم ليكون ذلك عبرة لغيرهم.
رسالة لوط عليه السلام إلى قومه
لم يترك الله تعالى قوما أو أمة من غير رسول ينذرهم ويبشّرهم: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: 35/ 24] لذا أرسل الله تعالى لوطا عليه السلام في عصر إبراهيم عليه السلام، لإنذار أمة تسمى سدوم قرب البحر الميت أو بحر لوط، ومن أجل استئصال المفاسد والمنكرات التي شاعت فيهم، قال الله تعالى:
[سورة الأعراف (7) : الآيات 80 الى 84]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَاّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)
«1» «2» [الأعراف: 7/ 80- 84] .
لوط عليه السلام: هو لوط بن هاران ابن أخي إبراهيم الخليل عليه السلام، آمن بإبراهيم واهتدى بهديه، كما قال الله تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي [العنكبوت: 29/ 26] وتبع إبراهيم في رحلاته فيما بين النّهرين، ثم مصر، ثم بلاد الشّام، حيث فارق إبراهيم عمه، وسكن في سدوم في شرقي الأردن.
وكان أهل سدوم يعملون الخبائث دون حياء ولا عفّة، وأمام الناس، ويقطعون الطريق على التّجار، ويأخذون بضائعهم، كما قال الله تعالى على لسان لوط عليه السلام لقومه: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [العنكبوت: 29/ 29] .
وابتدأت القصة على هذا النحو: واذكر يا محمد لوطا حين قال لقومه باستفهام على جهة التوبيخ والتشنيع: أتأتون الفاحشة: وهي إتيان الرجال في الأدبار؟! وروي: أنه لم تكن هذه المعصية في أمم قبلهم، لذا قال لهم: ما فعلها أحد قبلكم في أي زمان، بل هي مبتدعة منكم، وعليكم وزر كل من يفعلها في المستقبل لأنّ من سنّ سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وهذا دليل على أن تلك الفاحشة أمر مناقض للفطرة.
وأكّد لوط عليه السلام قوله مقرّعا وموبّخا توبيخا شديدا: إنكم لتأتون الرجال شهوة متجاوزين النّساء اللواتي هنّ محل قضاء الشهوة بحسب الفطرة السليمة، بل إنكم لا تستحون من فعلكم، فإنكم قوم عادتكم الإسراف وتجاوز الحدود في كل
(1) يدّعون الطهارة مما نأتي.
(2)
الباقين في العذاب.
شيء، كما قال تعالى في آية أخرى: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ [الشّعراء: 26/ 166] أي في جمعكم إلى الشّرك والوثنية هذه الفاحشة. وفي آية ثالثة: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النّمل: 27/ 55] وهذا دليل على إسرافهم في اللذات، وتجاوزهم حدود الفطرة والعقل، وجهالتهم عواقب الأمور، فهم لا يقدرون ضرر ذلك على الصحة والحياة، فهو مرض مميت، كما دلّت إحصاءات موتى الإيدز (فقد المناعة) في الحاضر أكثر من مائة ألف، وفي نهاية القرن العشرين أربعة ملايين، دون اكتشاف علاج له.
وما كان جواب القوم على إنكار لوط عليه السلام ونصحه لهم يدلّ على النّدم والرجوع عن الخطأ والضّلال وإنكار الفاحشة وتعظيم أمرها، وإنما هموا بإخراج لوط ونفيه ومن معه من المؤمنين تضجّرا منهم ومن سماع مواعظهم قائلين: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أي أخرجوا لوطا وأتباعه من البلد، فإنهم أناس يتنزهون عن مشاركتكم في فعلكم وعن الفواحش وعن أدبار الرجال والنساء. وهذا صادر منهم على سبيل السخرية بهم والتّهكم، والافتخار بما كانوا فيه من القذارة.
وكانت العاقبة أن الله تعالى نجّى لوطا وأهل بيته الذين آمنوا معه، إلا امرأته، فإنها لم تؤمن، فكانت من جماعة الهالكين الباقين مع قومها في العذاب ولأنها كانت على دين قومها الوثني، تمالئهم عليه، وتخون لوطا بإعلامهم بمن يقدم عليه من الضيوف بإشارات بينها وبينهم.
والعذاب هو إمطارهم بمطر كثير عجيب أمره وهو الحجارة التي رموا بها، فانظر أيها السامع كيف كان عاقبة الذين أجرموا واجترؤوا على معاصي الله عز وجل، وتكذيب رسله، وكل ذلك للعظة والعبرة، قال تعالى في آية أخرى: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)[هود: 11/ 82- 83] .