الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاحتجاج بالقدر الإلهي والمشيئة
زعم المشركون أن شركهم بالله وتحريمهم الأشياء المباحة إنما هو بقدر الله، فقالوا:«لولا المشيئة لم نكفر» و «لو شاء الله منا ألا نكفر لمنعنا عن هذا الكفر، وحيث لم يمنعنا عنه، ثبت أنه مريد لذلك، فإذا أراد الله ذلك منا، امتنع منا تركه، فكنا معذورين فيه» فردّ الله هذا الزعم الباطل، وذم الله تعالى ظن المشركين أن ما شاء الله لا يقع عليه عقاب، فقال الله تعالى حاكيا قولهم:
[سورة الأنعام (6) : الآيات 148 الى 150]
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَاّ تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)
«1» «2» «3» [الأنعام: 6/ 148- 150] .
هذه شبهة تمسّك بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرّموا، فإن الله مطّلع على ما هم فيه من الشّرك وتدخّلهم في التحريم، إنهم يقولون: إن شركهم وشرك آبائهم، وتحريم ما أحلّ الله من الحرث (الزرع) والأنعام (المواشي) هو قائم بمشيئة الله وإرادته، ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك، كمذهب الجبرية تماما.
فردّ الله عليهم شبهتهم بقوله: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وفي الكلام حذف يدلّ عليه السياق، أي سيقول المشركون كذا وكذا، وليس في ذلك حجة لهم، ولا شيء يقتضي تكذيبك، ولكن كذلك كذب الذين من قبلهم بنحو هذه الشبهة، من
(1) تكذبون على الله تعالى.
(2)
أحضروا أو هاتوا.
(3)
يسوون به غيره في العبادة.
ظنهم أن ترك الله لهم دليل على رضاه بحالهم. فتكذيبهم وتكذيب من قبلهم لا أساس له من العلم والعقل لأنهم كذبوا الرّسل، ولو كان قولهم صحيحا لما عاقبهم الله تعالى على كفرهم لأن الله عادل. والله سبحانه أذاقهم بأسه، أي عذابه بناء على اختيارهم وإرادتهم، وإن كان كل شيء لا يقع في الكون إلا بإرادة الله ومشيئته.
ثم أمر الله نبيّه أن يطالبهم بالبرهان على ما زعموا بقوله: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا.. أي هل لديكم أمر معلوم وبرهان واضح يصحّ الاحتجاج به فيما قلتم، فتظهرونه وتبيّنونه لنا لنفهمه. وحقيقة حالهم هي أنه لا حجة ولا برهان على ما يقولون، وما يتّبعون إلا الوهم والخيال والاعتقاد الفاسد، وما هم إلا يكذبون على الله فيما ادّعوه.
ثم أورد الله تعالى الدليل القاطع على الدين الحق بقوله: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ والمعنى: قل أيها الرّسول لهؤلاء المشركين الجاهلين بعد بطلان حجتهم: لله تعالى الحجة الكاملة على ما أراد من إثبات الحقائق وإبطال الباطل، وحجته بالغة غاية المقصد في الأمر المحتجّ به، فإن مشيئة الله تعالى لا تعني رضاه عن أعمالهم، والله بيّن الآيات، وأيّد الرّسل بالمعجزات، وألزم أمره كل مكلف، وإرادته وعلمه وكلامه غيب لا يطلع عليه أحدا إلا من ارتضى من رسول، وليس الإنسان مجبرا على الإيمان أو الكفر والمعصية، وإنما هو بنفسه الذي يختار عمله ومنهاجه، ولو كان المكلف مجبرا لما اقتضى العدل الإلهي تكليفه بشيء، وإثابته وعقابه في الآخرة. والله قادر على هداية الناس أجمعين.
ومن أدلة إبطال تذرّع المشركين بشبهتهم: مطالبتهم بأن يأتوا بشهود يشهدون على صحة ما يدّعونه من تحريم الله هذه المحرمات، وهذا هو قوله تعالى: قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ أي أحضروا شهداءكم الذين يشهدون لكم عن عيان أن الله حرّم عليكم هذا الذي زعمتم تحريمه وكذبتم وافتريتم على الله فيه.