الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا يغني عنكم شيئا، فعليكم أن تؤثروا ثواب ربكم، بمراعاة شرعه ودينه في الأموال والأولاد، وألا تحملكم على توريط أنفسكم في مخاطر الخيانة وأضرارها.
والعاصم لكم من الوقوع في المضار والمخاطر هو تقوى الله، أي اتباع أوامره، واجتناب نواهيه، ثم وعد الله المؤمنين بشرط الاتقاء وإطاعة الله، فإن تتقوا الله، يؤتكم فرقانا، أي فرقا بين حقكم وباطل من ينازعكم أي بالنصرة والتأييد عليهم، وإن تتقوا الله يمح عنكم ذنوبكم وسيئاتكم السابقة، ويسترها عن الناس، ويطهركم من الآثام والخطايا، ويؤتكم الثواب الجزيل، والله صاحب الفضل الواسع والعطاء العظيم، وما أكثر الأوامر القرآنية بالتقوى، فهذه الآية مثل آية أخرى هي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)[الحديد: 57/ 28] .
كيد المشركين في مكة للنبي صلى الله عليه وسلم
لم يترك المشركون القرشيون نوعا من الأذى إلا ألحقوه بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومن أشد وأخطر ألوان الأذى تلك المؤامرة الخطيرة التي أجمعوا عليها في اجتماع قريش في دار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي، على ما نص ابن إسحاق في سيرته وهي اتفاقهم على قتل الرسول عليه الصلاة والسلام على يد زمرة من مختلف القبائل العربية، وصف الله لنا هذه المكائد والمؤامرات بقوله سبحانه:
[سورة الأنفال (8) : الآيات 30 الى 31]
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (30) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)
«1» «2»
(1) المكر: المخاتلة والتداهي والتآمر.
(2)
أي يحبسوك بالقيد حتى لا تتحرك.
«1» [الأنفال: 8/ 30- 31] .
نزلت الآية الأولى: وَإِذْ يَمْكُرُ في شأن اجتماع قريش في دار الندوة.
أخرج ابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس قال: إن نفرا من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمعت بما اجتمعتم له، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأي أو نصح، قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، فقال قائل: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير ونابغة، فإنما هو كأحدهم.
فقال عدو الله الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله ليخرجن رائد من مجلسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم، ثم يمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، فانظروا في غير هذا الرأي.
فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم، واستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع.
فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذه للقلوب بما تسمع من حديثه، والله لئن فعلتم- ثم استعرض العرب- ليجتمعن عليه، ثم ليسيرن إليكم حتى يخرجكم من بلادكم، ويقتل أشرافكم.
قالوا: صدق والله، فانظروا غير هذا، فقال أبو جهل: والله لأشيرنّ عليكم
(1) أكاذيبهم المسطورة في كتبهم.
برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، ما أرى غيره، قالوا: وما هذا؟ قال: تأخذون من كل قبيلة وسيطا شابا جلدا (أي قويا) ثم نعطي كل غلام منهم سيفا صارما يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن أن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلهم، وإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل (أي الدية) واسترحنا وقطعنا أذاه عنا.
فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأي، القول ما قال الفتى، لا أرى غيره، فتفرقوا على ذلك، وهم مجمعون له، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم في بيته تلك الليلة، وأذن الله عند ذلك في الخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة، يذكّره نعمته عليه: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
وهذه أسباب الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.
ومعنى الآية: واذكر أيها النبي حينما اجتمع المشركون لتدبير مؤامرة خطيرة عليك وعلى دعوتك، فذلك أمر يستحق الشكر على النعمة، ويدعو للعبرة والعظة، ويدل على صدق دعوتك وتأييد ربك لك في وقت المحنة.
لقد دبروا لك إحدى مكائد ثلاث: إما الحبس الذي يحول بينك وبين دعوة الناس، وإما القتل بطريق جميع القبائل، وإما الطرد والإخراج من البلاد. إنهم يمكرون بك، أي يخفون المكائد لك، ويخفي الله ما أعد لهم من الجزاء والعذاب على مكرهم، والله خير المدبرين وأمضى المخططين والمنفذين وأقدرهم وأعزهم جانبا، لأن تدبيره نصر للحق وعدل مطلق. هذا مكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وهناك مكر بالدين والقرآن وهو ما قال الله تعالى: وَإِذا تُتْلى أي إذا تليت آيات القرآن الواضحة، قالوا جهلا وعنادا وسفها واستكبارا: لو نشاء لقلنا مثل هذا من القصص والأنبياء، فإن هذه إنما هي أساطير من قد تقدم، أي قصصهم المكتوبة المسطورة من دون تمحيص ولا نظام، يتعلم منها ويتلوها على الناس. نزلت