الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأرزاق التي لا تحتاج إلى طبخ كالفواكه والثمار، فإن الله تعالى قادر إتمام عملية الطبخ والتصنيع البسيطة جدّا بتأثيرات الحرارة الجوية أو الأرضية مثلا، وهذا ما حدث في قصة المائدة الجاهزة للأكل التي أنزلها الله على عيسى وقومه.
قال الله تعالى:
[سورة المائدة (5) : الآيات 112 الى 115]
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (115)
«1» «2» [المائدة: 5/ 112- 115] .
هذه نعمة تاسعة بعد النّعم الثمانية التي أوردها الحق تعالى في آيات سابقة وأنعم بها على عيسى عليه السلام.
ومضمون الإخبار بهذه النعمة: إخبار محمد عليه الصلاة والسلام وأمّته بنازلة الحواريين في المائدة، وهي تقتضي تأدّب كل أمة مع نبيّها، فلا تطلب شيئا من المعجزات المادّية التي لا معنى لها، فذلك امتحان يتعالى الله عنه، فهو القادر المقتدر على كل شيء. ومع ذلك فإن الله قد يتنزل لمستوى عقول البشر وطلباتهم، فيجيبهم عما طلبوا أو سألوا.
والمعنى: اذكر يا محمد حين طلب الحواريون أصحاب عيسى منه إنزال مائدة من السماء ليأكلوا منها، وتكون دليلا مادّيا يؤكد صدق عيسى.
فقالوا: يا عيسى، هل يفعل ربّك ويرضى أن ينزل علينا مائدة طعام من السماء،
(1) خوانا عليه طعام.
(2)
يوم نعظّمه ونسرّ به. [.....]
وهل تقع منه تعالى إجابة لهذا الطلب؟ وليس ذلك من الحواريين تشكيكا بقدرة الله، فهم مؤمنون. فأنكر عيسى قولهم ذلك من ناحيتين:
الأولى: بشاعة هذا اللفظ، والثانية: إنكار طلب الآيات والتّعرض لسخط الله بها، فإن النّبوات ليست مبنية على تعنّت الناس ومكابرتهم. قال لهم عيسى: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فشأن المؤمن أن يلتزم الأدب مع الله، ولا يطلب ما قد يشعر بالتّعنّت والتّشدّد. ولذا قال الحواريون معتذرين عن الطلب بهذه الصورة: نريد أن نأكل منها، فنحن في حاجة إلى الطعام، وإذا أكلنا تطمئن قلوبنا وتهدأ نفوسنا، ونعلم أن قد صدقتنا في أن الله أرسلك نبيّا، وجعلنا أصحابا أعوانا لك، وقد رضي عنا بإجابة سؤالنا. ونحن قبل ذلك وبعد المائدة نكون من الشاهدين لله بالوحدانية، ولك بالنّبوة والرّسالة، وما هذه المائدة إلا دليل حسي على ذلك.
فطلب عيسى من الله إنزال المائدة، لتكون مصدر فرح وسرور، ويوم عيد، يجتمع فيه الناس للعبادة والشكر، ويعود عليهم كل عام باليمن والبركة والسعادة، وآية على صحة دعوى النّبوة، وتذكيرا بالدعاء وطلب الرزق من الله تعالى، فهو خير الرازقين، يرزق من يشاء بغير حساب.
فأجاب الله دعاء عيسى مقرونا بالتهديد بالجزاء حين مخالفة أوامر الله: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ.. أي من يكفر بالله بعد نزول هذه المائدة، فإني أعذّبه عذابا شديدا، لا أعذب مثله أحدا من سائر كفّار العالمين في زمانهم لأنهم لم يبق بعد هذا الدليل الحسي (إنزال المائدة) عذر لمن يكفر أو يستهزئ بآيات الله وأدلّته الدّالة على وجوده وقدرته. ولا حاجة للبحث عن شكل المائدة ولونها ونوع طعامها، فذلك لا فائدة منه، وعلينا التزام حدود البيان القرآني.