الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسك، وإذا كان يحصل التفضيل مما هو دونه في الدرجة من الروائح الطيبة، فالعدول إلى تفضيله بالنسبة إلى أعلى الدرجات في الطيب تأكيدٌ لتعظيم فضيلة الخلوف.
الخامسة والعشرون:
التنزيهُ عن الجسمية ولوازمها، توجب استحالةَ الاستلذاذِ بالروائح في حقّ الله تعالى على الوجه الذي هو ثابثٌ فينا.
قال أبو العباس القرطبي: لا يُتَوَهَّمْ أنَّ الله تعالى يستطيبُ الروائحَ ويستلذُّها (1)؛ كما يقع لنا من اللذة والاستطابة؛ إذ ذاك من صفات افتقارنا واستكمال نقصنا، وهو الغني بذاته، الكامل بجلاله وبقدسه (2)، على أنا نقول: إن الله تعالى يدرك المدركات، ويبصر الميصرات، ويسمع المسموعات، على الوجه اللائق بجلاله (3) وكماله وتقديسه (4) عن شبه مخلوقاته، وإنما معنى هذه الأطيبية عند الله تعالى:[أنها](5) راجعة إلى أن الله (6) تعالى يثيبُ على خُلوف فم الصائم ثوابًا أكثر مما يثيب على استعمال روائح المسك، حيثُ ندبَ
= المسك، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(1)
"ت": "ويلتذها".
(2)
"ت": "وقدسه".
(3)
في المطبوع من "المفهم": "بجماله".
(4)
"ت": "وتقدسه".
(5)
زيادة من "ت".
(6)
"ت": "أنه" بدل "أن الله".
الشرع إلى استعماله فيها؛ كالجُمَعِ والأعياد وغير ذلك ويحتمل أن يكونَ ذلك في حقِّ الملائكة، يستطيبون ريحَ الخُلوف أكثر ممَّا يستطيبون ريحَ المسك، انتهى (1).
وأقول: لما كانت لفظة "أطيب" مذكورة في الحديث، كان من وظائف الشارح أن يعرض (2) لمعناها، وينظر هل يمكن إجراؤها على ظاهرها المعلوم في العادة، أو لا؟ فإنْ لم يمكن نظرَ في وجه المجاز، فهذا داعٍ إلى بيان استحالة إرادة المعنى الظاهر منها عرفًا.
والذي قاله من استحالة الاستلذاذ على الوجه المعلوم (3) في العرف مُتَّفقٌ عليه بين المتكلم والمتفلسف المُشترِكَين في التنزيه، وإنما اختلفا في اللذة العقلية، وليس هذا موضع الكلام على ذلك، وإنما يُجوِّزُ هذا الظاهرَ الحشويُّ المصرِّح المبرح بالجسمية (4)، والإلغاء للغيرية (5).
(1) انظر: "المفهم" للقرطبي (3/ 215 - 216).
(2)
"ت": "يتعرض".
(3)
"ت": "المعلوم عليه ".
(4)
في الأصل: "أجسمية"، والمثبت من "ت".
(5)
نسبة الاستطابة إليه سبحانه وتعالى، كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه، فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه. وغضبه وفرحه وكراهيته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته سبحانه وتعالى لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعالهم، انتهى. هذا كان بعض كلام الإمام ابن القيم في رده على من تأول هذا الحديث وأخرجه عن حقيقة لفظه. وانظر: الوجه الثالث من الكلام على هذا الحديث والتعليق عليه.
وأما (1) المجاز الذي ذكره أبو العباس، وجَعلُهُ الأطيبيةَ مجازًا عن (2) أكثرية الثواب، فهو عندي مجاز بعيد؛ لأنهما إنما يشتركان في معنى الأكثرية، وكونِ كلِّ واحد منهما مطلوبًا مرغوبًا فيه، وهاتان علاقتان عامتان بعيدتان عن محل التجوز (3).
والعلاقة كما ضعفت بَعُدَ المجاز، وبالعكس، هذا من جهة النظر إلى القرب والبعد من حيث هو هو.
وقد يقوم مُعارض يمنع من هذا الضعف ويُحسِّنُ المجاز، ألا ترى إلى قول الشاعر [من الرجز]:
صَارَ الثَّرِيدُ في رؤوسِ العِيدَان (4)
فإنه تراه - وإن بعدت العلاقة فيه - إذا (5) نظرت إلى معناه، وهو أن الزرع ينبت، فيُسَنْبِلُ (6)، فيبدو صلاحه، فيُعالَجُ إلى أن يصيرَ ثريدًا،
(1)" ت ": "وفأما".
(2)
في الأصل: "على"، والمثبت من "ت".
(3)
في الأصل: "التحرز"، والمثبت من "ت".
(4)
تقدم ذكره (1/ 320)، وقد قال أبو حيان الأندلسي ناظمًا:
اللفظُ إنْ أُريدَ منه الظاهرُ
…
حقيقة مجازُه مغايرُ
لابد من علاقة تكونُ
…
بينهما تقرب أو تبين
مثاله مقال بعض العربان
…
صار الثريد في رؤوس العيدان
أراد بالثريد حبَّ السنبلَة
…
سماه بالشيء الذي يؤول لَهْ
(5)
"ت": "إن".
(6)
في الأصل: "فيسبل"، والمثبت من "ت"، ويسنبل: يكون له سنبل.
وجدتَ العلاقة بعيدة، وقد ذكرنا: أنَّ ذلك موجبٌ لضعف المجاز من حيث هو هو؛ لأن البعد يعسر على الذهن الانتقال من محل الحقيقة إلى محل التجوز، وبالعكس في القرب، لكن الذي حسَّن هذا أنه لما قال:
صَارَ الثَّرِيدُ في رؤوسِ العِيدَان
أخبر بأمر يبطلُه الحسُّ، فتشوَّفت (1) النفسُ إلى وجه ما حكم به، فإذا ظفرت به، أدركته إدراك المتكسبِ الظافرِ بمطلوبه، فالتذت به.
وإذا نظرت إلى قول الآخر [من الطويل]:
وقالَ الوليدُ النَّبْعُ ليسَ بمُثْمرٍ
…
وأخطأَ سربُ الوحشِ من ثمرِ النَّبعِ
ومعناه: أن (2) النبعَ يُعمل منه القَسِي، ويُرمى عنها، فتؤخذ سربُ الوحش، فتكون ثمرًا للنبع بهذا الاعتبار، ونظرت فيه محلاً للقَبول، لكنه ناقصٌ عن درجة:
صَارَ الثَّرِيدُ في رؤوسِ العِيدَان
والسبب فيه: أن الذاتَ التي (3) صارت ثريدًا في رؤوس العيدان
(1)"ت": "تشوفت".
(2)
"ت": "فإن".
(3)
في الأصل: "الذي"، والتصويب من "ت".
من جنسه، فقَرُبَ من الحقيقة قربًا لا يوجد في (سرب الوحش) بالنسبة إلى (رؤوس النبع).
والوليد الذي أراده: هو (1) أبو عُبادة البُحتُرِي، والبيت الذي أشار إليه هو قول البحتري [من البسيط]:
والنَّبع عُريانُ ما في رأسِهِ ثَمَرُ (2)
وإنما اشتركا في وصف أعم، وهو التسبب إلى حصول المسبب، فانحط عن رتبة الثريد، فهذا مثالُ البعيدِ (3) العلاقة مع الاستحسان؛ لوجود المعارض لذلك الضعف.
ووجوهُ الاستحسان والاستقباح في المجازات والاستعارات بعيدٌ أن يتيسرَ الوقوف على كلها، والتعبير عنها، وأبعد منه تحرير الحدود لأنواعها، والذي ذكره أهل علم البيان في هذا لا يفي بذلك.
ثم نرجع إلى المقصود، فنقول: نجعل العِنْدِيَّةَ هاهنا - والله أعلم - عِنْدِيَّة القيامة، أو عِنْدِيَّة العلم، ويكون المعنى: أنَّ الخُلُوفَ أطيب في القيامة، أو في علم الله تعالى؛ لأنه في يوم القيامة أطيب من ريح المسك، بمعنى: أن الله تعالى يجعل رائحة الخلوف كرائحة المسك
(1)"ت": "وهو".
(2)
انظر: "ديوان البحتري"(2/ 954)، (4/ 379)، وصدر البيت:
وعيَّرتني سجالَ العُدْمِ جاهلةً
(3)
"ت": "البعد".
يوم القيامة؛ كما في دم الشهيد.
وهذا (1) الفضلُ (2) الذي ذكرناه يُقصَدُ به أمران:
أحدهما: بيانُ الحاجة إلى ذكر ما يتعلق بعلم الأصول والكلام؛ تنبيهًا على (3) الجواب عن قول من يمنع الخوض في مثل هذا.
والثاني: أنه إذا انقسم (4) الحال في العلاقة بين القريب والبعيد، وأن البعد سبب للمرجوحية إلا لمعارض، وتبيَّنَ (5) كل ذلك، احتاج أبو العباس إلى أن يبيِّن العارضَ المرجّحَ لتقرير حُسنِ ما قال.
وأما قول أبي العباس: ويحتمل أن يكون ذلك في حق الملائكة، يستطيبوَن ريحَ الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك.
فإن أراد بذلك في الدنيا، فهو خلاف ما جاء: أن الملائكة تتأذَّى مما يتأذى منه بنو آدم، وما جاء: أن السواكَ مطلوبٌ تطييب الفم بسبب الملائكة.
وإن أراد أن يكون ذلك (6) يوم القيامة، ففيه مجاز حذف المضاف؛ أي: عند ملائكة الله.
(1) في الأصل: "وهو"، والمثبت من "ت".
(2)
أي: القدر الزائد الذي يمكن أن يعد استطرادًا.
(3)
في الأصل: "عن"، والمثبت من "ت".
(4)
في الأصل: "أيقنتم".
(5)
"ت": "وبتبين".
(6)
"ت": "ذلك يكون".
وعلى ما قلناه لا حاجةَ إلى هذا الحذف (1).
(1) قال الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله: وقد اختلف في وجود هذه الرائحة من الصائم، هل هي في الدنيا، أو في الآخرة؟ على قولين، ووقع بين الشيخين الفاضلين أبي محمد عز الدين بن عبد السلام وأبي عمرو بن الصلاح في ذلك تنازع، فمال أبو محمد إلى أن تلك الرائحة في الآخرة خاصة، وصنف فيه مصنفًا رد فيه على أبي عمرو، وسلك أبو عمرو في ذلك مسلك أبي حاتم بن حبان، فإنه في "صحيحه" بوَّب عليه كذلك فقال: ذكر البيان بأن خلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، ثم ساق حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم كل عمل ابن آدم له إلا الصيام
…
" الحديث. ثم قال: قال أبو حاتم: شعار المؤمنين يوم القيامة التحجيل بوضوئهم في الدنيا فرقًا بينهم وبين سائر الأمم، وشعارهم في القيامة بصومهم طيب خلوف أفواههم أطيب من ريح المسك، ليعرفوا من بين ذلك الجمع بذلك العمل جعلنا الله تعالى منهم. ثم قال؛ أي: ابن حبان: ذكر البيان بأن خلوف فم الصائم قد يكون أيضًا من ريح المسك في الدنيا.
واحتج الشيخ أبو محمد بالحديث الذي فيه تقييد الطيب بيوم القيامة.
ثم قال ابن القيم: وفصل النزاع في المسألة أن يقال: حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن ذلك الطيب يكون يوم القيامة؛ فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال وموجباتها من الخير والشر، فيظهر للخلق طيب ذلك الخلوف على المسك، كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله كرائحة المسك، وكما تظهر فيه السرائر وتبدو على الوجوه وتصير علانية، ويظهر فيه قبح رائحة الكفار وسواد وجوههم، وحيث أخبر بأن ذلك حين يخلف وحين يمسون؛ فلأنه وقت ظهور أثر العبادة، وبكون حينئذ طيبها على ريح المسك عند الله تعالى وعند ملائكته، وإن كانت تلك الرائحة كريهة للعباد، فرب مكروه عند الناس محبوب عند الله تعالى وبالعكس، فإن الناس يكرهونه لمنافرته طباعهم، والله تعالى يستطيبه ويحبه لموافقته أمره =